ما يحتاج المصريون سماعه بعد الانتخابات الرئاسية


أتت نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه مركز “بيو” الأمريكي للدراسات(*) بما لا يحب أطراف النزاع في مصر سماعه، فقد أكد الاستطلاع أربع حقائق لها دلالات كبيرة للمحللين للوضع المصري بعد فوز عبدالفتاح السيسي بالانتخابات الرئاسية، وبعد عشرة أشهر من الانقلاب على الرئيس محمد مرسي وقمع المعارضة بكل أطيافها في محاولة لإعادة نظام مبارك بواجهة جديدة:

الحقيقة الأولى هي استحالة انتصار أحد الأطراف على الآخر نتيجة لتقارب معدلات التأييد الشعبي لكليهما وهو ما يعزز فرص المصالحة السياسية والمجتمعية إذا توفرت النيات واستقامت الأفعال.

الحقيقة الثانية هي غلبة أولوية توفير الوظائف ومحاربة الفقر والفساد وتحقيق العدالة على توفير الأمن والاستقرار بما يعكس الأولويات الحقيقة للناس والثورة لا السلطة والدولة.

الحقيقة الثالثة هي أن نسبة كبيرة من المصريين لم يفقدوا إيمانهم بالديمقراطية كطريقة لحل مشكلاتهم رغم كل محاولات السلطة لإنكار أهليتهم لذلك.

الحقيقة الرابعة هي استمرار الدين كمكون أساسي للسياسات العامة كما يتوقعها أغلب المصريين، وهو ما يعني أن استبعاد الإسلاميين من الحياة السياسية لا يعني استبعاد الدين من حياة المصريين، وأن عملية سياسية بدونهم لا تعني غير الاستبداد، الذي لن يخلو من استغلال الدين أيضا.

المستقبل بين الانهيار والمصالحة

أما الحقيقة الأولى فهي أن الكل في هذه الحرب الجارية خاسر؛ ولا حل غير المصالحة وبناء نظام ديمقراطي يستوعب الجميع؛ فقد خسر الإخوان كما هو متوقع جزءًا كبيرا من شعبيتهم (25%) منذ العام الماضي (انخفضت من 63% في 2013 إلى 38% في 2014) لكن في المقابل مازال قطاع كبير من المصريين لا يؤيد عزل محمد مرسي (43%) في مقابل (54%) فقط يؤيد عزله، وهو ما يشكك في مقولات التأييد الشعبي الجارف لخطوة الجيش في يوليو 2013. على الجانب الآخر، وكنتيجة لتدخله المباشر في السياسة وتورطه في إراقة دماء المصريين؛ تدهورت شعبية الجيش أيضا خلال العام المنصرم بـ (17%) لينخفض التأييد له من (73% في مايو 2013 إلى 54% في مايو 2014) هذا يعني أن (46%) من المصريين لا ينظر للجيش الوطني بشكل إيجابي وهو ما يعتبر خسارة كبيرة من رصيد المؤسسة الوطنية.

أما المؤسسات المتحالفة مع الجيش فقد طالها أيضا التدهور في الشعبية، كانت مؤسسة القضاء أكبرهم (58 إلى 41٪) تلتها الشرطة (42% متحسنة من 37% في 2011) بينما حافظت المؤسسة الدينية على أعلى درجات الثقة على الرغم من انخفاضها بشكل عام (60٪ من 81% في 2011)؛ ولا شك أن حالة عدم الرضا وانعدام الثقة في المؤسسات ستؤدي إلى تفاقم أزمة الشرعية والتي ستؤثر بدورها على أدائها المتدهور، وهو ما سينتهي إلى حالة فشل مؤسساتي مستحكم لن ينجح مجرد ضخ الأموال الإقليمية في تداركه.

ينعكس الانقسام المجتمعي أيضا في عدم وجود قيادة تحوز تأييد الأغلبية من المصريين. فعبد الفتاح السيسي – على الرغم من الدعاية الإعلامية المكثفة لمدة عشرة أشهر – لم يحز على تأييد أكثر من (55%) من المصريين، في مقابل (42%) لمرسي على الرغم من اختفائه عن المشهد السياسي والتشويه الإعلامي المتعمد له. هذا الانقسام مستمر منذ مايو 2013 حيث حصل مرسي على تأييد (52%) فقط من المصريين وهو ما يظهر أن محمد مرسي بسياساته لم يكن عاملا موحدا للمصريين بعد عام من حكمه؛ كما أنه من غير الواضح أيضا أن أحدا من القيادات السياسية الأخرى يستطيع أن يحقق ما لم يحققه مرسي أو السيسي، فحمدين صباحي مثلا لم يحصل على تأييد أكثر من (35٪) من المصريين في 2014، بينما حصل أبو الفتوح على تفضيل (33٪) والبرادعي (27٪)؛ وقد تكون هذه النتيجة غير منطقية لصباحي نظرا للجهود الحثيثة التي يبذلها حاليا للعودة إلى صدارة المشهد، لكن عند تذكر ارتباك خطابه تجاه قضايا الثورة وعدم تحديد جمهوره في القطاعات المؤيدة للثورة وتجاهله للإسلاميين ومطالبهم يمكن حينئذ فهم أسباب عزوف قطاعات كبيرة عنه، وفيما يتعلق بأبو الفتوح والبرادعي٫ فإن شلل أبو الفتوح السياسي، وهروب البرادعي عن المواجهات؛ قد يفسر غياب الدعم الشعبي لهما كذلك.

الشفافية والعدالة الاجتماعية أولا

الحقيقة الثانية هي أن (82%) من المصريين ما زالوا يعتبرون أن تحسين الظروف الاقتصادية بتوفير الوظائف ومحاربة الفقر والفساد هو الأولوية حاليا يليها تحقيق العدالة التي حازت على اهتمام (79%) مقابل (63%) للأمن والاستقرار. هذه الأولويات على التوالي هي أولويات الثورة والناس وليست أولويات السلطة والدولة. ما يؤكد الاستنتاج السابق أن (76%) من العينة يرى أن الوضع الاقتصادي سيء وهي نفس النسبة من 2013 مرتفعة عن 2011 بمقدار (12٪). لذا فإنه لا يبدو أن الأوضاع الاقتصادية ستتحسن قريبا، هذه نتيجة أخري للاستطلاع، حيث تتساوى تقريبا التوقعات لمستقبل الاقتصاد خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة بنسبة 30٪ للتحسن ومثلها للتدهور أو الاستقرار على الحالة السيئة. كذلك فإن تصاعد ارتفاع حالة السخط العام عن الأوضاع إلى (72%) في 2014 من (62%) في 2013 و(69%) ما قبل الثورة في 2010 لا يبشر باستقرار قريب ما لم يتم تبني قضايا العدالة الاقتصادية والجنائية باعتبارها الطريق الوحيد لضمان الأمن وترسيخ نظام سياسي مستدام.

الديمقراطية هي الحل

الحقيقة الثالثة هي أنه على الرغم من القمع وتكميم أفواه المعارضة والتشكيك في أهلية المصريين للديمقراطية ما زال حوالي (60%) من المصريين يعتبرون أن الديمقراطية هي النظام المفضل للحكم. وعند التخيير بين الديمقراطية أو القائد القوي لحل المشكلات فانه مازال (52%) يرون أن الديمقراطية هي الأفضل مقابل (43%) للقائد القوي. هذه النتائج تعكس بالتأكيد حالة القلق والتوتر الناجمة عن الأحداث القائمة، وهذا ما يجعلنا نحتاج أن نتذكر أنه في 2011 كان هناك (64%) يفضلون الديمقراطية على القائد القوي كطريقة لحل المشكلات وهذا ما يعزز الحاجة إلى المضي نحو ترسيخ الديمقراطية بدلا من الإطاحة بها، وذلك عن طريق تفعيلها لتصبح منهجا سلميا لحل المشكلات وتداول السلطة بدلا من تعطيلها والتذرع بفشلها لتبرير الاستبداد.

نوعية الصراع وطبيعة التحديات

الحقيقة الرابعة هي احتفاظ الإسلام بمكانته النسبية المرتفعة كمكون للسياسات العامة؛ فحين انخفض عدد المؤيدين لتطبيق الشريعة بشكل حرفي من (61 إلى 48٪)، زادت نسبة المؤيدين لإتباع القيم الإسلامية في التشريع من (27 إلى 31%) مقابل زيادة المعارضين لذلك من (5 إلى 16٪) من المصريين.ومن خلال هذه الأرقام يمكن استخلاص نتيجتين؛ أولاهما: ليس كل من أيد عزل مرسي أو سينتخب السيسي هو علماني بالضرورة؛ ومما يؤكد هذا أن نسبه المؤيدين لاستمرار المرجعية الإسلامية في التشريع (79%) أكبر من مؤيدي مرسي أو الإخوان المسلمين. ثانيا، إقصاء الإسلاميين لن يعني توقف استخدام الدين في السياسة، وأن اختفاء الأحزاب الإسلامية لن يعني زيادة شعبية الأحزاب العلمانية؛ في حين ربما يؤدي إخفاق الخطاب الإسلامي التقليدي إلى خسارة للإسلاميين التقليديين (الإخوان والسلفيين) لكن في نفس الوقت قد يعني فرصه أكبر لأحزاب لا تختصم مع الدين ولا توظفه (حزب مصر القوية على سبيل المثال) في حالة تغييرهم لخطاباتهم واستراتيجياتهم٬ دون أن يعني تحول هذه الكتلة لأحزاب الدستور والمصريين الأحرار نظرا لاستمرارهم في تبني خطابات معادية بشكل جوهري للمكون الإسلامي (النصي والقيمي.)

على الرغم من أن الاستطلاع اعتمد على آراء ألف مواطن بالغ فقط، إلا أن نتائجه تعكس الحقيقة التي يهرب منها الجميع؛ إذ أنه بعد مضي عشرة أشهر على أحداث يوليو 2013 الدامية عادت حقائق ما قبل الثورة إلى الواجهة مرة أخرى بانتظار حل مختلف عن تجربة السنوات الثلاث المنصرمة؛ ومما تؤكده نتائج الاستطلاع كذلك أنه لا يوجد أي فصيل مهيمن على المشهد السياسي المصري، ولا يوجد أفق لانتصار أحد الأطراف على الآخر فما زال الطرفان الأقوى هما الجيش والإخوان، ومن غير المتوقع ظهور كتل توازي حجمهما في المستقبل القريب؛ ومازالت مطالب الثورة متجاهلة من الطرفين الأقوى، لذلك لا ترى كثير من القطاعات أنهما يمثلانها. أخيرا؛ ما زالت الديمقراطية إحدى القيم والأولويات لكثير من المصريين في نضالهم لاستعادة حقوقهم وهو ما يجب البناء عليه وتعزيزه بدلا من محاولات عابثة لتهميشه. أخيرا، إن الصراع ليس بين الإسلام والعلمانية كما يحب البعض تصويره، ولكنه بين الديمقراطية والاستبداد، بين العدالة والفساد.

ـــــــــــــــ

(*)مركز بيو للبحوث هو مركز غير حزبي وظيفته توعيه الجمهور بالقضايا والتوجهات والاتجاهات التي تؤثر في أمريكا والعالم. يقوم المركز بعمل مسوحات للرأي العام وبحوث سكانيه وتحليل محتوى الإعلام٫ وغيرها من بحوث العلوم الاجتماعيه التطبيقية. كل تقارير المركز متاحة على الموقع الإلكتروني: http://www.pewglobal.org/