مصر وقيود دورها الأفريقي


 لا يمكن القول بأن مصر قد فقدت مكانتها الأفريقية منذ قرار الاتحاد الأفريقي في يوليو 2013 تعليق جميع أنشطتها في أجهزة الاتحاد، وإنما منذ أدار نظام مبارك ظهره للأفارقة ليلتحف بعباءة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ألم تظهر التحقيقات والتسريبات الإعلامية المتعلقة بكاتم سر مبارك وحامل أختامه السيد زكريا عزمي أنه تسلم أربعة ملايين دولار بالأمر المباشر لإعطائها رشوة لثلاثة من الزعماء الأفارقة؟ ألا يعبر ذلك عن غياب الرؤية والبصيرة السياسية من جانب صانع القرار السياسي المصري، وهو ما أدى إلى الإضرار المباشر بمصالح الدولة المصرية العليا ولا سيما فيما يتعلق بأمنها المائي[1]؟!

وعلى الرغم من جهود الدبلوماسية المصرية بقيادة وزير الخارجية نبيل فهمي وزياراته المكوكية لبعض العواصم الأفريقية، بل وإرسال وفود وبعثات خاصة لأفريقيا لشرح حقيقة ما حدث في مصر وأن الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب إنما كان استجابة لمطالب شعبية جارفة فإن الموقف الأفريقي ثابت لم يتزحزح. فالاتحاد الأفريقي لا يزال يعتبر أن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي إنما هي تغير غير دستوري لحكومة منتخبة. واللافت للانتباه أنه بعد ثلاثة زيارات لوفد الاتحاد الأفريقي إلى مصر برئاسة رئيس مالي الأسبق ألفا عمر كوناري صرح رئيس مجلس السلم والأمن الأفريقي بأن ثمة احتمالا كبيرا ألا يعترف الاتحاد الأفريقي بالمشير عبدالفتاح السيسي في حالة فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة، حتى لا يكون ذلك مكافأة له على دوره في الإطاحة بنظام الرئيس مرسي.

محددات الموقف الأفريقي:

كيف نفهم الموقف الأفريقي إذن بعيدا عن نعت الأفارقة بالعمالة  أو المشاركة مع طرف ثالث في المؤامرة على مصر وغير ذلك من التفسيرات غير الموضوعية، بل وغير المسئولة التي سيطرت على الإعلام المصري منذ 30 يونيو 2013؟

نستطيع  الاشارة إلى ثلاثة محددات أساسية:

أولاً: التخوف الأفريقي من الدور السياسي للجيوش نظراً لشيوع ظاهرة الانقلابات العسكرية في القارة منذ الاستقلال. وعادة ما يؤدي الانقلاب العسكري إلى آثار اقتصادية كارثية تعوق مسيرة النهضة والتنمية في الدولة المعنية؛ فالانقلاب الذي شهدته ساحل العاج عام 1998 أدخل البلاد في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي، وهي الدولة التي حملت في وقت سابق لقب “جوهرة أفريقيا”.  ولا يخفى أن تعديل القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي في عام 2007 كان يستهدف من حيث المبدأ أن يكون عاملاً محفزاً لبناء ثقافة السلم والاستقرار السياسي في أفريقيا. إنه يشكل خروجاً عن إطار النظام السياسي المستبد الذي حكم منظمة الوحدة الأفريقية، وعليه فإنه يعكس فكراً جديدا لثقافة سياسة أفريقية ديموقراطية تتناسب ومتطلبات القرن الحادي والعشرين.

وطبقاً لهذه السياسة الجديدة فقد التزم الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية أي دولة عضو يحدث بها تغيير غير دستوري للحكومة. وقد حدث هذا التعليق بالفعل في بعض الدول الأفريقية التي شهدت انقلابات عسكرية مثل مدغشقر وأفريقيا الوسطى ومالي وغينيا بيساو. وتنص المادة 23 من ميثاق الاتحاد الأفريقي حول الديموقراطية والحكم الرشيد على “أن تتفق الدول الأطراف من بين أمور أخرى، على أن استخدام الوسائل غير الشرعية التالية للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها يعتبر تغييراً غير دستوري للحكومات، وبالتالي يستوجب فرض عقوبات مناسبة من قبل الاتحاد: الاستيلاء على السلطة أو الانقلاب العسكري ضد حكومة منتخبة  ديموقراطياً، التدخل من قبل مرتزقة لاستبدال حكومة منتخبة ديموقراطيا، التدخل من قبل مجموعات من المنشقين المسلحين أو حركات متمردة لقلب حكومة منتخبة ديموقراطياً، رفض حكومة قائمة تسليم السلطة لحزب أو مرشح فائز في انتخابات حرة وعادلة ونزيهة  … .[2]“ [توثيق المصدر]

ثانياً: تأثير بعض القوى الأفريقية الكبرى التي ترغب في إبعاد العسكر عن حلبة السياسة لأسباب منوعة فضلاً عن مصالح وأهداف خاصة بكل منها تجاه مصر. وعلى سبيل المثال يمكن تفهم الموقف الأثيوبي، وهي بلد المقر لمفوضية الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي حيث صدر إعلان تعليق عضوية مصر في أنشطة الاتحاد الافريقي من أديس أبابا. ومعلوم جيدا توتر العلاقات الثنائية بين مصر وأثيوبيا حول سد النهضة وملف مياه النيل بشكل عام. وعليه يصبح إبعاد مصر عن مجالها الأفريقي أمراً مهماً وفي نفس الوقت إضافة استراتيجية لدول أخرى طامحة أو طامعة مثل أثيوبيا.

أما جنوب أفريقيا فهي ذات ثقل سياسي بارز داخل أروقة الاتحاد الأفريقي حيث تشغل دلاميني زوما رئاسة مفوضية الاتحاد، وهي وزيرة سابقة بحكومة جنوب أفريقيا. ولا يخفى أن وزارة العلاقات الدولية والتعاون بجنوب أفريقيا سارعت بإعلان رفض حكومة بلادها لكافة الإجراءات التي أدت لعزل الرئيس مرسي  بحسبانها تخالف مواثيق وأعراف الاتحاد الأفريقي. وعلى الرغم من زيارة وفد أمني جنوب أفريقي رفيع المستوى لمصر في فبراير 2014 وإعلانه دعم بلاده لمصر؛ فإن الموقف الرسمي لجنوب أفريقيا تجاه عودة مصر للاتحاد الأفريقي لا يزال ملغزاً ويكتنفه الغموض.

ومن جهة ثالثة تعد نيجيريا التي تجاوزت قوتها الاقتصادية دولة جنوب أفريقيا لتصبح أغنى دولة أفريقية على الاطلاق، تعدُّ ذات ثقل لا يمكن إنكاره في اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأفريقي. ونيجيريا لديها هواجس كبرى تجاه تدخل العسكر في السياسة. ويبدو أن الطبقة السياسية الحاكمة اليوم في نيجيريا تخشى من تبعة النموذج المصري وآثاره على السياسة الأفريقية بما قد يعيق عملية التحول الديموقراطي العصية في أفريقيا.

ثالثاً التأثير الدولي والإقليمي على الاتحاد الأفريقي. من الواضح للغاية وجود دول إقليمية عربية واسلامية لها وجود متنامٍ داخل القارة الأفريقية. وقد عارضت هذه الدول التغيير الذي حدث في مصر وعدته انقلابًا عسكرياً صريحاً، وهي الرؤية التي تم الترويج لها داخل المحافل الأفريقية. أضف إلى ذلك فإن التأثير الخارجي الأهم يرتبط بالدور الأمريكي الذي استخدم أكثر من لغة للتعامل مع (الورطة) المصرية. ويبدو أن ادارة أوباما لجأت إلى التأثير بالوكالة للضغط على صانعي القرار المصري. لسنا في هذا المقام بحاجة إلى بيان التأثير الأمريكي ولا سيما في إطار حربه على الإرهاب داخل أفريقيا. ولقد اتضح الموقف الأمريكي بجلاء تجاه إبعاد مصر عن مكانتها الأفريقية من خلال قرار إدارة أوباما عدم توجيه الدعوة لمصر لحضور القمة الأفريقية الأمريكية المزمع عقدها في أغسطس 2014. وربما يدعو ذلك إلى قليل من التأمل في المقابلة مع الموقف الأوروبي حيث دعيت مصر لحضور القمة الأوروبية الأفريقية الأخيرة.

تحديات استعادة الدور المصري

أحسب أن ثمة تحديات ومخاطر جسامًا تهدد الأمن القومي المصري تتطلب مواجهتها بشجاعة وبحلول غير معتادة تفوق قدرات وتعقيدات الأجهزة البيروقراطية المصرية. ويمكن فهم هذه التحديات من خلال متابعة وتفسير دلالات التحرك الدبلوماسي المصري النشط في أفريقيا، وجولة رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب والتي شملت تشاد وتنزانيا، ومن المقرر أن تبدأ مرحلتها الثانية في مايو 2014 بزيارة غينيا الاستوائية.

تحدي المكانة والريادة الأفريقية:

لعل الخطوة الأولى نحو التوجه جنوباً صوب أفريقيا تبدأ من الداخل المصري نفسه، وهي تتطلب حوارا مجتمعياً شاملاً لتحديد الأولويات والمصالح القومية العليا ورصد أهم الأدوات والآليات لتحقيق ذلك. ولا شك أن ذلك يقتضي قبل كل شئ تصحيح المفاهيم، والتخلص من العقد التاريخية التي تسيطر على كثير من الساسة والمثقفين المصريين، والتي تحمل للأسف قيم الاستعلاء وتسفيه الآخر. ألم يذهب بعضهم إلى القول بأن نتجاهل أفريقيا ونحذو حذو المغرب التي قاطعت الاتحاد الأفريقي بسبب اعترافه بالصحراء الغربية؟ نقول إن مصر ليست المغرب وارتباطنا بأفريقيا مسألة حياة ومصير مشترك.

إن استعادة الدور والمكانة في حاجة إلى تبني اقتراب القوة الناعمة لكسب عقول وقلوب الأفارقة والتعامل معهم بندية، وهنا يمكن الاستفادة من تجارب كل من الصين والهند وغيرها من القوى الآسيوية الصاعدة في تعاملها مع الدول الأفريقية.

تحدي التطرف والإرهاب:

لا يخفى أن انهيار نظام القذافي بعد التدخل العسكري لحلف الناتو وكذلك تدخل فرنسا وحلفائها في شمال مالي؛ قد أفضى إلى تداعيات أمنية تهدد جميع دول شمال أفريقيا بما فيها مصر، فقد أضحى تدفق السلاح والتهريب عبر الحدود الليبية مع دول الجوار مصدر خطر كبير. كما أن نشاط الجماعات الإسلامية الراديكالية مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والتي تدعم كثيرا من الجماعات الجهادية في إقليم الساحل والصحراء؛ قد استدعى تدخل القوى الدولية في المنطقة. وهناك كذلك أنشطة جماعة بوكو حرام في نيجيريا والتي يمتد نشاطها ليشمل بعض دول الجوار مثل النيجر والكميرون. وعليه يمكن تفسير زيارة رئيس الوزراء المصري لكل من تشاد وغينيا الاستوائية وكلاهما في منطقة وسط أفريقيا التي تشهد اضطرابات سياسية غير مسبوقة بأنها تستهدف تنسيق الجهود المصرية الأفريقية لمحاربة التطرف والارهاب.

تحدي المياه والأمن المائي:

من الواضح أن المفاوضات المصرية الأثيوبية بشأن سد النهضة قد وصلت إلى طريق مسدود يسبب التعنت الأثيوبي من جهة وميوعة الموقف السوداني من جهة أخرى. فالسودان تمارس دور الوسيط وليس الشريك بالنسبة لمصر. وقد أدت الأوضاع التي شهدتها مصر منذ يناير 2011 إلى عزل مصر عن محيطها الأفريقي المؤثر. ولا شك أن أثيوبيا كانت من بين الدول الأفريقية الإقليمية التي استفادت من غياب الدور المصري. وعليه؛  ينبغي على مصر أن تلجأ إلى تبني وسائل وأساليب جديدة للضغط على أثيوبيا ومن ذلك بناء قاعدة تفاوضية جديدة مع دول أعالي النيل، ولعل زيارة رئيس الوزراء المصري لتنزانيا تسعى لتحقيق هذا الهدف.

ما العمل إذن؟ إن مصر الجديدة بحاجة إلى فكر مختلف يتجاوز إرث تعامل الحكومات المصرية السابقة الخاطئ مع أفريقيا. فاللغة السائدة في أفريقيا تعلي من قيم الاقتصاد على حساب الأيديولوجيا. يعني ذلك أن مصر مطالبة بتبني منظور المنفعة المشتركة والتعامل مع جميع الدول الأفريقية وفقاً لقواعد الشراكة والندية. فهل تستطيع مصر إعادة التوظيف السياسي لأدوات قوتها الناعمة في أفريقيا كما حدث في فترة تاريخية سابقة؟ ذلك هو التحدي.



[1] انظر  التحقيقات الكاملة مع زكريا عزمى فى قضية رشوة زعماء أفريقيا فى ملف حوض النيل، اليوم السابع،الخميس، 24 أبريل 2014 –  http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=1628755#.U2jZqfQW2So،  وهناك مركز مصري حقوقي للشفافية يرأسه وكيل الجهاز المركزي للمحاسبات السابق لديه المستندات ويعتزم او قدم فعلا بلاغا للنائب العام بهذا الخصوص.
 
[2] http://www.ipu.org/idd-E/afr_charter.pdf AFRICAN CHARTER ON DEMOCRACY, ELECTIONS
AND GOVERNANCE, الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم