مراجعة كتاب: (أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية)

2 يناير , 2017


عنوان الكتاب: أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية.
تأليف: فرانسيس فوكوياما.
ترجمة: مجاب الإمام/ معين الإمام.
سنة النشر: 2016.
عدد الصفحات: 736 صفحة.
سعر الكتاب: 17 دولاراً.
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية

أصدر منتدى العلاقات العربية والدولية ترجمة الكتاب الموسوعي لفوكوياما بجزأيه-أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، والنظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية- قبل صدور ترجمته إلى الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية أو أية لغة حية أخرى.

ينظر الكتاب بجزأيه إلى الأصول التاريخية للمؤسسات السياسية وعملية الانحطاط السياسي، فيتناول المجلد الأول، الذي نقوم بعرضه في هذا المقال، التطور السياسي من عصور ما قبل الإنسان حتى قيام الثورتين الفرنسية والأميركية تقريباً، ويدور بالضرورة حول الماضي- بل لا يبدأ حقيقةً بالتاريخ الإنساني المسجل وإنما بأسلاف الجنس البشري من الثدييات الرئيسة. وتتناول الأجزاء الأربعة الأولى منه مرحلة ما قبل التاريخ الإنساني، وأصول الدولة، وحكم القانون، وأخيراً الحكومة الخاضعة للمحاسبة.

الفكرة الأساسية التي يجادل عنها فوكوياما في بداية الكتاب أن المؤسسات مهمة، وأن الدول الفقيرة ليست فقيرة في الموارد، بل فقيرة لأنها تفتقد المؤسسات السياسية الفعالة، لذلك نحتاج إلى فهم كيفية ظهور تلك المؤسسات وتطورها، وكيف بلغت الدانمرك شكلها السياسي الحالي وظلت الصومال بشكلها الحالي أيضاً. لا تشرح الأسباب الأحادية هذه الظاهرة، الإجابة التي يقدمها فوكوياما هي المؤسسات وتطورها. ونظراً لأن المؤسسات السياسية تأخذ وقتاً طويلاً لتتطور وترتقي، في هذا الوقت الذي تبلورت فيه الأشكال السياسية الحديثة كان أحد أعراضه الجانبية فقدان للذاكرة التاريخية فيما يتعلق بكيفية وصول تلك المجتمعات إلى تلك النقطة أصلاً. يهدف الكتاب إلى ملء بعض الفجوات في هذا الفقدان التاريخي للذاكرة عبر تبيان مصادر المؤسسات السياسية الأساس في مجتمعات تسلم اليوم بداهةً بوجودها. وتقع المؤسسات المعنية في ثلاث فئات: الدولة، وحكم القانون، والحكومة الخاضعة للمحاسبة/ المساءلة.

وبهذا يتضح التساؤل الأساسي للكتاب، وهو كيف استطاع أي مجتمع تحقيق هذا التحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع على مستوى الدولة؟ وكيف ارتقت حقوق الملكية الحديثة، وكيف ظهرت أصلا الأنظمة القضائية/القانونية الرسمية؟ مع رغبة فوكوياما في دراسة مرحلة ما قبل التاريخ تحديداً بقدر معتبر من التوضيح.

لذلك يقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء: الجزء الأول يهتم فيه بما قبل الدولة، والجزء الثاني يفصل مسألة بناء الدولة، وفي الجزء الثالث يتحدث عن حكم القانون، وفي الجزء الرابع يتحدث عن الحكومة الخاضعة للمحاسبة، ثم ينهي الكتاب في الجزء الخامس بطرح نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي. في كثير من الكتابات التاريخية حول الموضوع اتسمت بما يسمى “تعاقب حادث لعين إثر آخر”، دون محاولة استخلاص قواعد عامة، مع الابتعاد المتعمد عن التعميم أو استخلاص نظريات سببية يمكن تطبيقها في شروط وأحوال أخرى. تلك بالتأكيد أبعد ما تكون عن مقاربة فوكوياما التي تقارن وتعمم عبر مختلف الحضارات والحقب الزمنية.

يغطي الكتاب عدداً كبيراً من المجتمعات والحقب التاريخية، ويستخدم مواد من فروع معرفية تقع خارج تخصص المؤلف، بما في ذلك علوم الأناسة والاقتصاد والأحياء. في عمل بحثي واسع النطاق كهذا سيدرك القارئ أن كتابة هذا الكتاب تمت بحرفية شديدة، تم فيها تضفير أدبيات علم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد، ليخرج هذا الكتاب بهذا الشكل. ويتضح أيضاً صعوبة كتابة عرض واف لهذا الكتاب الدسم بسبب الأفكار المتشابكة على طول خط الكتاب، والتي تحتاج إلى القراءة المفصلة في الكتاب مدعومة بالأرقام والأحداث التاريخية، تجريد الكتاب من حججه خلال عملية العرض يفقده أحد أسباب أهميته.

من بواعث تفكير فوكوياما في كتابة مثل هذا العمل في مجلدين يبحث فيهم أصول النظام السياسي، هو تطوير كتاب أستاذه صمويل هنتنغتون النظام السياسي لمجتمعات متغيرة[1]، الصادر عام 1968، حيث استجدت الكثير من الأحداث منذ 1968 مثل بروز دول شرق آسيا كقوة اقتصادية، وانهيار الشيوعية العالمية، وتسارع وتيرة العولمة، وبداية “الموجة الثالثة” من الدمقرطة في السبعينيات، مثل هذه الأفكار جعلت من تطوير عمل هنتنغتون ضرورة معرفية.

ما قبل الدولة

في الجزء الأول من الكتاب يحاول فوكوياما القيام بنقاش نظري حول حالة الفطرة أو ما قبل نشأة المجتمعات، ووضع الإنسان قبل وجود مظلة الدولة أو القبيلة. وفي هذه الفصول نجد مراجعة لأدبيات التراث السياسي الغربي في نصوص هوبز ولوك وروسو. والذي يميل إليه فوكوياما هو فكرة أرسطو عن كون الإنسان كائناً سياسياً بطبعه، اللافت في النظر في النقاش النظري في هذا الفصل هو مقارنة آراء هوبز ولوك وروسو بآراء علم الثدييات الرئيسية وعلم وراثيات السكان المعاصرة، بحيث يتم عرض تلك الآراء مقارنة بينها وبين الأبحاث العلمية. ومن أمثلة ردود النظريات العلمية الحديثة حول  ما يسمى “مغالطة هوبز” هو عدم وجود ما يسمى بحالة الفطرة، كان الجنس البشري فيها أفراداً معزولين، يعتبرون المجتمع حالة غير طبيعية. في هذا الفصل عودة لعلم الأحياء ومحاولة لدراسة سياسات الشمبانزي وصلتها بالتطور السياسي البشري. وهناك نقد لأطروحة أن الدين هو أساس العنف والشقاق الاجتماعي، بل على العكس اعتبره أحد مصادر التماسك الاجتماعي الذي يتيح تعاون البشر على نطاق أوسع. يتتبع فوكوياما أيضاً قضية الهجرة إلى قارات العالم التي بدأها الإنسان الأول من أفريقيا، ثم الجدالات في علم الإناسة في أصل المجتمعات، والتحول من الأسرة أو العصبة إلى القبيلة، كوحدة سياسية قبل الدولة، وهذا التنظير في علم الإناسة سبقه نقاشات نظرية حول أصول المؤسسات الإنسانية المبكرة، منذ كتاب روسو خطاب حول أصل التفاوت وأساسه بين البشر، ثم كتاب مورغان المجتمع القديم والذي استخدمه إنجلز معاون ماركس في ابتكار أشهر نظرية تطور في الأزمنة الحديثة في الشيوعية، الدافع الثاني المهم حول التنظير حول التطور السياسي المبكر كان كتاب تشارلز داروين حول أصل الأنواع، الذي تلقفه بعض العلماء نظرية التطور ليجعلوها أساساً لنظرية التطور الاجتماعية والتي بدأت مع هربرت سبنسر، مع ما أنتجته هذه النظريات الارتقائية من تبرير للعنصرية والاستعمار في القرن الماضي.

في هذا الجزء يعود فوكوياما لكتابات علم الإناسة والأحياء وبعض نظريات علم الاجتماع في تفسير نشأة الاجتماع الإنساني الأول، محاولاً الوصول إلى مفاهيم أكثر تفسيرية من المعتاد عليها. هناك شرح لبنية القبيلة وطبيعة العدالة في تلك المجتمعات، ونقاط قوة تلك المجتمعات القبلية وضعفها، لكنه يوظف مفهوم القبيلة في عالم السياسة المعاصرة عبر إعطائها معنى واسعاً. وأعطى مثالاً على ذلك بالهند، فهي تتمتع بديمقراطية ناجحة منذ قيام دولتها عام 1947، لكن السياسيين الهنود ما زالوا يعتمدون إلى أبعد الحدود على روابط الراعي- الزبون الشخصانية للوصول إلى البرلمان. في بعض الأحيان تكون هذه الروابط قبلية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لأن القبلية لا تزال موجودة في بعض المناطق الفقيرة والأقل تطوراً في الدولة. في أحيان أخرى يتأسس الدعم على أرضية النظام الطبقي أو الطائفي.

بناء الدولة أو قصة الصين

في الجزء الثاني من الكتاب يركز المؤلف على البعد السياسي لتطور مؤسسات الحكم وارتقائها، مؤكداً أن المؤسسات السياسية الحديثة ظهرت قبل قيام الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي الحديث بعهود طويلة في التاريخ الإنساني. فكثير من العناصر التي نعتبرها اليوم جزءاً من الدولة الحديثة كان في الواقع قائماً للتو في الصين في القرن الثالث قبل الميلاد، أي قبل حوالي ألف وثمانمئة عام من ظهور الدولة الحديثة في أوربا. لهذا السبب يبدأ فوكوياما روايته عن ظهور الدولة في الجزء الثاني من الكتاب الحالي بالصين. وكما تنزع نظريات التحديث الكلاسيكية إلى اعتبار التطور الأوربي معياراً قياسياً، وتسأل لِمَ انحرفت باقي المجتمعات عنه، يأخذ الصين أنموذجاً عن تشكل الدولة ويسأل لِمَ لم تستنسخ الحضارات الأخرى المسار الذي اختطته الصين لنفسها؟

حاول فوكوياما أن يقص قصة الدولة في الصين، من القبيلة الصينية إلى الدولة الموحدة، وتحدث عن انتشار النظام الإقطاعي وطبيعة السلطة السياسية. أثناء التتبع التاريخي لتاريخ سلالات الأسر والإمبراطوريات، عقد مقارنات بين نشأة الأنظمة المختلفة في الصين ونظيراتها في أماكن مختلفة حول العالم، فالإقطاع في الصين اختلف عن إقطاع أوربا العصور الوسطى، وما أنتجه النظام العسكري والجنرالات في الجيش الصيني لم يكن يماثل النظام الروماني، والنخب الصينية وطبيعة الارستقراطية كانت مختلفة عن تطور العديد من الارستقراطيات والنخب في أماكن أخرى في العالم. هناك تماثل في بعض المراحل التاريخية مثل غزو قبائل “جو” إمبراطورية مستقرة، وهو ما يذكرنا بغزو القبائل الجرمانية الإمبراطورية الرومانية، لكن التنافس العسكري داخل الصين سرع من وتيرة اتخاذها شكل دولة لها مؤسسة بيروقراطية عريقة. أما على مستوى الأفكار فقد كان الصراع بين المدرسة القانونية والكنفوشيوسية سمة أساسية في التاريخ الفكري للصين، هناك تفسير لتطور الطاوية ديانة الشعب، وأن الابتكارات المؤسسية كانت أحد نتائج الحروب المستمرة.

 أحد الأسئلة التاريخية التي طرحها أيضاً هو لماذا تعزز نظام الدولة متعدد الأقطاب في صين القرن الثالث قبل الميلاد ضمن امبراطورية كبرى واحدة في نهاية المطاف، بينما لم يتوحد نظام الدولة الأوربية على نفس الشاكلة. فلم تظهر أبداً دولة أوربية واحدة مهيمنة مثل الصين؟ هناك عدة تفسيرات ممكنة لذلك، قد تكون الجغرافيا من أهم الأسباب، والعامل الثاني هو التجانس الثقافي الذي لم يحدث في أوربا وحدث في الصين، فضلاً عن المسارات السياسية المختلفة التى اختطها التطور السياسي في تاريخ أوربا والصين، مثل قيام حكومات مستبدة في الصين استطاعت توحيد تلك الرقعة الضخمة، بينما لم توجد مثيلتها في أوربا.

يستمر فوكوياما في استعراض تطور الصين السياسي، فالصين أول حضارة في العالم تخلق دولة حديثة. لكنها خلقت دولة حديثة لا يقيدها حكم قانون، ولا تحد مؤسسات المساءلة والمحاسبة فيها من سلطة الحاكم. المسؤولية الوحيدة في النظام الصيني كانت أخلاقية.

المنعطف الهندي

اختط التطور السياسي في الصين مساراً مختلفاً جذرياً عن نظيره الهندي. في أحيان كثيرة، يجري الجمع بين هذين المجتمعين على اعتبار أنهما حضارتان “آسيويتان” أو “شرقيتان”. لكن في حين أظهرت الحضارتان بعض التشابهات الأولية، كان مسار التطور اللاحق لكل منهما شديد الاختلاف. فالوضع السياسي الصيني الصحيح على امتداد الألفيتين الماضيتين كان وجود دولة بيروقراطية مركزية تتخللها فترات تفكك وانحطاط؛ بينما اتسم الوضع السياسي الهندي بوجود سلسلة ممالك وإمارات مفككة ومتناحرة، تتخللها فترات قصيرة من الوحدة السياسية. إقامة نظام حكم استبدادي كانت على الدوام أمراً بالغ الصعوبة في السياسة الهندية. السبب في ذلك يكمن في عالم الدين والأفكار، كما يوضح الكتاب.

في دراسته لتطور الأنظمة السياسية يتتبع فوكوياما تطور المؤسسات في الصين ثم يتتبع النظام الهندي، وينتقل بعدها لدراسة النظام السياسي في التاريخ الإسلامي، ابتداء من خروج المسلمين من القبيلة والمماليك، إلى حسن أداء الدولة العثمانية وأسباب انحطاطها.

الدولة الإسلامية من النهوض إلى السقوط

يستكمل فوكوياما في الجزء الثاني من الكتاب ما بدأه بدراسة تطور مؤسسات الدولة، وفي دراسته للتاريخ الإسلامي يبدأ من تطور نظام الانكشارية في الدولة العثمانية، والذي يبحث له عن جذور في تاريخ الدولة العباسية، بإدخال العناصر غير العربية مثل الشعوب التركية وغيرها إلى مؤسسة الإدارة الإسلامية.

حاولت الدولة الإسلامية التي نشأت في الجزيرة العربية أن تتحرر من سلطة القبيلة إلى مفهوم أعم وأشمل. هذا التطور الأيديولوجي كان حيوياً في وضع أسس دولة مختلفة عن مجتمع مقسم ومتنازع داخلياً. لكنه يقرأ تاريخ العباسيين والمماليك والعثمانيين باعتبارها دولاً اعتمدت على نظام الرق العسكري. قد يختلف القارئ مع فوكوياما في قراءته لمسار التاريخ الإسلامي، خصوصاً رؤيته السياسية لتطور الأحداث التاريخية التي شكلت الدولة الإسلامية الأولى، واعتماده كثيراً على فكرة القبيلة والنسب، هذه الرؤية التي جعلته يرى أبا بكر مؤهلاً للخلافة لأنه على علم بالأنساب، وكذلك رؤيته للخوارج أنهم المجموعة الإسلامية التي استخلصت أكثر النتائج منطقية من تعاليم النبي، ويستدل بعد ذلك برؤية الخوارج السياسية للحكم.

يحاول فوكوياما اعتماد تفسير وجود مؤسسة الرق العسكري كأساس قامت عليه ثلاث إمبراطوريات إسلامية: أولها الإمبراطورية الغزنوية، ثم المماليك، ثم العثمانيون، لكن في الحالتين الغزنوية والمملوكية المصرية، انحدرت مؤسسة الرق العسكري لأن القرابة لعبت دوراً في إفشالها، مع فشل المماليك في البقاء تحت الحكم المدني، بالإضافة إلى عدم وجود آلية حكم ممأسسة على نحو جيد داخل الأخوية المملوكية نفسها، لكن تجربة العثمانيين نجحت بسبب إبقائهم القوات العسكرية تحت سيطرة إدارة مدنية حازمة، لكنهم انحدروا أيضاً مع ظهور مبدأ الوراثة في أواخر القرن السابع عشر.

يكمل فوكوياما القراءة الفاحصة لبناء النظام السياسي في الدولة المملوكية ثم انهياره بشرح يوضح فيه بذور القوة في النظام المملوكي وعوامل ضعفه. هناك تتبع بعد ذلك لتركيز الدولة العثمانية السلطة في يدها بطريقة استعصت على الملوك الأوربيين، مع تطوير نظام الرق العسكري على نحو أفضل من المماليك، ثم يقدم قراءته لأسباب انحطاط النظام العثماني وكيف أصبح الرق العسكري طريقاً تطورياً مسدوداً.

ثمة ملاحظة منهجية نبه إليها المترجم وهي مثال على تأثر الترجمة بأيديولوجية المترجم، ففصول فوكوياما الثلاثة الباحثة في التراث المؤسسي الإسلامي تتكئ بقوة على أعمال ترجمها ديفيد عيالون وبرنارد لويس، وهما مستعربان صهيونيان.

بعد دراسته تشكل مؤسسات الدولة من المجتمعات القبلية في ثلاث مناطق (الصين-الهند-الشرق الأوسط)، وقبل أن يبدأ في دراسة تطور حكم القانون، يعود إلى السبب في الخروج الأوربي من إطار القرابة ونهوض الاقطاع بديلاً لمفهوم القرابة، وكيف دمرت الكنيسة الكاثوليكية جماعات القرابة الموسعة، مع ملاحظة اختلاف تاريخ تطور العائلة في الغرب عنه في بعض المناطق في العالم ويشرح خطأ تصور ماركس لهذه المسألة كما عبر عنه في البيان الشيوعي.

حكم القانون

بعد أن تحدث الكاتب عن ما قبل الدولة والتطور السياسي المتعلق ببناء الدولة، وقدرة الدولة على تركيز السلطة واستخدامها، ينتقل بعدها إلى الحديث عن انبثاق ما يسمى “حكم القانون”، فهو مكون منفصل عن النظام السياسي يضع حدوداً مقيدة لسلطة الدولة. لذلك يتعايش بناء الدولة وقضية حكم القانون في حالة من التوتر المتبادل. لعل هذا الداء في بناء الدولة يمثل أخطر العيوب السياسية في البلدان النامية، فالسلطة العسكرية والسلطة الضريبية تبثق بشكل طبيعي من غرائز الطمع الأساسية لدى البشر، وتثبيت مفهوم حكم القانون لدى كل النخب في الدول هو ما يجعل من ديمقراطية ما ديمقراطية أقرب إلى العدالة عن أماكن يمارس فيها النظام الديمقراطي بشكله الانتخابي، لكن مع وجود عوار كبير في تطبيق القانون مثل ديمقراطية أميركا اللاتينية، وديمقراطية روسيا الاتحادية مع تمتع بعض النخب بحصانة ضد القانون.

في استعراضه لحكم القانون، يدرس حالة الهند والعالم الإسلامي وأوربا في العصور الوسطى مع إلقاء نظرة على التجربة الصينية، ينتقل فوكوياما في كل فصل إلى عمليات مقارنة مستمرة ليستخلص ما يمكن أن يكون نظرية متوسطة المدى، تتجنب مزالق التجريد المفرط (وهو عيب الاقتصاديين)، والتخصيص المفطرط (وهو مشكلة العديد من المؤرخين وعلماء الإناسة).

المحاسبة السياسية

تعني الحكومة الخاضعة للمحاسبة اعتقاد الحكام بأنهم مسؤولون أمام الشعب الذي يحكمونه، ويضعون مصالحه فوق مصلحتهم. مؤسسات المحاسبة السياسية هي الركن الثالث في النظام السياسي كما يتخيله فوكوياما، لا ريب في أن المحاسبة الرسمية عملية إجرائية: توافق الحكومة على إخضاع نفسها لآليات معينة تحد من سلطتها وقدرتها على فعل ما تشاء. في نهاية المطاف، تتيح هذه الإجراءات (التي تنص عليها الدساتير عادة) للمواطنين في المجتمع استبدال الحكومة برمتها بسبب التجاوزات، أو عدم الكفاءة، أو سوء استخدام السلطة. ويتمثل اليوم الشكل المهيمن للمحاسبة الإجرائية في الانتخابات، ويفضل أن تكون متعددة الأحزاب مع حق شامل في الاقتراع للبالغين. لكن المحاسبة الإجرائية لا تقتصر على الانتخابات. في إنكلترا، قدمت المطالب المبكرة بحكومة تخضع للمحاسبة والمساءلة باسم القانون، الذي اعتقد المواطنون أن على الملك طاعته. وكان أهم قانون هو القانون العام، الذي صاغ معظمه في تلك المرحلة قضاة غير منتخبين، إضافة إلى قوانين تشريعية أجازها برلمان منتخب على أساس حق الاقتراع المقيد. وهكذا، لم تكن الأشكال المبكرة من المحاسبة السياسية مسؤولة أمام الشعب ككل، بل أمام جملة تقليدية من القوانين التي عدت ممثلة لإجماع المجتمع، لهذا السبب أستعمل تعبير “المحاسبة” بدلاً من “الديمقراطية” في هذا القسم من الكتاب.

يقول فوكوياما: “من لا يعرف سوى بلد واحد يجهل البلدان كلها”، لذلك يقدم تجارب أربع نتائج لبناء الدولة الأوربية وبعض الأسباب التي جعلت هذه النتائج تتشعب وتفترق، ابتداء بنموذج الدولة المستبدة الضعيفة والمستبدة الناجحة، والدولة الأوليجاركية الفاشلة، والحكومة الخاضعة للمحاسبة، مقدماً مثالاً لكل نموذج بدول أوربية وتجربتها مع المحاسبة، مع إضافة النماذج غير الغربية التي ناقشها في صفحات الكتاب. والكتاب يهتم بنقد الرؤية المركزية الأوربية في روايتها للتحديث.

نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي

تتطور المؤسسات السياسية، ببطء وبطرائق مؤلمة عادة، مع مرور الزمن وسعي المجتمعات الإنسانية إلى تنظيم نفسها للسيطرة على بيئاتها المحيطة. يطرأ الانحطاط السياسي حين تفشل الأنظمة السياسية في التكيف مع الظروف المتغيرة. ثمة ما يشبه قانون الحفاظ على المؤسسات في هذه السيرورة. ليست هناك آلية أوتوماتيكية تكيّف بواسطتها الأنظمة السياسية نفسها مع الظروف المتغيرة، يحدث الفشل في التكيف وبالتالي تنشأ ظاهرة الانحطاط السياسي. تاريخياً، على سبيل المثال، لم يكن ثمة سبب منطقي يمنع السلطان المملوكي في مصر من اعتماد الأسلحة النارية في فترة أبكر لمواجهة التهديدات الخارجية المتصاعدة، كما فعل العثمانيون الذين هزموه في نهاية المطاف؛ ولم يكن من المحتم أن يفشل أباطرة الصين أواخر حكم سلالة مينغ في فرض ضرائب مناسبة على مواطنيهم لبناء جيش قوي وتدعيمه، بحيث يستطيع حماية البلد وإنقاذها من المانشويين. المشكلة في الحالتين كلتيهما كانت جموداً مؤسسياً هائلاً يقبع خلف الوضع القائم.

ضرورة المؤسسات

هناك قلق على الديمقراطية في الاستيطان في كثير من البلدان، مرجع هذا القلق هو صعوبة إقامة مؤسسات سياسية فاعلة وإدامتها، مع حكومات قوية ومسؤولة وملتزمة بحكم القانون في آن، وهكذا تنشأ مشكلة في التطبيق والتنفيذ أكثر منه في المفهوم والفكرة. قد يكون شغف المتظاهرين والمدافعين عن الديمقراطية في أرجاء العالم كافة كافياً لـ”تغيير النظام” والانتقال من حكومات استبدادية إلى حكومات ديمقراطية. لكن الأخيرة لن تنجح بدون عملية بناء المؤسسات، وهي عملية طويلة ومكلفة ومعقدة ومضنية. ثمة تغافل كبير لأهمية المؤسسات السياسية أصاب على مر السنين أناساً كثراً يحلمون بعالم يتجاوز السياسة بطريقة ما مستقبلاً.

الكتاب في أحد توجهاته وهو بحث في تاريخ التطور السياسي، لكنه لا يقدم قراءة تاريخية تتابعية بقدر ما هو تحليل بعض العوامل التي أدت إلى ظهور بعض المؤسسات السياسية، كذلك يؤكد الكتاب على عدم اعتبار المكونات المختلفة للتحديث جزءاً من مضمومة وصلت مع الإصلاح، والتنوير، والثورة الصناعية، بل بينهم اختلاف في التوقيت تجمعت لتشكل العصر الحديث بشكله الحالي، وسبقها أشكال بدائية من المؤسسات تطورت كل في سياقه، لتجتمع وتشكل العصر الحديث بكل مؤسساته من بناء الدولة إلى حكم القانون ووجود جهات للمحاسبة.

يختتم فوكوياما سردية التطور السياسي في هذا المجلد مع الثورتين الأميركية والفرنسية عند نهاية القرن الثامن عشر. منطق التوقف عند هذه النقطة يقتبسه من شارح هيغل، المفكر الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجييف بقوله إن التاريخ بحد ذاته انتهى عام 1806 مع معركة يينا-اورشتدت، حين هزم نابليون الملكية البروسية وجلب مبادئ الحرية والمساواة إلى منطقة هيغل من أوربا. أشار كوجييف إلى أن كل شيء حدث منذ عام 1806، بما في ذلك “العاصفة والاندفاع” في القرن العشرين بحروبه الكبرى وثوراته العظمى، هو مجرد “إعادة تعبئة”. أي إن المبادئ الأساسية للحكومة الحديثة وضعت منذ موقعة يينا؛ والمهمة منذئذ ليست العثور على مبادئ جديدة ونظام سياسي أسمى، بل تطبيقها في أجزاء أكبر وأكبر من العالم.

————————————————————————————-

[1] ترجم هذا الكتاب إلى العربية وصدر عن دار الساقي عام 2015، بترجمة سمية فلو عبود.