مراجعة التحولات الفكرية بحركة الإخوان المسلمين بمصر


السقوط السياسي السريع لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر بعد أقل من سنة في السلطة جاء ليفتح الباب أمام القيام بمراجعات نظرية تتعلق بالخبرات السياسية لحركات الإسلام السياسي بالوطن عامة. ففشل التجربة السياسية لحركة الإخوان المسلمين جاء كاشفًا عن حجم الصدع التنظيمي الداخلي للحركة و ضحالة مشروعها السياسي و الاجتماعي الإصلاحي؛ الأمر الذى دفع البعض إلى الإقرار بنهاية “الإسلاموية الأرثوذكسية” أو حركات الإسلام السياسي على حد تعبير خليل العناني(1) .

كانت بداية سقوط الحركة على الصعيد الأيديولوجي و التنظيمي قد جاء سابقًا لأحداث الثالث من تموز، هذا ما ذكره حسام تمام في كتابه الذي تضمن مجموعة من المقالات كان قد سبق نشرها في جريدة الشروق و وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الاسكندرية، يقر تمام فيها بتفكك الأيديولوجيا النقية التي قامت عليها الحركة و انهيار المركزية التنظمية التي عُض عليها بالنواجذ منذ السبعينيات. لكن يبدو أن ذلك التفكك ظل كامنًا إلى أن تحولت الجماعة من حال الضحية لوضعية التمكين فى أعقاب ثورة الخامس و العشرين من يناير، حيث أصبح من العسير إخفاء التناقض بين خطاب الجماعة الدعوي الإصلاحي و ممارساتها السياسية التي اتسمت بالبراجماتية حينًا و الجمود حينًا آخر، هذا بالإضافة إلى العجز عن تقديم برامج اجتماعية و اقتصادية قادرة على إنفاذ مهمة العدالة الاجتماعية المنتظرة.

و يمكن إعادة قراءة طرح تمام حول ملامح التفكك الأيديولوجي للجماعة من خلال التطورات التي شهدتها الساحة المصرية على مدار ثلاث سنوات سابقة في النقاط التالية:

من الخلافة إلى القومية:

الانتقال من الحديث عن الخلافة الإسلامية الجامعة إلى العمل فى إطار الدولة القومية، بل قبول و تبرير وضعية التجزئة و الانقسام العربي، و العمل من خلالها. و قد ظهر ذلك جليًا فى موقف الجماعة القابل لمعاهدة كامب ديفيد، بل عدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى إمكانيات تعديل المعاهدة فى المدى المنظور، و القبول بمبدأ حل الدولتين؛ و هو ما يشكل نكوصًا عن خطاب الجماعة الأصيل الذي قام على فكرة تحرير كامل الأراضي الفلسطينية و دعم المقاومة المسلحة، ترافق مع ذلك الخطاب تراجع عن دعم حركات المقاومة في دول عربية أخرى كالعراق مثلًا.

التحول من التنظيم الدولي إلى الجماعة القطرية. و هنا يشير تمام إلى اللامركزية التي يتسم بها التنظيم الدولي للجماعة من حيث غياب ملامح التنسيق بين الفروع المختلفة للحركة، حيث تأتي قرارات فروع الجماعة لتعكس الواقع و الخصوصية السياسية القطرية لكل فرع، و يتم تغليب المصالح القومية على حساب أي اعتبارات أو قيم مشتركة يفترض أن تحرك جماعة الإخوان كحركة عبر قومية واحدة(2) .

هوس المعارك الانتخابية:

التحول من التأكيد على مبادئ الشورى، و مثالب النظام الديمقراطي الغربي إلى الاستيعاب الكامل ضمن آليات الديمقراطية التمثيلية الغربية، و هو ما ظهر فى التأكيد دومًا على أولوية الانتخابات و ضرورات الاحتكام إلى نتائجها، بل تنحية أي معارك أو اهتمامات أو مواقف وجب على الجماعة إبداؤها فى مقابل إنهاء أي معركة انتخابية لصالح الجماعة؛ و النظر إلى آلية الانتخابات باعتبارها المخلص أو الوسيلة الوحيدة للإصلاح. فالجماعة أعطت ظهرها للحراك الثوري بالشارع وأعلنت رفضها المشاركة في أي من الاحتجاجات التي قامت ضد انتهاكات المجلس العسكري ووزارة الداخلية، وكانت حجتها في ذلك هو عدم تعطيل المسار الديمقراطي التمثيلي باعتباره الوسيلة الوحيدة لمعاقبة الجناة و إنفاذ أهداف العدالة الانتقالية؛ ما انتهت إليه الأمور هو أن المسار الديمقراطي لم يتوقف لكن العدالة لم تتحقق، بل تمكن الأعضاء السابقون في المجلس العسكري من الانقلاب على كافة الترتيبات الديمقراطية الإجرائية التي استمات الإخوان في الدفاع عنها.

إشكالية الدعوة والحزب:

التحول من العمل الدعوي إلى العمل الحزبي. على الرغم من أن تاريخ الجماعة لم يشهد عزلة عن العمل السياسي منذ نشأتها- باستثناء أوقات التنكيل الشديدة إبان الحقبة الناصرية- إلا أنه فى الوقت نفسه لم تترك الجماعة دورها التربوي والدعوي على الأقل داخل الأسر و الحلقات الإخوانية التربوية. لكن في أعقاب تنحية مبارك تم توجيه كامل الطاقات البشرية والمالية للعمل السياسي، و هو ما ترتب عليه حدوث حالة من الخواء الروحي والدعوي داخل الحركة، بحيث تحولت النقاشات والجلسات التربوية للأسر إلى جلسات للتداول و التوجيه السياسي(3) . كما برزت الفجوة بين خطاب الجماعة وممارساتها السياسية البراجماتية بصورة واضحة، مما تسبب فى سقوط الحركة ليس فقط على الصعيد السياسي و إنما على الصعيد الفكري أيضًا، حيث طرحت الممارسة الحزبية ضرورات مراجعة الحدود الفاصلة بين العمل الدعوي و السياسي، و ما تأثير العمل الحزبي على المشروع الإصلاحي للحركة؟

التحول نحو النيوليبرالية الاقتصادية:

التحول عن دعم المهمشين وانتقال خطاب الاقتصاد الإسلامي إلى التبني الكامل للسياسات النيوليبرالية الاقتصادية. تجدر الإشارة إلى أن الحركة لم يكن لديها يومًا برنامجٌ واضح الملامح حول اقتصاد الدولة الإسلامية المرجوة، و قد يرجع ذلك إلى ضعف التنظير الإسلامي عمومًا فى هذه المجالات من ناحية، و من ناحية أخرى انشغال الجماعة بصراعها مع السلطة والحركات السياسية الأخرى المنافسة لها على حساب التفرغ لعملية التنظير و الإنتاج الفكري لمثل هذه القضايا (4). لكن على الرغم من ذلك ظلت الجماعة وفية- على الأقل على صعيد الخطاب- لدعم قضايا العدالة الإجتماعية، محاربة الفساد، ورفض التعاملات البنكية الربوية. ومع تولي الجماعة للسلطة ظهر خطاب جديد لا يرى غضاضة في استمرار السياسات الاقتصادية النيوليبرالية لنظام مبارك، مع التخفيف فقط من درجة الفساد التي صاحبت التعاقدات التجارية التي قام بها النظام (5).

من المعارضة إلى التحالف والمهادنة:

التحول من معارضة النظام السياسي إلى مهادنته و صولًا إلى تمجيده بصورة مباشرة. حاولت الجماعة على مدار تاريخها الحفاظ على صورة المعارضة السياسية للنظام الحاكم حتى و إن اختلفت حدة ودرجة هذه المعارضة من حين لآخر. لكن يبدو أن الجماعة انتهى بها مسار الحركة إلى العمل و فقًا للمساحات التي يحددها لها النظام، حتى أصبح استمرارها على الأرض واجهة لتخفيف الهيئة الاستبدادية اللاذعة للنظام، و صولًا لدرجة مهادنة النظام و تمجيد مؤسساته الأمنية. فقد أصبح من المعروف أن الجماعة دخلت في تنسيق أمني مع النظام حول نتائج الجولة الثانية للانتخابات البرلمانية فى عام 2005.(6) وظهر واضحًا أن قيادات الحركة تبنت منهج البراجماتية والمهادنة في التعامل مع السلطة السياسية منذ اندلاع الثورة المصرية؛ حيث تبنت الحركة لهجة هادئة تجاه الانتهاكات التي مارسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى إن الرئيس السابق محمد مرسي قام بتكريم الأعضاء السابقين بالمجلس، و امتدحت خطاباته الجهاز الشرطي للدولة بدلًا من محاكمة قياداته.

التحولات السابقة تشير إلى انتهاء الإيديولوجية النقية التي قامت على أكتافها الجماعة، واستبدالها بخليط من البراجماتية السياسية والعمل التنظيمي الحزبي الجامد؛ و هو ما تسبب ليس فقط فى السقوط السياسي للحركة و إنما فى سقوط مشروع الإسلام السياسي الذى طرح نفسه بديلًا للقومية العربية منذ السبعينيات. حيث أبرزت التطورات السياسية الأخيرة بالبلاد عدم امتلاك حركات الإسلام السياسي- سواء الإخوان أو غيرهم من الروافد السلفية- لمشروع سياسي و اجتماعي قابل للتنفيذ يجيب عن التحديات الاجتماعية والاقتصادية والدولية التي تواجهها الدول العربية، التناقض بين الخطاب النظري للحركة و ممارساتها السياسية، وأخيرًا الإشكال التنظيمي المتمثل فى مركزية القيادة بغياب معايير المراقبة والمحاسبة الداخلية والاعتماد على معايير الطاعة و الولاء كأساس لعمليات التجنيد والترقي التنظيمي، الأمر الذي أدى إلى حدوث تصدعات داخلية بالحركة تمثلت فى استبعاد و تهميش العديد من الكوادر الإصلاحية، ووأد أي مساحات متاحة للمراجعة و النقد الذاتي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Khalil al Anani, “The Debacle of Orthodox Islamism”, Middle East Political Science, February 5, 2014.
(2) حسام تمام، “تحولات الإخوان المسلمين. تفكك الأيديولوجيا و نهاية التنظيم”، (القاهرة: مكتبة مدبولى، 2010)، ص ص 8- 13.
(3) مقابلة شخصية مع محمد شمس (أحد مؤسسي حزب التيار المصري- تحت الإنشاء- و أحد الأعضاء السابقين بجماعة الإخوان المسلمين، و تولى شمس إعداد ورقة عمل حول موقف الحركة من الحياة الحزبية بالمؤتمر الأول لشباب الإخوان المسلمين فى 2011)، القاهرة، بتاريخ فبراير 1، 2012.
(4) حسن حتحوت، توصيات للحركة الإسلامية المعاصرة، فى عبد الله النفيسى (محرر)، المرجع السابق، ص 71.
(5)  Wael Gamal, “Sons of Thatcher in the Brotherhood and Salvation Front”, Ahram Online, April 25, 2013.
Aviasher Schapiro, “The GOP Brotherhood of Egypt”, Open Salon, January 26, 2012
(6) خليل العنانى، “الإخوان المسلمون فى مصر شيخوخة تصارع الزمن؟”، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007).
(7) يمكن إيجاز الإيديولوجية النقية للحركة في مبادئ النصرة، و مقاومة الاستبداد و الاحتلال، و الاهتمام بحركة الإحياء الاخلاقى و الدينى بالمجتمع، و الدفاع عن حقوق المهمشين من الفقراء و النساء في ضوء المبادئ الإسلامية العامة التي ترفض القيم التغريبية، و تقر بقيم الشورى، و تطبيقات الاقتصاد الإسلامي.