مأزق جماعة الإخوان المسلمين فى مصر


تعيش جماعة “الإخوان المسلمون” في مصر مأزقا مزدوجا طرفه الأول يتمثل فى معركة البقاء السياسي والمجتمعي التي تخوضها الجماعة فى مواجهة حملة ممنهجة للإقصاء والاستئصال محليا وإقليميا ودوليا، والطرف الثاني هو أزمة التجديد الفكري والأيديولوجي والتنظيمي للجماعة. كلا الأمرين مرتبطان بشكل وثيق لكننا سنقصر الحديث فى هذه السلسلة من المقالات على البعد الثاني لأهميته البالغة فى تحديد مستقبل الجماعة حتى وإن نجت من محاولة الإقصاء والاستئصال.

وابتداء إن ثمة طريقتين للتعامل مع جماعة “الإخوان المسلمين” بشكل بحثي ومنهجي. الأولى باعتبارها جماعة دينية والثانية باعتبارها حركة اجتماعية وتنظيم بيروقراطي مركب. لن أخوض كثيرا فى الحديث عن الأولى ليس فقط لاعتبارات منهجية وتحليلية وإنما أيضا لأنها ربما لا تفيد كثيرا فى فهم المأزق الراهن للجماعة كما أنه سوف يتم التطرق إليها فى ثنايا الحديث عن أزمات الجماعة. لذا سوف يركز هذا المقال وما سيلحقه بحول الله على تفكيك عدد من الأزمات التي تواجه جماعة الإخوان وكانت أحد الأسباب المؤدية لمأزقها الراهن.

هذه الأزمات هي أزمة الفكر، وأزمة التنظيم، وأزمة القيادة، وأزمة الاستراتيجية. هذه الأزمات الأربع (أو مربع الأزمات) مرتبطة ومتداخلة بعضها ببعض، ولكننا حاولنا الفصل بينها لأغراض الدراسة والفهم والتحليل.

لكن فى البداية يجب التأكيد على أن كاتب هذه السطور ربما لا يكون الأول (وعلى الأرجح لن يكون الأخير) الذي يشير إلى مثل هذه الأزمات وإنما سبقه إليها باحثون آخرون كثر سواء كانوا مصريين وعربا أو أجانب(1)، بالإضافة إلى ما كتبه بعض قيادات وأعضاء الحركة الذين تركوا الجماعة ووجهوا لها انتقادات موضوعية وصادقة (2)، بعيدا عن أولئك المنخرطين حاليا فى الانتقام من الجماعة وتشويهها لأغراض شخصية ومادية وإعلامية.

 شيخوخة فكرية

نقصد بأزمة الفكر لدى جماعة الإخوان  ضعف القدرة – إن لم نقل انعدامها – على الإنتاج المعرفي والفكري والتنظيري للإخوان طيلة العقود الثمانية الماضية، وهو ما يمثل نقطة ضعف وثغرة كبيرة فى عملية التنشئة الفكرية والسياسية لأعضاء وقيادات التنظيم. وهي مسألة يمكن الاستدلال عليها من خلال أمرين هما: محتوى الخطاب الفكري للإخوان، وثانيهما: التطور التاريخي لهذا الخطاب الذي تكشف هشاشته وخواءه المعرفي.

أما عن محتوى الخطاب الفكري للإخوان، فإن النظر في أدبيات الجماعة (كتابات المؤسسين والقيادات البارزين والأعضاء المؤثرين) سوف تستوقفه ثلاث ملاحظات أساسية:أولها غلبة الحركى على الفكري.فالإنتاج الفكرى للجماعة لم يستهدف بناء مدرسة فلسفية خاصة بالجماعة على غرار المدارس الفلسفية الأخرى كالليبرالية أو الشيوعية أو غيرها من الفلسفات وإنما كان هدفه بناء حركة اجتماعية نشطة وفاعلة. وربما يفسر البعض ذلك بأن الإسلام يعد هو المرجعية الفلسفية للحركة وإذن ليس هناك حاجة لمثل هذه الفلسفة أو الرؤية الفكرية الكبرى. بيد أن المعضلة هى في غياب التأصيل والتنظير والاجتهاد الفكري والفقهي داخل هذه المرجعية بحيث يصعب الحديث عن مشروع فكرى واضح المعالم. وكانت النتيجة عدم وجود رؤية فلسفية متماسكة لدى الإخوان (إذا استثنينا مشروع سيد قطب واعتبرناه مجرد رؤية شخصية وليست تنظيمية أو تعبر عن الجماعة حسبما يقول قادتها وأعضاؤها)، وإنما شذرات وأفكار من هنا وهناك تم نسجها ووضعها فى خليط فكرى لأهداف محددة سوف أذكرها لاحقا فى هذا المقال وما سوف يلحقه. ولنأخذ مثالاً على ذلك “مجموعة رسائل الإمام حسن البنا” (3)  التي تعد بمثابة المعين الفكري والمرجع الرئيس للإخوان والتي يلتزم الجميع قيادة وأعضاء بقراءتها وأحيانا حفظها خلال مراحل العضوية المتعددة داخل الجماعة. رسائل البنا (وعددها سبع عشرة) عبارة عن خواطر وكلمات للرجل كتبها فى مواقف ومناسبات مختلفة قد لا يوجد بينها خيط أو ناظم محدد وإن كانت جميعها تخدم هدفًا واحدًا هو بناء حركة وجماعة قوية ومتماسكة. وهى تعكس شخصية البنا ورؤيته وقدراته اللغوية والخطابية أكثر من أي شئ آخر. وهي تتميز بالتعميم والتكرار والسهولة مضمونا ولغة بعيدا عن التنظير أو التعقيد ولعل ذلك ما يفسر انتشارها وجاذبيتها داخل الصف الإخواني خاصة خلال المراحل الأولى لنشأة الجماعة. وبعيدا عن بعض الأراء المثيرة للجدل للبنا خاصة فيما يتعلق بمفاهيم كالدولة والثورة والقوة والحق…إلخ، فإنه لم يحدث أي إضافة أو مراجعة أو تعديل لمثل هذه الأفكار والمفاهيم بشكل منهجي وتنظيمي.

 غلبة التنظيمي على السياسي

ثاني الملاحظات هي غلبة التنظيمي على السياسي. فمعظم كتابات وأدبيات جماعة الإخوان تركز على هدف أساسي إن لم يكن وحيدا وهو: التنظيم ووحدته وتماسكه. وهو أمر يبدو واضحا بشدة فى مجموعة الرسائل (خاصة رسالة دعوتنا، وإلى أي شئ ندعو الناس؟ وهل نحن قوم عمليون؟ ورسالة المؤتمر الخامس، ورسالة التعاليم) التي تركز على تنظيم الصف الإخواني وتعبئته وحشده باستخدام لغة حماسية وعاطفية وهو أمر متوقع بل ومفهوم خاصة فى بداية قيام الجماعة وتكوينها وتشكيل قيمها المرجعية. حتى كتاب” دعاة لا قضاة”(4) الذي كتبه المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي كان بهدف حماية التنظيم من التفكك والسير وراء الأفكار القطبية التي وردت فى كتاب “معالم فى الطريق”(5) . وهو ما بدا بوضوح (كما سنوضح لاحقا) فى كتابات منظري الجماعة اللاحقين مثل سعيد حوى وفتحي يكن وبعض قيادات الجماعة الحالية. ومن المفاجآت اللافتة (بل الصادمة) أن المحتوى السياسي فى الإنتاج الفكرى للإخوان يكاد يكون غائبا وإذا حضر فإنه ليس فقط فقيرا وضعيفا وإنما أيضا يدعو للرثاء. وسأذكر مثالا واحدا كنت قد أشرت إليه من قبل فى كتابي (الإخوان المسلمون فى مصر: شيخوخة تصارع الزمن) الصادر قبل سبع سنوات(6) . فأحد الكتب الرئيسية التي يتم تدريسها داخل الصف الإخواني هو “أوراق فى التربية السياسية” للمهندس فتحي شهاب الدين(7) . وهو كتاب أقل ما يقال عنه إنه “ملزمة” طلابية ركيكة لا تناسب جماعة في حجم ووزن جماعة الإخوان ولا يوجد به أي عمق أو تنظير فكري. ويبدو أن الهدف الرئيسي من الكتاب كما أشرنا سابقا هو تماسك التنظيم. وهو ما يلفت النظر إلى أن السياسة بالنسبة للإخوان هي مرادفة للتنظيم والعكس صحيح.

 غلبة التقليدي على النقدي

ثالث الملاحظات هي غلبة التقليدي على النقدي. لا يتطور الفكر إلا بالاحتكاك والنقد والمراجعة والجدل وهو أمر يكاد يكون ضعيفا إن لم غائبا داخل جماعة “الإخوان المسلمين” خاصة فيما يتعلق بالمجادلات الفكرية والنظرية العميقة. ولا يوجد حوار نقدي حقيقي ومفتوح داخل الأسر والشعب والمعسكرات والرحلات الإخوانية التي تهتم بالإلقاء والتلقين والتقليد وتمتين العلاقات التنظيمية أكثر من أي شئ آخر. فضلا عن الخلط الدائم بين الأفكار وشخصية قائليها، بما يمنع النقد الجاد لهذه الأفكار. فعلى سبيل المثال لم نسمع عن حوار أو جدل داخلي حول مجموعة رسائل الإمام وكيفية تطويرها أو تغييرها إذا لزم الأمر. صحيح أنه تم تعديل موقف الجماعة من بعض القضايا التي كان للبنا رأي آخر فيها، كالحزبية والمواطنة والدولة القومية وغيرها، إلا أن ذلك لم يجر نتيجة لمراجعة فكرية بقدر ما كان تكيفا مع الواقع السياسي المتغير واستجابة لعملية الاندماج التدريجي. وما يجرى على رسائل البنا يجرى على غيرها من الكتابات لقيادات الجماعة سواء التاريخيين أو الحاليين من حيث العمومية والتبسيط وأحيانا التسطيح، فضلا عن استهداف تماسك الجماعة ووحدتها بغض النظر عن المضمون.

 التطور الفكري للإخوان

أما الأمر أو المظهر الثاني للأزمة الفكرية لدى الإخوان هو ما يتعلق بتطورها الفكري. وهنا يمكننا الحديث عن ثلاث مراحل مر بها الخط الفكري والتنظيري (إذا جاز استخدام هذا التعبير) لأدبيات الإخوان. الأولى هي مرحلة التأسيس والتي تبدأ مع ظهور الجماعة عام ١٩٢٨ وحتى اغتيال مؤسسها حسن البنا في فبراير ١٩٤٩. وهنا تبرز كتابات البنا، ورسائله بخاصّة، التي تحدثنا عنها سابقا، فضلا عن بعض الكتابات لقيادات الجماعة التاريخيين مثل عباس السيسي وصالح عشماوي وغيرهما بصفتها الروافد الأساسية للعقل والفكر الإخواني. ومعظم هذه الكتابات يغلب عليها الطابع التأسيسي الذي يركز على كيفية بناء الجماعة وطرق الدعوة والحركة…إلخ.

 أما المرحلة الثانية فتبدأ منذ وفاة البنا وتمتد حتى نهاية السبعينيات. وهنا يمكن الحديث عن هيمنة المكون القطبي على الإنتاج الفكري للإخوان، ولا يكاد يوجد من ينافس قطب فى عمق إنتاجه الفكري والمعرفي والذي، وللمفارقة، لم يكن موجها لجمهور الإخوان فحسب وإنما يتجاوزه للجمهور الأوسع. وباستثناء كتاب الهضيبي الذي سبقت الإشارة إليه، فإن الكتابات الأخري للقيادات الإخوانية كانت مرتبطة بالحقبة الناصرية وأهوالها وفى إطار ما يمكن أن نسميه “أدب المحنة” وذلك كما سجلته أقلام قيادات ورموز الجماعة مثل زينب الغزالي ومحمود عبد الحليم وغيرهم.

أما المرحلة الثالثة فهى التي تبدأ من أواخر السبعينيات وحتى أواخر التسعينيات والتي سيطر فيها الفكر الإخواني المشارقي (نسبة إلى المشرق العربي) على أدبيات التنظيم الإخواني. ونقصد بذلك كتابات الشيخ السوري سعيد حوي (خاصة سلسلة جند الله)(8) وكتابات القيادي اللبناني فتحي يكن أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية فى لبنان والأمين العام لها الذي توفي عام ٢٠٠٩. وتمثل كتابات يكن وأهمها “مشكلات الدعوة والداعية”(9) ، و”ماذا يعني انتمائي للإسلام؟”(10)  و”المتساقطون على طريق الدعوة؟”(11) وغيرها من كتابات محمد أحمد الراشد(12)  ومنير الغضبان(13)  التي تعد ركنا أساسيا فى عملية التنشئة الإخوانية. وكما قلنا فى السابق فإن معظم هذه الكتابات يغلب عليها البعد الحركي والتنظيمي وليس الفكري أو الفلسفي المتجاوز للتنظيم ودولاب عمله اليومي. حتى داخل هذا الإنتاج التنظيمي لم يحدث أي تجديد فكري أو منهجي لهذه الأطروحات وهو ما أدى إلى تكلس التنظيم وغياب أية مبادرة للإبداع والتجديد طيلة العقدين الماضيين.

وبوجه عام يمكن القول إن إحدى منابع الأزمة الفكرية لدى جماعة الإخوان يتمثل فى أمرين: أولهما أنه لا يوجد لدى الجماعة تنوع فكرى حقيقي أو انفتاح على المدارس الفكرية الأخرى. وهنا لا أتحدث عن المدارس الأيديولوجية التي قد تتناقض أنطولوجيا وعقائديا مع الإخوان، وإنما أيضا تجاه أولئك الذي قد يشتركون فى نفس الجذر العقدي أو الأنطولوجي للإخوان تحت مظلة المرجعية الإسلامية. فعلى سبيل المثال لا يوجد فى مناهج الجماعة التي يجري تدريسها داخل الصف كتابات لعباس العقاد أو محمد حسين هيكل (الأديب والمفكر) أو زكي نجيب محمود، أو أحمد أمين من القدماء، أو مالك بن نبي أو علي شريعتي أو محمد إقبال أو محمد عابد الجابري أو حسن حنفي أو غيرهم من المعاصرين أو حتى من داخل الحركة الإسلامية ذاتها مثل راشد الغنوشي والدكتور أحمد الريسوني وغيرهم.

 ثانيهما، أن نمط التنشئة داخل المحاضن الإخوانية، ناهيك عن ثقافة وطريقة عمل التنظيم، لا يساعدان على بروز (أو نبوغ) شخصيات وقيادات فكرية لديها حس أو بعد تأصيلي وتنظيري وتجديدي، وإذا حدث فإنه يكون استثناء وليس القاعدة. حتى أولئك الذي تحلوا بمثل هذا الحس غالبا ما تركوا الجماعة تنظيميا لأسباب مختلفة بدءا من الشيخين محمد الغزالي والسيد سابق مرورا بالشيخ القرضاوي الذي كان حتى قبل الثورة على خلاف واضح مع من يقودون الجماعة وانتهاء بالدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. ناهيك عن كثير من شباب الجماعة الذين تميزوا بالنزعة النقدية والتفكير خارج الصندوق وتركوها بسبب الشعور بالإحبط ، ورفضا لهيمنة التقليديين على الجماعة.

 وليس أدل على الأزمة الفكرية لدى الإخوان من تبرير وجودها. فبعض أعضاء وقيادات الجماعة ينافحون بأن “الحركة” أهم من “الفكر”، وأن “التنظيم” أهم من “المشروع”، وهو قول يكفى لوحده للتدليل على مدى عمق هذه الأزمة وتجاوزها لحدود المنطق والمعقول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. للمزيد: راجع كتابات حسام تمام وعلاء النادي وكاري ويكام ونيثان براون ومارك لينش.
  2.  راجع، على سبيل المثال، كتاب “هيثم أبو خليل، إخوان إصلاحيون: شهادات موثقة تنشر لأول مرة عن تجارب الإصلاح الممنوعة داخل الجماعة”، (القاهرة: دار دون للنشر والتوزيع، ٢٠١٣)
  3.  مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، (القاهرة: المكتبة التوفيقية)، ١٩٨٤.
  4.  حسن الهضيبي، دعاة لا قضاة (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية)، ١٩٧٧
  5.  سيد قطب، معالم فى الطريق، (القاهرة: دار الشروق)، ١٩٧٣
  6.  خليل العناني، الإخوان المسلمون في مصر: شيخوخة تصارع الزمن؟ (القاهرة: دار الشروق الدولية)، ٢٠٠٧.
  7.  فتحي شهاب الدين، أوراق في التربية السياسية (القاهرة: مؤسسة إقرأ للنشر والتوزيع)،٢٠٠٥
  8.  سعيد حوى، جند الله ثقافة وأخلاقا، وجند الله تنظيما، وجند الله تخطيطا.
  9.  فتحي يكن، مشكلات الدعوة والداعية (مؤسسة الرسالة، ١٩٨٠)
  10.  فتحي يكن، ماذا يعني انتمائي للإسلام (مؤسسة الرسالة، ٢٠٠٧)
  11.  فتحي يكن، المتساقطون على طريق الدعوة (مؤسسة الرسالة، ٢٠٠٧)
  12.  الاسم الحقيقي هو عبد المنعم صالح العزي وهو داعية عراقي إخواني تنقل بين بغداد والكويت والإمارات وأهم كتبه: سلسلة الرقائق،  وصناعة الحياة، والمنطلق، والعوائق، وتنظير التغيير، ومنهجية التربية الدعوية. وكتبه تمثل ركنًا مهمًّا فى المحاضن التربوية للإخوان.
  13.  داعية إخواني سوري له مؤلفات حركية كثيرة لكن أهمها المنهج الحركي للسيرة النبوية الذي يتم تدريسه فى المناهج التربوية للإخوان بشكل مكثف.