- منتدى العلاقات العربية والدولية - http://fairforum.org -

مستقبل العلاقات الاقتصادية العربية في ظل المتغيرات الراهنة

الكاتب محمد أبو عمشة بتاريخ 31 أغسطس,2014 @ 2:36 م بقسم | لايوجد تعليقات

مقدمة:

اجتاح الدول العربية حراك سياسي منذ أكثر من ثلاث سنوات، أدى إلى تغيير أنظمة عدد من الدول العربية، ولازال هذا الحراك نشطًا في دول أخرى.سأحاول في هذا التحليل إلقاء بعض الضوء على الآثار الاقتصادية لهذا الحراك على التعاون الاقتصادي العربي، مع التركيز على الأجلين القصير والمتوسط، حيث أن لهذا الحراك السياسي آثارًا اقتصادية في الأجل الطويل قد تكون أكبر من تلك التي سأشير إليها.

الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية:

يحذر الباحث من تحديات اقتصادية مهمة في الوطن العربي تستدعي الوقوف عندها ومعالجتها بجدية وسرعة، ومنها ارتفاع معدل البطالة الذي تجاوز 18%، وهو ما يعني وجود ما يزيد علي 17 مليون عاطل عن العمل، ما يحتم ضخ 70 مليار دولارلاستثمارها في مشاريع توفر فرص عمل جديدة، في حين تستضيف الدول العربية أكثر من 15 مليون عامل أجنبي، وفي الوقت نفسه هناك هجرة مستمرة للكفاءات العربية إلي الخارج بسبب نقص فرص العمل، فنحو 20% من خريجي الجامعات العربية يهاجرون إلي الخارج سنويا [1].

وتشير البيانات الواردة في أحدث التقارير الاقتصادية العربية والدولية الصادرة عن جامعة الدول العربية وصندوق النقد العربي ومنظمة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية إلي تأثر الوضع المالي والسياسات المالية للدول العربية بدءا من عام 2011، كما تسببت الأزمة في تباطؤ الإيرادات العامة، حيث تعاني دول الثورات من أزمات اقتصادية حادة، وقد تزايدت انتقادات صندوق النقد الدولي للحكومات الجديدة في تلك الدول بسبب عجزها عن تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية وهو ما زاد من تأثير حجم الأزمات الاقتصادية التي تعانيها وأصبح يهدد السياسة المالية لتلك الدول بالإفلاس، حيث احتلت مصر رقم 5 على مستوى الدول المهدده بالإفلاس وفقاً للجزيرة مباشر مصر، حيث بلغ الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة بنسبة 91%.[2]

وتشير تقارير تلك المؤسسات التي صدرت مؤخراً إلى أن هذه الدول التي كانت تعتبر من المناطق الديناميكية، اقتصادياً وتنموياً ومؤهلة لتكون اقتصاديات صاعدة أصبحت تتخبط في أزمات متعددة الجوانب، وهو ما يرجح – طبقاً لهذه التقارير – عجز تلك الدول على معالجة مشاكل البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية وهي الشعارات الرئيسة التي رفعتها قوى الثورة.

ومن الواضح أن بعض دول الثورات أصبحت قريبة جداً من قبول شروط أو توصيات صندوق النقد الدولي، وسوف يزداد هذا القبول مع حاجتها المتزايدة لتوفير مصادر التمويل الضرورية.

الاقتصاد العربي بين دعم الخليج ورهانات الواقع

رغم الدعم المقدم من بعض دول الخليج لمصر إلا أن الوضع الاقتصادي مازال في تراجع مخيف وبشكل غير مسبوق، حيث وصل الدين العام إلى 91% مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي GDP حيث إحتلت مصر الرابعة عالمياً، وترجعت السياسية بنسبة أكثر من 55%،[3] إضافة إلى ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل، وارتفاع التضخم وانخفاض في قيمة العملة المحلية، واستحقاقات لسداد أقساط دولية، مما أثر بشكل كبير على الأوضاع الاقتصادية، فعدم الاستقرار الأمني واستمرار التظاهرات وإعلان الحرب على الإرهاب أدى إلى عدم دخول استثمارات أجنبية ومخاوف قدوم السياحة وانهيارات متتالية في البورصة المصرية. في حين تختلف ليبيا عن مصر قليلا لوجود مواد بترولية فيها يمكن أن تغطي قليلا من أزمتها الاقتصادية إضافة إلى الفارق في أعداد السكان بالدولتين، رغم أن تونس تعاني اقتصاديا مثلها مثل باقي دول الثورات إلا أن احتواء الأزمة السياسية فيها قلل ولو قليلا منح نوع من الاستقرار الاقتصادي، ومع هذا لم يمنع من تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية بنسبة 24%.

وقد كشف تقرير اقتصادي أعدته الأمانة العامة لاتحاد غرف مجلس التعاون الخليجي أن التجارة العربية البينية ما زالت تعاني ضعفاً على الرغم من إبرام الدول العربية اتفاقيات للتجارة الحرة وتيسير التبادل، حيث لم تتجاوز نسبة التجارة البينية في الدول العربية 10 في المائة وفق آخر إحصائية، في الوقت الذي توجد مبادلات تجارية متزايدة مع بقية دول العالم الأخرى.

الآثارالاقتصادية المباشرة على دول الخليج

يمكن النظر إلى التأثيرات المباشرة من ثلاث زوايا:[4]

1- المصروفات المباشرة التي أملت على دول المجلس الالتزام بها كنتيجة للحراك السياسي في المنطقة، ولتقليل احتمال انتقاله إلى دول المجلس، ومثال ذلك زيادة مرتبات الموظفين، وتقديم امتيازات أخرى للمواطنين كتعويضات بدل بطالة، وتوفير المزيد من المساكن والفصول الدراسية والجامعات والمستشفيات…إلخ. يضاف إلى ذلك المبالغ التي التزمت بها دول المجلس لبعض أعضائه، ولعدد من الدول العربية الشقيقة، إما مباشرة أو تلبية لجهود دولية.

إضافة إلى هذه الالتزامات المالية سواء كانت ضمن الميزانية أو خارجها فإن هناك تبعات اقتصادية سلبية أخرى مباشرة على دول المجلس نتيجة لهذا الحراك السياسي منها:

أ‌- ستؤجل الحكومات إعادة النظر في الأسعار المحلية للطاقة من بترول وغاز وكهرباء، وأسعار الخدمات الأخرى المعانة مثل المياه، وأسعار تذاكر السفر مما سيزيد معدلات استهلاكها واستمرار التشوهات السعرية الحالية.

ب‌-بتأجيل أي توجه نحو التخصيص مما سيؤخر أي جهود لتحسين الإدارة وكفاءة الأداء لبعض الخدمات والمرافق الاقتصادية، ويحرم خزينة الدولة من أية مداخيل إضافية نتيجة التخصص. هذا في الوقت الذي تحتاج الدول إلى مزيد من الاستثمار بما في ذلك الاستثمار الموجه لزيادة الطاقة الانتاجية من البترول والغاز وتطوير وصيانة الحقول المنتجة.

2- الخسائر التي تتكبدها الاستثمارات الخليجية العامة والخاصة داخل الدول التي شهدت حراكًا سياسيًّا إضافة إلى ما طال الأسواق المالية بدول المجلس والاستثمارات العربية البينية من اهتزازات أقل في الأمد القصير. في نفس الوقت يتوقع أن يتجه بعض المستثمرين من دول الحراك السياسي وغيرهم من الدول الأخرى إلى الاستثمار بدول مجلس التعاون عوضًا عن وجهاتها الأصلية.

3- لا شك أن هذا الحراك السياسي وما خلقه من عدم استقرار في المنطقة أدى إلى ارتفاع الأسعار البترولية، وزاد بالتالي المداخيل النقدية لدول المجلس. إلا أن ذلك حدث في وقت يشهد فيه العالم انحسارًا اقتصاديًّا بفعل أزمة الديون السيادية، واهتزاز النظام البنكي مما فاقم الأزمة الاقتصادية العالمية. من جهة أخرى فإن المصاريف الإضافية التي التزمت بها دول المجلس داخليًّا وخارجيًّا نتيجة لهذا الحراك ستجعلها أقل مرونة في التعامل مع الأسعار المستهدفة للبترول بسبب هذه الأزمات مما سيؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي العالمي، ومن ثم على الطلب المستقبلي للبترول، ويقلل بالتالي المداخيل المستقبلية لدول الخليج. كما إن ذلك سيجعل في نفس الوقت الوقود الصخري أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة كما نشاهد هذه الأيام خصوصًا في مجال الغاز.

4- ويضيف الباحث تأثيراً رابعا يتمثل في المساعدات التي قدمتها دول مجلس التعاون الخليجي لمصر بعد 3/7/2013 والذي زاد عن 20 مليار دولار ومازال هذا الدعم مستمرا خلال العام الحالي لدعم الحكومة الجديدة في مصر، سواء نقدياً أو في صور دعم إمدادت الطاقة.

مستقبل التعاون الاقتصادي العربي في ظل الظروف الراهنة:

عمليًّا، فإن دول مجلس التعاون هي التي تقود العمل الاقتصادي العربي منذ الحرب العراقية الإيرانية. وقد تعزز هذا الدور بعد الحراك السياسي الأخير؛ نظراً لما تواجهه دول الحراك السياسي من تحديات اقتصادية وحاجتها إلى الدعم المادي من مختلف المصادر بما في ذلك دول المجلس. يكفي أن نستعرض قرارات القمة الاقتصادية العربية الأخيرة، لندرك ما أقصد. لكن القيادة السياسية لدول المجلس مسؤولة عن أكثر من شيء ومنها الدعم السياسي والاستقرار الأمني وليس الاقتصادي فقط تجاه دول الحراك، وأعتقد أن دول المجلس تدرك ذلك. فهي التي مولت واحتضنت وشجعت مؤسسات العمل الاقتصادي العربي من شركات وصناديق ومؤسسات تمويل واستثمار، ثم تسنمت قياداتها. وهي التي بادرت بمراجعة الاتفاقيات الاقتصادية، واقتراح اتفاقيات جديدة في مجالات تشجيع وحماية الاستثمار ومنطقة التجارة الحرة… الخ. كما أنشأت صناديق وطنية لتمويل مشاريع وبرامج التنمية في بقية الدول العربية.

مرتكزات مستقبل التعاون الاقتصادي العربي

لذا يتوقف مستقبل التعاون الاقتصادي العربي على الجوانب التالية[5]:

1- شكل المنطقة السياسي وشكل النظم التي ستحكم دول الثورات من تونس وليبيا ومصر وسورية واليمن وآخرها العراق، حيث لازالت ملامح تشكل المنطقة السياسي غير واضح في ظل الاحتجاجات وعدم الاستقرارالأمني والسياسي، مما أثر على العمل الإقتصادي العربي الذي يطغى عليه الطابع السياسي في كثير من الحالات وهذا ما يفسره ضعف التبادل التجاري الذي لم يتجاوز 10% والاستثمارات ما بين الدول العربية الذي لم يتجاوز 33 مليار دولار خلال الثلاث سنوات الماضية.[6]

2- جذب الاستثمارات من دول الخليج ومختلف الدول الأخرى، يتم ذلك عن طريق ضبط الوضع الأمني، وسن القوانين، وإنشاء المؤسسات التي تشجع وتحمي هذه الاستثمارات. فأوضاع السيولة في دول مجلس التعاون والتعقيدات الجديدة أمام الاستثمارات الأجنبية في دول الاستثمار التقليدية، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، تشكل فرصة سانحة أمام الدول العربية ينبغي استغلالها.

3- رغم الاحتياجات الآنية الملحة في دول الربيع العربي فإن القطاع الخاص المحلي والعربي والدولي يبدو أنه غير مستعد للدخول في استثمارات جديدة في هذه الدول حتى ينجلي الموقف وتحدد الأولويات بإجماع القوى السياسية وإجراء مصالحة شاملة، وتتضح السياسات التي تضعها حكومات منتخبة. لذا فإن قيادة الاقتصاد في هذه الدول ستعتمد على حكوماتها الانتقالية الحالية. وهذه الحكومات ستحتاج بدورها إلى مصادر تمويل إقليمية ودولية تقدر ما بين 50 إلى 100 مليار دولار سنويًا.

4- لا تزال أغلب دول الربيع العربي في الوضع الثوري المضطرب، ويتوقع أن تطول أزمتها، ولا تزال الاحتمالات المستقبلية لانعكاسات الصراع داخلها إقليميا غير معروفة بدقة (سورية، مصر، ليبيا، العراق)، ودول لا تزال تشهد قدرا من التماسك (تونس، اليمن)، ولكنها هي الأخرى تشهد أوضاع اضطراب، وتتعامل مع الثورات بمنطق كرة اللهب التي تلقيها على غيرها بسرعة كلما اقتربت منها.

5- تولي نخب جديدة غير قادرة على استعادة رمزية الدولة، وعاجزة عن تحقيق التوافق السياسي الداخلي أو التوافق على الدستور كما حدث في مصر وليبيا، في ضوء التحديات الهائلة التي لا تتيح لها فرصة كافية لمواجهتها، وهذه الدول من الممكن أن تشهد اضطرابات مجتمعية عنيفة وتدخل في دوامة عنف داخلي طويلة.

6- العجز عن إدارة التحول الديمقراطي: فعلى الرغم من أن المبادئ التي حركت الثورات العربية هي حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والتصدي للاستبداد، إلا أن عددا من الدول العربية يشهد ابتعادا واضحا عن هذه المبادئ، وذلك مع تزايد وتبلور مشهد الصراع الداخلي بين التيار الإسلامي (الإخواني والسلفي ببعض أطيافه)، والتيار المدني العلماني الليبرالي، ومع اعتقاد كل طرف أنها فرصته التاريخية في بناء الدولة التي يريد.[7]

الخاتمة:

يرى الباحث أن المشهد العربي الراهن يطرح احتمالات قوية حول استمرار المرحلة الانتقالية في دول الثورات العربية، واستمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية بصورة أكثر تهديداً للاستقرار في تلك الدول، ولعله من المفيد أن تدرك باقي الدول العربية أن عدم استقرار الأوضاع واستمرار الأزمات في تلك الدول، سوف تنسحب تداعياته على الاستقرار والأمن في باقي المنطقة ودول الإقليم، وأن مناخ التوتر والأزمات يمكن أن يهيء المناخ لحضور العنف وتنامي تيارات التطرف العابرة للدول المهدد للاستقرار في المنطقة بصفة عامة، وأن مصلحة كافة الدول في المنطقة أن تدرك أن استمرار هذا المناخ سوف يمس الأمن القومي لدول الإقليم كافة، وأن تجاوز الدول التي تعاني من أزمات حالياً، سوف يعمق في النهاية مكاسب للجميع، ويحصن المنطقة من الاختراقات الخارجية قدر الإمكان.

المراجع:

1- محمد مبروك، اقتصاد الربيع العربى. المشكلة والحل، الأهرام اليومى، 25 أغسطس 2012.
2- الجزيرة مباشر مصرhttp://mubasher-misr.aljazeera.net/economy/.
3- عبد الله بن إبراهيم القويز، الآثار الاقتصادية للربيع العربي على دول مجلس التعاون الخليجي، مجلة المجلة، 2013.
4- د. معتز سلامة، جامعة الدول العربية وتحديات ما بعد الثورات، 21 أبريل 2013، معهد العربية للدراسات.
[1] – محمد مبروك، اقتصاد الربيع العربى. المشكلة والحل، الأهرام اليومى، 25 أغسطس 2012.
[2]- الجزيرة مباشر مصرhttp://mubasher-misr.aljazeera.net/economy/.
[3][3] تقرير صادر عن معهد ماكينزي العالمي المعني بترتيب نسب الدين العام والخاص، 2014، http://www.mckenziemdt.org/.
[4]عبد الله بن إبراهيم القويز، الآثار الاقتصادية للربيع العربي على دول مجلس التعاون الخليجي، مجلة المجلة، 2013.
[5]عبد الله بن إبراهيم القويز، مرجع سبق ذكره.
[6] تقرير الصادر عن جامعة الدول العربية، الدول العربية أرقام ومؤشرات، إدارة الإحصاء وقواعد المعلومات للقطاع الإقتصادي للأمانة العامة، العدد الخامس، 2014.
[7] د. معتز سلامة، جامعة الدول العربية وتحديات ما بعد الثورات، 21 أبريل 2013، معهد العربية للدراسات.

المقال مطبوع من منتدى العلاقات العربية والدولية: http://fairforum.org

رابط المقال:

Copyright © 2014 wordpress. All rights reserved.