ما بعد الصهيونية..إسرائيل بين وهمِ الحلم وهمِّ الواقع


مقتطفات من الصحافة الإسرائيلية

“هو ذا شعب يسكن وحده، وبين الشعوب لا يحسب”.

سفر العدد 9/23

أتى على المنظرين والمفكرين والأكاديميين والفنانين الإسرائيليين حين من الدهر لم يكفوا فيه عن تمجيد بطولات المستوطنين الأوائل، والجنود البواسل، والسياسيين الحكماء. بدا المشروع الصهيوني ذات يوم يوتوبيا فاضلة، نموذجاً أخلاقياً قويماً، مثلاً صراطياً أعلى تحقق بالنضال وتعمد بالدم، وارتكز في التطبيق على جزيرة ديمقراطية- ليبرالية، مسالمة ومتحضرة ورشيدة، في بحر عاصف من الأنظمة المتوحشة الهوجاء في الشرق الأوسط. زعم إعلان الاستقلال (=النكبة) أن “إسرائيل سوف تضمن المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.. [إضافة إلى] حرية المعتقد واللغة والتعليم والثقافة.. والأماكن المقدسة لجميع الأديان.. وستبقى وفية لمبادئ شرعة الأمم المتحدة”. وأن الدولة اليهودية سوف “تعتمد على مبادئ الحرية والعدالة والسلام.. كما لقنها أنبياء اليهود”. واعتقد المؤسسون الأوائل أن الحكم (الأخلاقي) على الدولة العبرية سوف يستند إلى أسلوب تعاملها مع الأغيار المقيمين على أراضيها. بل أكد بنحاس لافون (عضو الكنيست) عام 1948 أن “اليهود سوف يشكلون للمرة الأولى في التاريخ أغلبية تعيش مع أقلية.. وسوف يقدمون.. دليلاً دامغاً يثبت كيف تتعايش الأولى [بوئام وسلام] مع الثانية”.

بلغ المشروع الصهيوني ذروة نجاحه الباهر في توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة (غير الملزمة) عام 1947 التي منحت نسبة 55 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية لليهود، لكن لم يمض عام حتى استولوا على نسبة إضافية مقدارها 23 في المئة، ما أدى إلى تحول سبعين في المئة من الفلسطينيين إلى لاجئين في المنافي (نحو 750.000) آنذاك. أما نسبة 22 في المئة الباقية (غزة والضفة) فقد خسرها النظام العربي المتهالك في حرب عام 67. وهكذا انتصر الأخيار أصحاب الحق وانهزم الأشرار أهل الباطل!

لكن بدءاً من تسعينيات القرن الماضي تقريباً بدأت الصهيونية تفقد سحرها الطاغي. أخذ الباحثون والأكاديميون والصحفيون الإسرائيليون يشيرون إلى انقسام حاد في المجتمع الإسرائيلي، بلغ حد الحرب الأهلية الثقافية بين معسكرين: صراطي ديني وليبرالي علماني. يريد الأول أن تبقى إسرائيل دولة يهودية، بينما يعتقد الآخر أن الصهيونية وصلت إلى نهايتها المحتومة، وأزف الوقت لتدخل إسرائيل حقبة ما بعد الصهيونية. رأى أنصار الحركة الجديدة أن من الضروري تحدي الأساطير التأسيسية والأنماط التكوينية للمشروع الصهيوني، التي حظيت بإجماع إسرائيلي في العقود اللاحقة على قيام الدولة. ولأنه افتقد الأساس الأخلاقي المتين منذ تأسيسه، يجب وضعه موضع المساءلة جنباً إلى جنب الركائز الأخلاقية للدين ذاته. واستمدوا وحيهم من مدرسة الحداثة البعدية التي تؤمن بنسبية الحقيقة، وتسعى إلى تفكيك القيم الحديثة. لكن خلافاً لتيار ما بعد الحداثة الذي ينطلق من مبدأ القبول بالحداثة بوصفها واقعاً والتعامل مع عواقبها الجدلية وتناقضاتها البنيوية، ثم يحاول تجاوزها إلى ما بعدها، لا يقبل ما بعد الصهيونيين بالصهيونية ولا بإسرائيل أصلاً، ويعدون كلاً من الفكرة والتطبيق حالة غير شرعية يجب تصديع دعائمها واستئصال معالمها. ولذلك يحاول خطاب ما بعد الصهيونية تفكيك فكرة الصهيونية التي تأسست عليها دولة إسرائيل، تمهيداً لتهديمها، وإثبات أن من المستحيل للدولة أن تكون يهودية وديمقراطية في آن. أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فيرى أتباع ما بعد الصهيونية أن إسرائيل ظاهرة لا أخلاقية لأنها تأسست على خراب شعب آخر. ويعدون الصهيونية حركة كولونيالية وعنصرية وشريرة اغتصبت أرض الآخرين وتواصل قمعهم واضطهادهم، ويستهدفون نزع الشرعية عن عالمها المفهومي.

انحسر الوهم الخادع فتكشفت حقائق الواقع الصادم واحدة تلو الأخرى. تبين مثلاً أن الصراع لم يبدأ قبل قرن من الزمان بهجوم شنته فصائل فلسطينية “إرهابية” على الجاليات اليهودية المحاصرة في “غيتوات” شرق أوروبا، بل بسيل من المهاجرين اليهود الذين تدفقوا إلى فلسطين لجملة أسباب روحية وعقدية واقتصادية واستعمارية وشخصية. ولم يجد هؤلاء، خلافاً لتوقعات العهد القديم، أرضاً يباباً، بل بلداً مأهولاً بسكان لهم جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وبدؤوا يشعرون بتميز هويتهم الوطنية والقومية. في الحقيقة، شهد الاقتصاد الفلسطيني بعد الحرب العالمية الأولى حقبة من الانتعاش، وازدهرت مدن مثل القدس ويافا وحيفا واحتشدت بدور السينما وقاعات الموسيقى وملاعب التنس وبعض من أفضل المدارس في الشرق الأوسط، بينما تجاوزت معدلات النمو الاقتصادي ودخل الفرد مستوياتها في تركيا ومصر*.

من الحقائق المهمة التي بانت أيضاً، حسبما يزعم خطاب ما بعد الصهيونية، أن جنود جيش الدفاع ليسوا على المستوى الأسطوري من الشجاعة والإقدام كما صورته الرواية الرسمية. فقد خاضوا أغلب معاركهم إما ضد مدنيين عزل (1948)، أو تشكيلات “انكشارية” تفتقد التنسيق وتجهل أبسط قواعد القتال والاشتباك (1948)، أو وحدات “عسكرية” مهزومة سلفاً، عانت انهياراً في الروح المعنوية جراء الاستبداد والظلم والقهر (1967)، أو مجموعات مشتتة تفتقر إلى التنظيم وإرادة القتال (1982)، أو ميليشيات “مطيفة” تفتقد الإجماع الشعبي الوطني (2006). ومن تجرأ على القتال فعلاً، وجد نفسه مكشوفاً (دون غطاء جوي في أغلب الأحيان) أمام آلة حربية ماحقة وقوة نارية ساحقة. أما في المرة الوحيدة التي اجتمع فيها شمل هؤلاء الأعداء المتخلفين المتناحرين لخوض قتال حقيقي، فقد تحققت مفاجأة مذهلة كادت تقلب الوضع تماماً (1973).

لقد ظلت المؤسسة اليهودية ردحاً من الزمن تطالب اليهود في الداخل والشتات بخلع ليبراليتهم على باب الصهيونية، لكنها اكتشفت –مذعورة ومتأخرة- أنهم يتخلون عن صهيونيتهم عند باب الليبرالية. يقول يارون إزراحي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية: “بعد عقود من الإجماع الوطني، تحللت الرواية السردية للاستقلال إلى نسخ متعارضة.. تأسست إحداها على ذاكرة القمع والاضطهاد والإبادة الجماعية والصراع المرير من أجل البقاء، ذاكرة تظهر ريبة عميقة بغير اليهود، ولا تؤمن إلا بضرورة تضامن شعب الله المختار؛ بينما تغذت أخرى على السرديات العلمانية إضافة إلى فكرة التقدم التنويرية، التي تعبر عن الشك العميق بالقوة العسكرية الغاشمة، وتتشبث بالقيم الليبرالية-الديمقراطية”. نمت هذه الصهيونية الليبرالية-الديمقراطية من نزعة فردانية جديدة، ولاسيما بين العلمانيين، ومن مطالبة بمزيد من حرية التعبير ومقارعة السلطة القاهرة، ومن اقتناع بأن العنصرية نتيجة طبيعية لزومية للصهيونية أو أي قومية شوفينية عرقية المرتكز. فإذ فرضت السمة الإثنية-الدينية على الدولة، وإذا كانت الدولة تقوم على اليهود، وبواسطتهم، ومن أجلهم، فلا بد أن يواجه غير اليهود عواقب وخيمة. يمكن رؤية هذه الروح لدى مفكرين من أمثال يشعياهو ليبوفيتش، أستاذ الكيمياء والفيزياء والتاريخ وفلسفة العلوم في الجامعة العبرية، الذي اعتاد الإشارة إلى الشخصية “اليهودية-النازية” لإسرائيل، والتأكيد على أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين والعرب الإسرائيليين شكل من أشكال النازية، وأن إسرائيل لن تتأخر في إقامة معسكرات الإبادة الجماعية للعرب (رفض ليبوفيتش تسلم أرفع جائزة تمنحها إسرائيل في عام 1992)؛ ومؤرخين مثل توم سيغيف، الذي نقب بجرأة مشهودة في الزوايا المظلمة من ماضي الصهيونية؛ وبيني موريس الذي أكد أن إسرائيل أخرجت العرب بالقوة من ديارهم بغير حق في حرب عام 1948، خلافاً للرواية الرسمية الإسرائيلية التي تقول إنهم غادروا بإرادتهم أو لبوا دعوة زعماء البلدان العربية المجاورة؛ وعلماء اجتماع مثل أوري رام الذي وضع الأساس الأخلاقي للمشروع الصهيوني موضع المساءلة، ووجده شكلاً من أشكال الكولونيالية؛ وصحفيين مثل بواس إفرون الذي أكد أن الصهيونية “فبركت” رابطة مزيفة بين اليهود والأرض، وأن المبالغة في التهويل والتركيز على “المحرقة” ليست سوى منظور مشوه بالإيديولوجيا، رؤية خاطئة للعالم لا تستهدف فهم الماضي بل التلاعب بالحاضر؛ وخبراء قانونيين من أمثال رئيس المحكمة العليا السابق أهارون باراك الذي أبطل قوانين الكنيست التي تنتهك حقوق الإنسان؛ فضلاً عن رئيس الوزراء السابق إيهود باراك الذي أظهر استعداداً للتخلي عن معظم الضفة الغربية أواخر عام 2000؛ ووصل بعضهم الآخر إلى حد اعتبار اليهود مجرد جماعة دينية، والشعب اليهودي ذاته مجرد “رواية سردية” اخترعت في القرن التاسع عشر.

لم يقتصر انتقاد خطاب ما بعد الصهيونية للصهيونية على القضية الفلسطينية فحسب، بل ركز على أسلوب معاملة الشرائح المستضعفة والمحرومة في المجتمع الإسرائيلي مثل النساء واليهود السفارديم (الذين هاجروا إلى إسرائيل في أوائل الخمسينيات من بلدان الشرق الأوسط). ودعا إلى تبني سرديات “الآخر غير المتحضر”، الرواية المهمشة للفئات الاجتماعية الخاضعة. وباتباع أسلوب إدوارد سعيد في نقد الاستشراق الغربي، وضع العرب واليهود السفارديم في بوتقة واحدة ليجسد نظرة ما بعد الصهيونية للاضطهاد الذي تمارسه الدولة العبرية ويخترق الخطوط القومية والعرقية والجندرية.

لم تسلم حتى المحرقة (“الهولوكوست”)، التي تمثل أكثر الموضوعات حساسية في إسرائيل، من هجوم أتباع حركة ما بعد الصهيونية. فقد أكد المؤرخ توم سيغيف أن الصهيونية استغلت المحرقة للترويج لأهدافها السياسية، وأن جماعات الييشوف (الجالية اليهودية في فلسطين قبل قيام إسرائيل) وجدت في إبادة اليهود الأوروبيين فرصة تاريخية سانحة لتحقيق الأهداف الصهيونية ولم تفعل شيئاً لإنقاذهم. كما تتابع الدولة حالياً اتباع هذا النهج، لأن الدروس والعبر المستخلصة جمدت ضمن إطار الخصوصية اليهودية الضيقة، اعتماداً على مبدأ فرادة “الهولوكوست” في التاريخ البشري، وتمثيله ذروة الكره السرمدي اللامعقول الذي يكنه الكفار/الأغيار لليهود، ومن ثم فهي تملك الحق الأخلاقي الكامل في اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية اليهود. وهكذا عملت على تعزيز المشاعر القومية والشوفينية بدلاً من التوصل إلى مبادئ إنسانوية عامة.

هنالك ثلاثة عوامل على الأرجح توشك على تحطيم “المعجزة” الإسرائيلية: أولاً، تعد المناطق الواقعة إلى الشمال من بئر السبع أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم الغربي. وفي مدة لن تتجاوز عشرين سنة، سوف يجعل الانفجار السكاني (لدى العرب واليهود) الحياة في الأرض الموعودة جحيماً لا يطاق. ثانياً، ضاع الأمل بالعثور على حل للنزاع مع الفلسطينيين. ولا يوجد مراقب عاقل يعتقد اليوم بإمكانية ابتكار حل سحري يمكن أن ينهي المأساة في المستقبل المنظور. ثالثاً، يبدو أن المشكلة الوجودية التي يواجهها الإسرائيليون مع الذات، مع الهوية والماضي اليهودي، قد كمنت مختبئة ثلاثة أجيال وراء ساتر سميك من الروح الصهيونية. لكن مع اهترائه في السنوات الأخيرة، تكشفت فجوة فاغرة. ومن المؤكد أن الوهن الذي أصاب بآفته الحركة العمالية، والكيبوتسات، وحماسة الرواد، لم يكن عشوائياً، ولا كانت مشكلة ضعف القيادة وفساد النظام السياسي حدثاً عابراً. إذ انبثقت كلها من أزمة وجودية وإيديولوجية وروحية وعقدية أعمق غوراً سببها انكشاف حقيقة الصهيونية وفقدان قوة زخمها الداخلي.

لا يقتصر الهم الإسرائيلي على الهلع من البرنامج النووي الإيراني (خصوصاً بعد الغزل الأمريكي-الإيراني)، ولا التهديد الذي يشكله حزب الله اللبناني (الذي تحول إلى مجرد تهويل ولاسيما بعد قراره المتهور بالتورط في الحرب الأهلية السورية)، بل يشمل قضية الاحتلال، التي تحاصر إسرائيل في إسار معضلة من خيارين أحلاهما مر. فإذ لم تعمل على إنهاء الاحتلال والانسحاب من الأراضي الفلسطينية، سوف تفقد مصداقيتها وسمعتها بوصفها دولة ديمقراطية وتخسر شرعيتها الدولية، وإذا انسحبت من دون اتفاق سلام (ما يزال بعيد الاحتمال) سيعد أعداؤها ذلك ضعفاً ويعرضها لموجة جديدة من الهجمات التي تمهد لحرب شاملة تهدد وجودها ذاته.

أما “الحل” الذي يقترحه المعسكر اليميني المتطرف للصراع المزمن مع الفلسطينيين فهو “اللاحل” الذي يدمر سمعة الدولة العبرية ويفضح عنصريتها ويحشد ضدها الرأي العام العالمي: إبقاء 2.6 مليون فلسطيني في الضفة الغربية إما من دون دولة، أو محاصرتهم في سلسلة مقطعة الأوصال من المعازل العنصرية (بانتوستانات)، أو “تشجيعهم” على الرحيل (=تطهير عرقي). لكن البديل –الاحتفاظ بالأراضي ومنح سكانها الجنسية الإسرائيلية- يعني في المستقبل المنظور نهاية الأغلبية اليهودية في إسرائيل، أي نهاية الدولة العبرية.

لا يعني ذلك كله أن إسرائيل سوف “تمسح” من الخارطة بين يوم وليلة، فما يزال الاقتصاد الإسرائيلي ناشطاً وقوياً**، وما يزال عدد الشركات الإسرائيلية على مؤشر “ناسداك” يفوق أعداد الشركات الفرنسية والألمانية والإيطالية، كما تعد إسرائيل أكبر مختبر للبحث والتطوير في مجال التقانة المتقدمة خارج الولايات المتحدة. فضلا عن أن المجتمع المدني العلماني وتيار ما بعد الصهيونية في إسرائيل لا يتقدمان على مسار خطي مستقيم، فهناك كثير من النكسات والعقبات والانعطافات، بينما تكمن المجموعات القومية-الإثنية، والمؤسسات الصهيونية الأصولية، وجماعات المستوطنين المتطرفين، متربصة في كل زاوية وركن، تنتظر الفرصة للانقضاض بعد تفجر أي دورة عنف جديدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كان شمعون بيريز السياسي الوحيد في العالم الذي أخذ فرانسيس فوكوياما على محمل الجد، حين تحدث في كل مكان عن هذا “الشعور بنهاية الصراع.. ونهاية التاريخ.. ونهاية كل شيء” من أجل البدء من جديد والمسير قدماً على درب السلام.. معتقداً –مع اليسار الإسرائيلي- أن العامل الحاسم هو “البيزنس والمال”، وأن القضية برمتها “فردانية/استهلاكية/تجارية”.. فخسر الانتخابات لصالح “القناص” الذي عرف أنها مسألة هوية ومصير ووجود.

————————————————————————–

* Mohammad Tarbush, ”Israel and Palestine: To Leap Forward, First Look Backward,” The World Post, September 29, 2014.

** في عام 2013، بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل (8 ملايين نسمة) نحو 291.4 مليار دولار. بينما لم يتجاوز في مصر مثلاً (82 مليون نسمة) 272 ملياراً!