مراجعة كتاب | صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح؟


كتاب: صنع العدو، أو كيف تقتل بضمير مرتاح “La fabrication de l’ennemi, ou comment tuer avec sa conscience pour soi”.

المؤلف: بيير كونيسا Pierre Conesa ترجمة: نبيل عجّان، مراجعة: جمال شحيّد، وسعود المولى.

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أيار / مايو 2015.

عدد الصفحات: 318.

 

“كان لدى العدو السوفياتي كل مزايا العدو الجيد: فهو صلب، ثابت، ومتماسك. كان يشبهنا عسكريا، فهو مبني وفق الأنموذج الكلاوزفيتزي الأكثر نقاءً، مثير للقلق بالطبع لكنه معروف ويمكن توقع خطواته. إن غيابه يخرق تماسكنا ويجعل قوتنا غير مجدية”.

الجنرال الفرنسي إريك دو لا ميزونوف.

بنهايات القرن الماضي قدّر بريجنسكي في كتابه “الفوضى” أن القرن العشرين أفرز أكثر من ثلاثين حربًا دولية كبرى وأخرى أهلية خلفت عشرات الملايين من القتلى.

تلك النزاعات اعتنت بالانتصار على العدو وبتوصيفه، وعملية التوصيف ضمن عمليات تبدأ من التشويه للعدو وتمر بالتحقير وتنتهي بدعوات لاستئصاله. يقود ذلك الساسة، ويستخدمون الأدوات المساعدة كالإعلام ومعلومات “مزعومة” من الأجهزة الاستخباراتية، ليصلوا في النهاية إلى وجود عدو يمكّنهم من بناء مصالح ذاتية أو إحداث تماسك بينهم وبين المجتمع أثناء فورانه عن طريق إشعاره بالخطر، لذلك تعد العمليات السابقة للحروب هي المحددة للمسار ووحشيته.

يناقش هذا الكتاب تطرّق المفكرين العسكريين والاستراتيجيين إلى الحرب لا إلى العدو بتحديدهم مفهومها بكونها “نزاعًا، عامًّا، ومسلحًا، وعادلاً”. والانطلاق من فرضية العدْلِيَّة ينسف فكرة البحث في ماهية العدو ذاته؛ فالحرب عادلة، وكل ما يصدر أثناءها مبرر، وكل ما ينتج عنها مكتسب، فأصبحت الحرب بذلك عملاً سياسيًّا ولكن بوسيلة أخرى. ثم يتوسع الكاتب في تحديد صور النزاعات، ثم ينتهي بصور لكيفية تفكيك العدو بشكل سلمي، وهو يتكون من خمسة أجزاء: مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، بخلاف التمهيد وثبت تعريفي، وثَبْتَيْ الأعلام والمصطلحات، والفهارس.

يقوم كونيسا بالحديث عن العدو لا الحرب، وهو مختص بهذا الشأن؛ فقد كان يشغل منصب المدير العام للشركة الأوروبية للذكاء الاستراتيجي، كما شغل منصب مدير لجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، وهو الآن أستاذ في معهد العلوم السياسية.

يناقش المؤلف في مقدمة الكتاب فكرة كيفية صناعة العدو، وكيف أن الحرب هي في الحقيقة ترخيص يُمنح وتضفى عليه شرعية لقتل أناس نعرفهم، أو لا نعرفهم. ويوضح أنه لا يهدف إلى تحديد طريقة مقبولة أو غير مقبولة للقتل، لكنه يرنو إلى تحليل كيفية نشوء علاقة العداوة. كما أنه يفترض أن وصف الطرف الآخر بالعدو إنما هو عملية بنائية، ليخلص في النهاية إلى أن ما يمكن بناؤه يمكن تفكيكه، قاصدًا العملية ذاتها.

ما العدو؟

يتناول القسم الأول من الكتاب رؤية المنظرين والساسة وعلماء الاجتماع للعدو، فيقارن بين هوبز (1588-1679) الذي يرى أن الحرب تشكل نظامًا طبيعيًّا، باعتبار أن “الإنسان ذئب للإنسان”؛ فغريزة البقاء هي التي تقود الإنسان، وبين روسو (1712-1778) الذي يرى أن الناس لا يكونون أعداءً إلا في الوضع الظرفي للحروب بين الدول التي يشاركون فيها كجنود. وإذا كانت النظرية السياسية باختلافاتها لا تقدم جوابًا عن آليات اختيار العدو، فالحاصل أن القانون الدولي أسوأ حالاً في إحداث اللبس أو الخروقات، فقانون الحرب خاضع لقوة الدول المتحاربة، وبإمكان الطرف الأقوى نزع صفة العدو عن خصمه ليتحلل بذلك من كل التزامات اتفاقيات جنيف 1949، فيصف خصمه بالإرهابي أو المتمرد، ليعامله كمجرم لا كمحارب، على غرار الأمريكيين الذين ابتكروا فئة غير معروفة في القانون الدولي أسموها “المحارب غير الشرعي” لتبرير الانتهاكات بحق الأسرى.

تلك الخروقات الحاصلة تبعتها بالضرورة خروقات أخرى في توصيف النزاع؛ فعندما أراد بلير أن يبرر مشاركته بغزو العراق قال: “في الحرب العادلة يحدد العدو نفسه عبر عدوانيته، فتعرضه للهجوم أمر حتمي”. والعدالة ههنا تتحدد وفقًا للمصلحة التي يحددها الأقوياء فقط، والعدلية المزعومة ترفع شعارات مثل: “حين نقاتل برابرة نستعمل أساليب بربرية”، “اضربوهم إلى أن يموتوا، لن تعاقبوا يوم الحشر”.

محصلة ذلك أن الحروب لم تعد شأنًا خاصًّا بحاكم، بل أصبحت شأن الجميع؛ فالذين يقومون بتحديد العدو -في الديمقراطيات- مراكز التفكير الاستراتيجية، والاستخبارات، وأخيرًا الاستراتيجيون غير الرسميين / الميثولوجيون.

إن ما يهدف إليه التحليل الاستراتيجي دومًا: إيجاد عقلانية لقوة بلد ما، أي قدرة هذا البلد على فرض إرادته على الآخرين. وتقوم أفكار هؤلاء المحددين الثلاثة للعدو على عدة نوابض:

·        كل شيء استراتيجي: يعتمد محددو العدو في تسويق خطابهم على اعتبار أنه يمثل استراتيجية مهمة؛ لأجل استثارة الوعي. والمعلقون الفطنون يفهمون جيدًا أنه لا مكان على سطح الأرض إلا وينتمي إلى منطقة نفوذ، إذًا لا داعي للذعر.

·        كل شيء مجازفة: يسوّق المحددون لأي تأخير في الاستجابة بأنه يمثل مجازفة بأمان الوطن، وهي إشارة إلى أهمية العمل قبل وصول الخطر، لكن واقع ما يتم تسويقه مختلف؛ فتنبؤات الستينيات تشير إلى أن عدد الدول التي ستكون لها قدرة نووية في عام 2000 ستبلغ 25 دولة، والواقع الحالي أنهم لم يتجاوزوا التسع دول فقط.

·        الازدواجية: تبدو الازدواجية في تقييم الأحداث واضحة؛ فعندما أتت الانتخابات بحماس تم رفض الديمقراطية، وفرنسا التي تعد أكبر قوة استعمارية في التاريخ تعد الآن قلعة حقوق الإنسان.

ما يمكن استخلاصه أن وجود العدو يبدو حاضرًا بصورة غير طبيعية حتى لدى الدول الآمنة. ويتساءل البعض عن سبب رغبة البلدان الأوروبية في خلق “أوروبا دفاعية” بخلاف الناتو، في حين أن الناتو رسميًّا دون عدو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو؟!

وجوه العدو

في القسم الثاني يقوم الكاتب بعملية تصنيف لصور النزاعات (الأعداء)، ويؤكد أن النماذج المذكورة ليس منها ما هو نقي تمامًا، بل العدو غالبًا مزيج من أصناف عدة ومهجَّن من مكونات مختلفة.

1-    العدو القريب “نزاعات الحدود”:

تعد الحروب الحدودية هي الحالة الأكثر تقليدية وانتشارًا بين الحروب، ويُقدّر الجغرافي ميشيل فوشيه الحدود التي تقسم الكوكب بـ252000 كلم، ويلاحَظ أن 60% منها رسمتها قوات خارجية بالنسبة للبلدان المعنية، ما يظهر أن الحرب هي الأساس لترسيم الحدود. ويستخلص فوشيه قائلاً: “ليست هناك مشكلة حدود، هناك مشكلات علاقات فحسب بين دول وشعوب حول الحدود”.

2-    المنافس الكوكبي:

يمثل الخلاف الأمريكي – السوفياتي قضية التنافس على زعامة الكوكب، وطبيعة ذلك التنافس النظر وفقًا لمقياس الخريطة المسطحة بما يمكن اعتباره مناطق نفوذ. والتوسع الامبريالي لم يتوقف ولكن اختلفت الأطراف؛ فأصبح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بدلا من بريطانيا وفرنسا سابقًا، وربما غدًا بين الولايات المتحدة والصين، وتهدف المنافسة تلك لتبرير مفهوم القوة.

لكن ما قد ينتجه ذلك النزاع خلْق بلدان هجينة ومليئة بالمشكلات حين ينسحب أحد أطراف الخصومة من النزاع، بخلاف استغلال الأزمات كأماكن تنافس عسكري لتفادي المواجهة المباشرة.

3-    العدو الحميم “الحروب الأهلية”:

ليست الحرب الأهلية بحرب، إذ لا تُعلن أبدًا، وتنكرها الكلمات، كما أنها تمثل تطهيرًا فصاميًّا، عبر توكيدها هوية إقصائية لجزء من جسم المجتمع ضد أي جزء آخر، والهدف إقصاؤه جغرافيًّا أو جسديًّا.

ما يمكن ملاحظته أن الهوية الوطنية “الرسمية” تعد هي العامل الأهم في تهدئة أو خلق الأزمة، لذا اختارت الإدارة اللبنانية وقف الإحصاءات منذ 1960 بعدما أصبح المسلمون أكثرية، مما يستدعي إعادة النظر في التوازن الدستوري، وهو الأمر الذي قد يفتح بابًا لاقتتال أهلي واسع. إذًا قام اللبنانيون بكسر ميزان الحرارة، وعليه فإذا كانت الهوية الوطنية صعبة التأسيس، فإن مجموع الهويات المختلفة يتعايش بصورة سيئة.

4-    الخاضع للاحتلال كصورة للبربري:

يرتكز بناء صورة الخاضع للاحتلال في هذه الصورة الاستعمارية على خاصيتين: الأولى أن القائم بالاحتلال يشعر أنه في حرب خفية ولا بد من البرهنة على قوته باستمرار. والثانية أن كل عنف يلاقيه من الخاضع للاحتلال يتم تحقيره ثقافيًّا كعمل إرهابي، وبالتالي يتم فرض عملية السلام مباشرة “أي إبقاء الاستعمار في صورة رضائية من قِبل الخاضع للاحتلال”.

عملية التحقير الثقافي يليها قمع وحشي، يقوم به المستعمرون وقوات حفظ السلام، ما يزيل الفارق بين العسكريين والمدنيين للقائم بالاحتلال. وتُستخلص الحجة الثقافوية للقمع من زعم معرفة نفسية الخاضعين للاحتلال: “كازدرائهم للحياة البشرية، فَهْم محدود لاستخدام القوة، بربرية..”. ويصف الكاتب ساخرًا عمليات التبرير بأنها تمكّننا من إعادة كتابة التاريخ، ونُحمّل الثائرين مسؤولية ضحايا قمع الاحتجاجات من قِبل القائم بالاحتلال.

5-    العدو الخفي أو نظرية المؤامرة:

تعد نظرية المؤامرة المفتاح الحقيقي لتفسير العالم ولصناعة العدو، وهي تقوم على فكرة أنه لا شيء هو بالسهولة التي يمكن أن يوحي لنا بها الحدث غير المعقول الذي عاشه المجتمع للتو. هنالك إذًا سبب خفي يجب الكشف عنه، فهي تجيب عن كل التساؤلات في الأوضاع الخطرة، وتُظهر الحلقة المفقودة التي تفسر كل شيء ببساطة. نجدها في المملكة العربية السعودية للكلام على الشيعة، وفي الغرب للكلام على الإسلامويين، وفي العالم العربي – الإسلامي للتكلم على اليهود. إن نظرية المؤامرة هي أقل من حرب، لكنها تولد تطهيرًا محكومًا بعقدة الاضطهاد.

6-    العدو المطلق أو الحرب الكونية على الشر:

ما يرنو إليه المتحمسون لفكرة الحرب الكونية على الشر أنه يجب أن يُعتبر صراع سلطة الأيديولوجيا (أي الحرب على عدو يمثل الشر المطلق)، ضمن رؤية شاملة كشكل دائم التجدد لطوباوية[1] مجيء المسيح الثاني التي تعلن عن عودة الجنة إلى الأرض، حينئذ تكون الحرب بمنزلة عملية طرد للأرواح الشريرة.

الخطورة التي تمثلها تلك الفكرة تبدو في إحدى أوائل الإبادات العرقية في التاريخ والتي كانت دينية: “اقتلوهم كلهم، الله سيعرف الذين ينتمون إليه”. هذه الجملة قالها النائب البابوي رئيس دير سيتو لتبرير مذبحة الألبيجوا [2] عام1209. كما أنه وفقًا لتلك الصورة يصير الكذب مشروعًا بما أن الإرادة الإلهية تبرره، كأكاذيب فريق جورج بوش الابن بالنسبة للحرب على العراق.

7-    العدو المتصوَّر:

لم يعرف العالم سوى مثال واحد عن الدبلوماسية الأحادية الجانب، في فترة جورج بوش الابن، والأحادية الأمريكية هي العمل الدولي لقوة لا مثيل لها على المستوى العالمي، والتي تبرِّر تميزَها بوصفها نوعًا من أنواع الخصوصية التقديسية أو المسيحانية الديمقراطية الراديكالية. وقد ابتكرت الأحاديةُ العدوَّ المتصور الوحيد على مقاسها، إذن ترتكز الدبلوماسية الأمريكية على إجماع يُبنى فيه المبدأ الأول على عدم المساس بالقيم الغربية وعلى شموليتها، مع إقصاء كل نسبية ثقافية.

8-    العدو الإعلامي:

في الواقع لم يعد هناك ثمة خطر لحرب عالمية، أو لأزمة استراتيجية تهدد وجود ديمقراطية كبيرة. إن الكوكب ليس أكثر أمانًا الآن، لكنه أقل خطورة. لكن كيف يجري الاختيار اليوم بين حالات التمرد؟ ومن يحدد الضحايا والجلادين؟ ولماذا وجدت الدول الغربية نفسها متورطة عسكريًّا في تيمور أو في ليبيا؟ دخلنا في حقبة العدو الإعلامي، وهي فئة خاصة بالحقبة الحالية.

إن تدويل أزمة من دون رهان استراتيجي هو حنكة علينا أن نحاول فهمها. والمقصود بالتدويل هنا: الأهمية التي سيبديها المجتمع الغربي تجاهه. ولأول مرة في التاريخ شاهد العالم حرب الخليج 1991 مباشرة بفضل CNN، ومنذ ذلك الوقت أصبح تدويل الأزمات خاضعًا للمعايير الإعلامية: صور، ودماء، وضحايا.

إن العدو الإعلامي موجود أكثر من خلال الشيطنة، لا من خلال التهديد الاستراتيجي الذي يمثله.

تفكيك العدو

بعد الحرب العالمية الأولى، أراد المنتصرون أن يجعلوا “ألمانيا تدفع الثمن”، وهذا هو النهج الكلاسيكي للمنتصر، لكن مع تكرر النزاع كان المسعى عقب الحرب العالمية الثانية أن يدفع الثمن المسؤولون النازيون ومسؤولو العسكرة اليابانية، ولأول مرة جرى الفصل بين العدو وبلده.

تفكيك العدو له عدة طرق: منها الاعتراف بالمسؤولية والتكفير عن الذنب، أو الخطاب الأحادي الجانب، وأخيرًا المصالحة وهي على صعوبتها تعد الأكثر فعالية. أما الخروج من الحروب الأهلية فقد حدده المؤلف في: النسيان، الصفح، العدالة.

أولا النسيان: التخلي من طرف واحد يعد الطريقة الأسهل للتفكيك خلال الحروب الأهلية، لكنها أعطت نتائج ضئيلة، فالعفو يعني الدفن من دون عدالة، وأعمال العنف لا تُنسى.

ثانيا الصفح: تحدَّد لجان “الحقيقة والعدالة” أو “الحقيقة والمصالحة” لتقوم بالربط بين الحقيقة والمصالحة الوطنية والانتقال الديمقراطي والسلمي، وقد تتم محاسبة بعض المسؤولين والصفح عن الآخرين، كما حدث مع بيونشيه مثلاً.

ثالثا العدالة: يوجد نوعان من العدالة للخروج من الحرب الأهلية: عدالة ترميمية وعدالة تعويضية، فالترميمية اقتصاصية وهدفها إقامة العدل وكذلك المصالحة، وتسمح بعقاب بعض المذنبين. أما التعويضية تقتصر مهمتها على الانتقال من الحرب إلى السلم، أو من نظام استبدادي إلى الديمقراطية. ويجب عليها أن تعالج الإرث الذاكري للإساءات الجماعية، وترتكز على القناعة بأن ضرورة إقامة العدل ليست شيئًا مطلقًا، ويجب أن توازنها الحاجة إلى السلم والديمقراطية والتطور الاقتصادي وتثبيت دولة القانون.

أما عدالة الأقوياء: فبخلاف حق النقض (الفيتو)، تعتبر بعض البلدان الأفريقية أن العدالة الدولية لا تطبق قواعد مكافحة الحصانة إلا بأفريقيا، كأن لا شيء يحصل في مكان آخر.

يختتم المؤلف كتابه بقوله: “هذا الكتاب ليس كتابًا يدعو إلى السلام، فقد كتب هوبز: “من دون السيف فإن المعاهدات ليست سوى كلمات”. والنقطة التي أردت لفت الانتباه إليها هي الوزن المفرط الذي تمثله نظريات القوة التي تلهم الآليات العامة للتأملات الاستراتيجية في الديمقراطيات، والتي تولد نزعة لا واعية إلى الحرب. ومع هذا يمكن التفكير بأن دراسة آليات الكشف عن صنع العدو تساعد ربما في استباق أسباب النزاعات وتقليصها، وأثبت ذلك أحيانًا انضمام بعض البلدان التي كانت في السابق متنافسة، لا بل حتى متعادية، إلى الاتحاد الأوروبي”.

نص الكتاب ثري من حيث الجانبين المعرفي والتحليلي، لكن يلاحظ أنه اعتنى بتعديد الوقائع التي أراد التمثيل لها، مما اضطره لتغافل الإسهاب في التفاصيل، وربما كان مراده بيان كثرة الوقائع لا مجرد التحليل.

كذلك يبدو أن هناك نقطة ضعف لدى الكاتب في الخلط بين الإسلاميين، أو فهم الخلفية الثقافية لبعضهم، ففي أحد المواضع تحدث عن تقصير البنطال لمن وصفهم بالتكفيريين لأجل تحاشي نجاسة غير المسلمين. والصواب أن ارتداءه ليس خاصًّا بفئة محددة، وأنه لتحاشي النجاسات عمومًا. كما أن الاختلاط بغير المسلمين لا يسبب النجاسة في الدين الإسلامي. كما ذكر أن قتلة السادات هم الإخوان المسلمون، وذلك خلط بين الحركات الإسلامية؛ فقتلة السادات من تنظيم الجهاد.

هذا الكتاب يفتح آفاقًا عديدة في تفسير كيفية التوجه نحو القتل، وارتباط ذلك بدوافع غير معلنة، بل حتى المعلن يمكن تحاشيه إذا توفرت الرغبة للأطراف المتصارعة.

————————————————————

[1] الطوباوية: مفهوم يدل على كل ما هو غير علمي وغير قابل للتحقق.

[2] الألبيجوا: جماعة دينية مسيحية تدعو إلى التقشف والعودة إلى تعاليم المسيح الأولى، وبدأت حملة صليبية ضدهم عام 1209 من مدينة بيزييه جنوب فرنسا، وذُبح سكانها ثم حُرقت المدينة كلها، وهي أول مرة في التاريخ تقوم الكنيسة باستئصال مجتمع مسيحي.