من الدولة إلى التجديد (1): في نقد الحداثة واستعادة معايير الحكم

جامعة القاهرة

14 أكتوبر , 2014 الشرق الأوسط, مصر والسودان


74181355-hands-holding-globe-outdoors-gettyimages-300x20074181355-hands-holding-globe-outdoors-gettyimages-300x200

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

عن الحداثة والمأسسة:

تعد فكرة التنظيم المؤسسي واعتبار المؤسسة المعقدة وسيط التغيير ومحضن الأيديولوجيا وفصلها عن الجماعة الاجتماعية الأوسع من باب التمايز والاستعلاء (لا من باب التخصص والأداء) فكرة حداثية بامتياز، صعدت مع تجربة الحداثة الغربية ونشأة الدولة وتأسيس الجيوش وتحويل الوظائف للآلة البيروقراطية وتحرير الدولة من المسئولية أمام الجماعة وإعلانها احتكار القوة وحيازة الرشد، حيازة كاملة.

بالتوازي مع هذا، تتوارى الذات الفاعلة -الفردية والجماعية- وراء ركام المؤسسات المتخصصة، ولا يسمح لها بتجاوز المساحات ولا الحركة خارج الدور المرسوم الذي يحدده القانون أو اللائحة أو القواعد. ويُعاد تشكيل كل المجالات على صورة الدولة الحديثة، فهي أقوى المؤسسات والمحتكرة للسيادة، وهي التي تبسط سقفها على المؤسسات وتزعم الفصل بين السلطات، رغم أنها كلها تحت سيطرتها، وتحدد وحدها مفهوم الأمن القومي وتحرص على سريته، وتستقل بتقدير مصلحة الجماعة، ولها وحدها الحق في استخدام أدوات القتل-المنظم- في الداخل، وإعلان الحرب وتقدير ضرورتها وتحديد تحالفاتها في الخارج، دون أدنى مسائلة أو محاسبة؛ إلا عن تفاصيل صغيرة،وفي حدود،مع كفالة الحصانة لرجالها وضمان السرية لملفاتها والتجهيل لتواريخها،وإطلاق إعلامها على من تريد ومكافأة من ترضى عنه.

لكن القوة وحدها لا تملك إكراه الناس على الطاعة لفترة طويلة، حيث أن الخضوع الفكري للأطر الأيديولوجية والفكرية وخلق “شرعية” للمؤسسات والتنظيمات أمر في غاية الأهمية، فتتم محاصرة العقل بمنطق العجز الفردي وإعلاء قدرة المؤسسة وحكمتها وخبرتها، والتشكيك المستمر في صواب الفطرة والحدس الفردي، وترسيخ يقين بأن القيادة هي “من تعرف أفضل” و”أنك ليست لديك الصورة الكاملة”، مع التلويح بالنَبذ لمن يُظهر رأيًا متفردًا؛ بغرض التخويف من الإقصاء، أو خسارة الانتماء وسحب العضوية أو الجنسية، أو نقض المكانة، وربما إنهاء الوجود ذاته.

الثُقب الأسود للحداثة .. وما ابتلعه:

في دراسة منشورةعام ٢٠٠٤ عن الخيال السياسي للإسلاميين(قمت بتلخيص وتبسيط أهم أفكارها ونتائجها في مقالات عديدة نشرتها بين عامي ٢٠٠٤-٢٠١٠ )(1) ذكرت أن الاشتباك مع “صورة” الدولة الإسلامية في أذهان المنتمين للصحوة الإسلامية ضرورة؛ حيث إنها تماثل الدولة القومية الحديثة من حيث البطش والاختراق لكل المساحات والهيمنة على الأفراد والاحتكار للرشد والحديث باسم الأخلاق وفرض التقوى وتقنين المعروف ومصادرة قوة المجتمع وقدرات الفرد. وقد بدأت عام ٢٠٠٧ في تدريس مادة الحركات الإسلامية كأستاذ زائر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث امتد الحوار والبحث مع طلابي عامًا بعد عام سعيًا لفهم “ما هو الإسلامي في الإسلام السياسي وما هو السياسي فيه” أي: ما هو حقًا نصيب الحركات والتنظيمات الإسلامية من الإسلام؟ وما ثِقل السياسي ومقوماته وشروطه في رؤيتها وحركتها؟، كيف نفهم وكيف نقيس وكيف نُسمّي الظواهر وأخيرًا كيف نحكم على التطور والآفاق؟ .

كانت المادة تبدأ بالبحث أولًا في نشأة الدولة العربية وتطورها وبنيتها وتحولاتها، ثم ننتقل لفهم الحركات الاجتماعية والنظريات المختلفة بشأن قديمها وجديدها، الصلب منها والرخو، ثم ندرس طبيعة المجال العام والمجتمع الأهلي في دار الإسلام في تطوره التاريخي واستقلال العلم والقضاء والتعليم والأوقاف، وأثر ذلك على تحجيم استبداد السلطة وحماية الشريعة، ثم ما هي الشريعة ابتداءً؟ ووزن الأخلاق والجماعة وذمة المؤمنين فيها، ومساحة الاجتماعي والثقافي في دائرتي القضاء والفتوى، ثم نشأة ومسارات العلمنة والتحديث، ثم عقود الاستعمار وغرس جذور القومية والمؤسسية والدولة العلمانية وتأميم كل مساحات الأهلي والشرعي والوقفي، وبعد أن يوشك الفصل الدراسي على الانتصاف ويبدأ الطلاب في التململ من هذا الكم من القراءات “خارج الموضوع” (كما يظنون) نبدأ في دراسة الحركات الإسلامية الكبرى ويجري الطلاب بحوثهم على أي حركة يختارونها من الشيشان للبلقان لأفريقيا لآسيا .. للامتداد في العالم الغربي.

حينها كان الطلاب يدركون أهمية الدراسة النظرية وأدواتها المفاهيمية في الفهم والتحليل والتصنيف وبحث العلاقات والتحولات والمحطات والتحالفات.وكنت أشجع الطلاب على أن ينتقوا -إن أحبوا- مقارنة مع حركة إسلامية خلاف التي يدرسونها أو حركة غير إسلامية بالكلية ليفهموا المشتركات والفروق.

وما استقر عندي عبر سنوات من البحث والمعايشة هو أن معظم “التنظيمات” الإسلامية هي بِنية حداثية بامتياز، بعيدًا عما تقوله هي عن نفسها أو كيف يصنفها غيرها: التقسيم والتعقيد وتوزيع المهام بشكل يقسم المسئوليات ويحجب المبررات ويخلق الحُجُب بين المستويات، وبناء الطاعة على الثقة لا المساءلة، ومركزية القيادة، والفصل بين من هم داخل التنظيم ومن هم خارجه، وغياب الشفافية في التمويل وانعدام المساءلة في التصرف وتحمل التبعات عند الخطأ (الذي هو دومًا اجتهاد مأجور)، وخلق ثقافة خاصة بالمنتمين وأدبيات خاصة بالتنظيم/الهيكل تعيد تأويل المرجعية في أصولها وتخلق نصوصًا يحفظها المنخرطون بأكثر مما يطلعون على العلوم الشرعية أو المصادر الأصلية، بالإضافة إلى الضيق بالنقد واتهام صاحبه، وبناء معالم سلوكية تحقق الاختلاف عن الآخرين حتى وإن خالفت أحيانًا ما في الأصول من سَعة وسقطت في تقليدية كامنة غير واعية، وتحقيق الشعور المستمر بالتمايز والمفاصلة. والأهم: اعتبار الوصول للسلطة هو غاية التمكين واعتبار الفشل مؤامرة، والكوارث ابتلاءات لا توجب الإقرار أو الاعتذار أو المراجعة أو تنحي المسئول عنها؛ لوضوح افتقاده القدرة والأهلية، أو طرح أي احتمال للفساد والهوى (“عِصمة” خفية من نوع ما).

ينطبق ما سبق على تلك التنظيمات كما ينطبق على أي تنظيم أيديولوجي حداثي- خاصة التنظيمات اليسارية- وفي الحالتين هناك رفض لفكرة “السنن” المشتركة إنسانيًا وركون لمنطق “الاستثنائية التنظيمية” والذي يشيع بين أعضاء التنظيم (كجزء من عقلية المفاصلة).

يدرك باحث العلوم السياسية مبكرًا أن عِلة البحث في “الدولة الإسلامية” هو شق الدولة وليس شق الإسلامية(2)، ذلك أن من يأتي من خلفية النظرية والفلسفة يعلم جيدًا الجدل حول منطق الحداثة وفكرة الدولة القومية وآفاتها بل وكوارثها التي لم ينكرها اليسار ولا اليمين- ناضل اليسار ضدها لبناء مجتمع اشتراكي، فإذا بالنموذج السوفيتي يقيم دولة كالتنين تفوق تصور هوبز عن الدولة المتسلطة المتغولة المتجسدة في شكل الحاكم (Leviathan)، واختطف الفاشيون خيار الديمقراطية وأدخلوا العالم في حرب عالمية، واعترف بمخازيها الليبراليون، لكن قالوا إنها أفضل صيغ القوة والسلطة، ولا بديل، للأسف، مع محاولة إدخال السوق والمجتمع في شراكة “متوهمة” وكأن المدني يمكن أن يقف على قدم متساوية مع شبكات الرأسمالية وسلاح السيادة الذي تقبض عليه الجيوش الواقفة من وراء ساتر الديمقراطية تطيح بها متى شاءت.

محاولة لقلب نظام التفكير في الحكم:

وحين قامت الثورة كنت أرى أن هناك قواعد مفقودة للتفاوض مع العسكر كتبتها في حينه(3)، وحذرت من سطوة فكرة الدولة على الحركة، والثقة بالتنظيم أكثر من الثقة بالشارع. ولم أفهم كيف توقع الإخوان أن بإمكانهم حماية برلمان ثورة بكوادرهم الشبابية، أو قصر رئاسة بكوادرهم التنظيمية. كيف لا يرون أن هذا يعني أنهم في نفس اللحظة التي يواجهون دولة قديمة يتحركون على صورتها ويستبطنون أدواتها؟ وفوق ذلك يغفلون عن أن الأجهزة الأمنية والسيادية التي أحجمت عن القيام بدورها ستمتنع، تعففًا، عن إسقاطهم. وكررت مرارًا أن دولة الحداثة والاستعمار ثم التبعية كجهاز ومنطق مؤسسي لا يمكن “أسلمتها”، وأن علينا واجب الاجتهاد في كيفية “الانتقال” للسلطة والإدارة السياسية التي نريد، بدون دفع ثمن سقوط أنقاض هذه الدولة فوق رؤوس الناس. وهو خيار صعب ويستلزم بناء إجماع وطني وتيار رئيس وعقد اجتماعي مغاير وخريطة قوى جديدة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار دستور 2012 بحال خطوة على هذاالطريق (بله 2014) فما انتهت له الجمعية التأسيسية من مسودة 2012 كان في تقديري لا يحمل أي “إسلامية”؛ لأن أسس الدولة وآلتها وتقسيم السلطة والقوة فيها لم يتم تغييره (خلاف عجز واضح في إدارة الخلاف السياسي من كل الأطراف)، لكن السياسة البراغماتية فرضت منطقها، والنواة الأمنية للدولة فرضت “سيادتها”.وتطورت الأمور على النحو الذي يعرفه الجميع، والذي من العبث الحديث عنه كمؤامرة حيث إن من يشتغل بالسياسة تعد وظيفته الأساسية التعامل مع المؤامرات والتحالفات والتحديات، خاصة أنه تم عمدًا تجاهل كل أصوات التحذير والنقد والخلط المذهل بين منطق الدعوة ومنطق الدولة، وغلبة عقلية التنظيم على قواعد الحُكم الراشد.

التنظيمات ومعيار الإسلامية

نرجع للسؤال المركزي: ما الإسلامي في التنظيمات “الإسلامية” إذًا؟

هل هو المشروع الفكري الذي يحلم باستعادة خلافة على صورة إمبراطورية أدى ضعفها لهزيمتها؟ أم المشروع الذي يختزل الشريعة في القانون لتناسب حجم ومنطق الدولة القومية التي ترى القانون وحده فرس الرهان؛ لأنها تحتكر صنعه وتفسيره وتطبيقه؟ أم التنظيم الذي يقوم على فلسفة المؤسسات الحداثية والذي جاءت محنته نتيجة فرط براغماتيته، وليس فرط مثاليته، كما كان متوقعًا، وعلى حساب رأس المال الأخلاقي؛ بل والفقهي الذي يرفع هو لافتته؟

هل هذا وقت إدراك أن مشروع الإخوان المسلمين مشروع حداثي؟ وأنه لو كان اعترف بذلك لربما حقق نتائج أفضل سياسيًا، وأن الإسلام سيظل في انتظار مشروعه التجديدي المُجهَض من خارجه تارة، والمَخذول من داخله تارة أخرى؟

هذا ليس هجومًا على الإخوان ولا تفكيكًا لمشروعهم، لست معنية بذلك، فهذا مسعى سياسي، وهذا النص غايته المسعى الحضاري والذي يبدأ من الأمة، هذه محاولة وضع ملامح لتقييم مختلف للمئة عام الأخيرة، وإدراك أن سقوط الخلافة لم يكن بسبب ضعف دولة الإسلام فحسب بل بسبب ضعف كل الدوائر العلمية والمجتمعية التي لم تنجح في الصمود في مواجهة جيوش الغزو، ولا سلب ونهب الدول الاستعمارية للتراث وللثروة،ثم مصادرة الدولة الاستبدادية العسكرية بعد الاستقلال لمساحات الفعل الأهلي والأوقاف ومعاداتها الصريحة لاستقلال التعليم والفقه والقضاء وليكون حَكَمًا عليها، عقلًا وأحكامًا وعدالة، وتأميمه كي يكون محض أداة في يدها.

نحتاج أن نتذكر دائمًا أن سقوط الخلافة سبقه مشروع تجديد أطاح به الاستعمار وانشغلت عنه التيارات والتنظيمات بشواغل السياسة أو بأعباء الدعوة، فتراجع الاهتمام بالتجديد وملفاته والفهم ومعاييره، والتماهي الذي ذكرناه مع مفهوم الدولة الحداثية مع خيال الدولة الإسلامية هو محض تابع لهذ الخلل، وأن استعادة قيمة التفكير هي الفريضة التي غابت في ظل إعلاء منطق التنظيمات والاستسلام لظن أن ما نقف عليه وأمامه وتحته يحتاج فقط إلى “أسلمة” فحسب. وقد تم التحذير منذ أكثر من عقد كامل من أن آفة المنافسة على الحكم هي استبطانها لذات معايير الفهم وإصدار الأحكام العقلية، وأن فقرًا شديدًا في الفقه الشرعي والسياسة الشرعية يغلب على أبناء الصحوة؛ بل وقياداتها التي لا يغنيها ترديد المقولات العامة والشعارات، فإن لم تكن في السنوات الأربع الماضية عبرة لأولي الأبصار فمتى سيتنبه لهذا؟ ومتى سيتم الإقرار من أجل تجاوز مئة عام من الارتباك والشتات المنهجي والمفاهيمي؟

في ظل ما سبق هل ما زالت “الدولة الإسلامية” كما تصورتها الأجيال عبر مئة عام هي الإجابة على سؤال النهضة واستعادة عِزة الأمة وبناء الخلافة وإقامة الدين وإصلاح العالم؟

الرأي عندي أن الأمة والشريعة هما الإجابة، وهي ليست إجابة سهلة، فقد تتخطفها تنظيمات مسلحة حظها من الفقه قليل ومعرفتها بالعالم أقل، وقد تهوي بها مصالح السياسة والاقتصاد في مكان سحيق، وقد تُفشلها الخلافات والنزاعات، وهي تحتاج استعادة منطق الشورى من براثن جموح وتغول صورة الدولة قبل تصور صيغ المؤسسات، وتمكين الدين قبل تأسيس السلطان، وفهم الشريعة في مسالك الاجتماع والاحتكام قبل مسعى التقنين والإرغام، واستقلال الفقه قبل تحديد الوجهة وبدء السعي والحركة.الخلاصة: نحتاج عقلًا مختلفًا لا يسير على قضبان السلطة ولا يُغَيّب خلف قضبان الاستضعاف والمظلومية؛ فيولع بالغالب ويستنصر بالطغاة ويركن لدين الظالمين وديدنهم، وهو لا يدري، وينتظردومًا أن يكون القائد:كيان مستبد..مأمول عدله.

فهل للقوة مكان في أفق هذا التصور؟ قطعًا، القوة بكل مقوماتها وأبعادها. وهل للقانون والعدالة مساحة؟ بالتأكيد، العدالة كقيم وفضاء مجتمع قبل الأكواد والأنظمة القانونية. وهل للشريعة مكانة؟ بلا جدال. ولدينا الكثير في هذا المجال من جهد القرون وتجديد الباحثين الذين شُغلوا بمستجدات العلم والعالم منذ عقود في مجال الاجتماع الاقتصاد والتعليم والتشريع وعلاقات القوة ورؤى العلاقات الدولية والاجتهاد الفقهي. ما ينقصنا هو تصور مختلف للسلطة والسيادة يخرج من أسر الانبهار بالحداثة، والشعور بالصَغار أمام المستعمر والرغبة في التوافق معه. ويعيد بناء تصورات شعوب تماهت مع الاستبداد ونسيت العدل. واستبطنت ذلك في نُظمها الثقافية وتنظيماتها الاجتماعية والمجتمعية والحركية؛ بل والعلمية.

هذه مجرد مقدمة لتفكير بشأن تقييم جديد للحداثة المقيمة في العقول وإن بارزتها الألسنة، وسعي موصول لتلمس رؤية تجديد “أمر” هذا الدين.

——————————————

(1)نُشرت بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، وتم نشر مقال بمثابة مسودة لورقة بحثية بمجلة الديمقراطية الصادرة عن مركز الأهرام العام الماضي، بعنوان “ما بعد الإسلاموية: رؤية نقدية”.وسلسلة المقالات كانت تحت عنوان (أحلام العصافير)، و(العقل السياسي والتحرر من الدولة)، وغيرها.

(2) ورد هذا بحوار أجرته الكاتبة مع مجلة الـ (Open Deomcracy) حين سألتها المحاورة عن رأيها بالدولة الإسلامية؟ فأجابتها أنها ليست لها مشكلة مع “إسلاميتها”، ولكن المشكلة مع “الدولة” ذاتها. الرابط

(3) الفريضة الخامسة ..مسارات ومدارات