نهاية إسرائيل القديمة: كيف غير نتنياهو وجه الأمة


صورة بنيامين نتنياهو نهاية إسرائيل

نهاية إسرائيل القديمة: كيف غير نتنياهو وجه الأمة

مقالة مترجمة من مجلة الشؤون الخارجية (foreign affairs)

ألوف بن

انتهت إسرائيل.. أو على الأقل نسختها العلمانية والتقدمية عموماً التي أسرت ذات يوم مخيالَ العالم. ومع أن إسرائيل كانت فانتازيا خيالية على الدوام من بعض الجوانب، إلا أن الأسطورة  تأسست إلى حد ما على الواقع الحقيقي. تبدل الواقع اليوم، واختلف البلد الموجود حالياً اختلافاً جذرياً عن ذلك الذي حلم به المؤسسون قبل نحو سبعين سنة. ومنذ الانتخابات الأخيرة التي جرت في مارس 2015، تسارع زخم عدد من النزعات والاتجاهات البطيئة تسارعاً دراماتيكياً. فإذا استمرت فسوف تغير طبيعة البلاد في وقت قريب إلى حد يتعذر التعرف عليها.

  التحول الذي حدث إلى الآن عميق ومثير ولافت. إذ يرى قادة إسرائيل الحاليون –بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي تغير بعد الانتخابات من محافظ يتجنب المخاطرة إلى يميني متطرف- الديمقراطية مرادفة لحكم الأغلبية المتحرر من الرقابة، ولا يطيقون صبراً على الكوابح والضوابط والقيود مثل المراجعة القضائية أو حماية الأقليات. إذ إن إسرائيل، برأيهم، دولة يهودية أولاً وديمقراطية ثانياً –بهذا الترتيب. ويجب ألا يتمتع بالحقوق الكاملة سوى اليهود، بينما يجب التعامل مع الأغيار بحذر والنظر إليهم بعين الشك. وعلى الرغم من تطرف هذا الاعتقاد وغلوه إلا أنه واسع الانتشار الآن: وجد استطلاع للرأي نشره معهد بيو في مارس أن 79 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون مبدأ “المعاملة التفضيلية” لليهود –تعبير مغلف بغلالة رقيقة عن التمييز (العنصري و الديني) ضد الآخر غير اليهودي.

  في هذه الأثناء، لم يعد حل الدولتين للنزاع مع الفلسطينيين مطروحاً على الطاولة، وتعمل إسرائيل بثبات على تأبيد احتلالها للقدس الشرقية والضفة الغربية. بينما تتعرض جماعات حقوق الإنسان والمنشقين، التي تتجرأ على انتقاد الاحتلال وفضح انتهاكاته، للإدانة من المسؤولين، كما سعت الحكومة إلى إصدار قوانين جديدة تقيد أنشطتها. وانحدرت العلاقات العربية-اليهودية إلى الدرك الأسفل، بينما يتفكك المجتمع اليهودي إلى قبائله التكوينية.

  تلائم هذه القبلية نتنياهو وتحقق له النماء والازدهار، وتخدم هدفه الذي سعى إليه طوال حياته: استبدال النخبة التقليدية في إسرائيل بأخرى أكثر تناغماً وانسجاماً مع فلسفته. لكن أصول هذه التغيرات كلها تعود إلى ما قبل عهد رئيس الوزراء الحالي. ومن أجل فهمها حقاً يجب العودة إلى حقبة أبعد في تاريخ إسرائيل: إلى تأسيس الدولة العبرية عام 1948.

الرجل العجوز واليهودي الجديد

أوجدت إسرائيل جماعة من الاشتراكيين العلمانيين بزعامة ديفيد بن غوريون، الذي أصبح أول رئيس وزراء للدولة. سعى “الرجل العجوز”، كما كان يسمى، إلى إنشاء وطن لنمط جديد من اليهودي: محارب-رائد يحرث الأرض بيد ويحمل البندقية بالأخرى، ثم يقرأ الشعر في الأمسيات وهو يجلس مع الرفاق حول النار في المخيم بعد كسب المعركة (أسطَرَ بول نيومان هذا “اليهودي الجديد” في فيلم “سفر الخروج” بأسلوب مؤثر). ومع أن بن غوريون كان مدنياً، إلا أنه تفوق في القيادة العسكرية. وأشرف على انتصار الدولة الوليدة في حرب الاستقلال على الجيران العرب والفلسطينيين، الذين طرد أغلبهم إلى المنافي فيما بعد. وعندما انتهت الحرب، أشرف “العجوز” على إنشاء جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي صممه ليكون (من بين أشياء أخرى) أداة البلاد الجديدة الرئيسة لتحويل المهاجرين اليهود متعددي اللغات إلى مواطنين ناطقين بالعبرية.

  كان بن غوريون يسارياً لكن ليس ليبرالياً. في أعقاب الاستقلال، أخضع ما بقي من السكان العرب في إسرائيل للأحكام العرفية (وهي حالة ظلت قائمة حتى عام 1966)، وصادر معظم أراضيهم، ليمنحها إلى المجتمعات اليهودية المحلية. أما حزبه، الماباي (الذي تحدر منه حزب العمل)، فقد سيطر على الاقتصاد وتحكم بتوزيع الوظائف. كان بن غوريون ومعظم أفراد عصبته من اليهود الأشكناز (الذين ترجع أصولهم إلى أوروبا الشرقية)، ومارسوا التمييز ضد اليهود السفارديم القادمين من العراق والمغرب وتونس واليمن وغيرها من الدول العربية (عرفوا في إسرائيل باسم مزراحيم). في الحقيقة، فشل في تقدير أهمية الدين وقوته، حيث اعتقد أنه سينحسر ويذوي عند مواجهة الحداثة العلمانية. ولذلك سمح لليهود الأرثوذكس بالاحتفاظ بنظامهم التعليمي واستقلاليته في ظل الدولة الجديدة –ومن ثم ضمن/ووافق على تكوين أجيال المستقبل من الناخبين المتدينين.    

  على الرغم من عيوب بن غوريون ومثالبه وأخطائه كلها، إلا أنه حقق إنجازات هائلة ومشهودة يجب عدم التقليل من أهميتها: فقد أنشأ واحدة من أكثر الدول تطوراً في حقبة ما بعد الاستعمار، مع مؤسسة عسكرية عالمية المستوى، شملت ردعاً نووياً، إضافة إلى أحدث المعاهد العلمية والتقنية. كما نجح في اعتماده على الجيش بوصفه بوتقة صهرت بطريقة فعالة أعداداً ضخمة من الإسرائيليين الجدد وتمكنت من دمجهم واستيعابهم. لقد ساعد هذا الاعتماد على المؤسسة العسكرية –إلى جانب انتصاراتها الميدانية في الحروب الثلاث التي خاضتها (1948، 1956، 1967)- في تعزيز الدور المحوري الذي يلعبه جيش الدفاع في المجتمع الإسرائيلي. وإلى هذا اليوم، تعد الخدمة في الوحدات العسكرية المرموقة أضمن السبل للترقي والتقدم المهني في البلاد. إذ زود الجيش الأمةَ بأفضل قادتها وزعمائها، من إسحق رابين إلى عزرا وايزمن، ومن إيهود باراك إلى آرييل شارون. كما أن كل رئيس أركان أو رئيس استخبارات يصبح على الفور مرشحاً غير رسمي لشغل منصب حكومي رفيع عند التقاعد.

  أتت أولى التحديات الكبرى لفكرة بن غوريون عن إسرائيل في حرب يوم الغفران عام 1973، حين شنت مصر وسورية هجوماً مباغتاً تمكن من أخذ جيش الدفاع على حين غرة. ومع أن إسرائيل كسبت الحرب في نهاية المطاف، إلا أنها أصيبت بخسائر جسيمة، بينما سبب الفشل الاستخباراتي المريع صدمة هائلة للأمة. وعلى غرار بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، خرجت إسرائيل من الحرب منتصرة، لكنها خسرت إحساسها بالمنعة ويقينها بأن جيشها لا يقهر.

  بعد أقل من أربع سنوات، استغل مناحيم بيغن –مؤسس اليمين الإسرائيلي- هذه التعاسة السائدة، واستفاد من شكاوى اليهود السفارديم ومظالمهم ليلحق بحزب العمل أول هزيمة منكرة له في الانتخابات. تسلم بيغن السلطة على رأس تكتل جديد عرف باسم “الليكود” (“الوحدة”)، وشكل تحالفاً مع أحزاب إسرائيل الدينية، التي شعرت بانسجام أكبر مع المحافظ الملتزم بشعائر يوم السبت. وفي سبيل تعزيز الصفقة، سرعت حكومته وتيرة بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية (وهو أمر يستميل الصهيونيين المتدينين)، وقدمت تنازلات عديدة لغلاة المتطرفين الأرثوذكس، مثل الدعم الحكومي السخي لنظامهم التعليمي.

  كان بيغن محافظاً وقومياً. لكن عشرات السنين التي قضاها في صفوف المعارضة علمته احترام الانشقاق والاختلاف والجدل والحوار. ولذلك، دافع على الدوام، حين أصبح رئيساً للوزراء، عن استقلالية القضاء، وامتنع عن تطهير المناصب في قمة تراتبية الخدمة المدنية وجيش الدفاع من مؤيدي حزب العمل وأنصاره. ومن عواقب ذلك كله أن “ثورته” ظلت جزئية على الرغم من أهميتها. لقد خسرت النخبة اليسارية القديمة، تحت زعامة بيغن، مقاعدها في الحكومة. لكنها حافظت على معظم نفوذها المؤثر، وتشبثت بمواقعها في قمة المؤسسات القوية مثل وسائل الإعلام والوسط الأكاديمي. وبقيت المحكمة العليا حاشدة بالقضاة الذين يمثلون موقفاً ليبرالياً تجاه الحقوق الإنسانية والمدنية، على الرغم من عدم انتمائهم إلى أي حزب سياسي رسمياً.

معمودية “بيبي”

مع أن تكتل الليكود حكم إسرائيل معظم السنوات التي مرت منذ ذلك الحين، إلا أن سيطرة اليسار المستمرة على العديد من أوجه الحياة أثارت شعوراً عميقاً بالاستياء لدى اليمين. لم يشعر أحد بعمق هذه الشكوى وحدتها مثل نتنياهو، الذي حلم ردحاً من الزمن باستكمال ثورة بيغن الناقصة. فاز “بيبي”، كما يُعرف نتنياهو، بأول رئاسة للحكومة عام 1996، لكنه احتاج إلى عقد من السنين لنيل المراد.

  أتى انتخاب نتنياهو أول مرة بعد وقت قصير من اغتيال رابين. هيمن على السنوات التي سبقت اغتياله اتفاق أوسلو وعملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسوف تصبح العملية ذاتها بؤرة تركيز الفترة الأولى من حكم خليفته أيضاً.

  عارض نتنياهو اتفاق أوسلو منذ البداية. ورأى إسرائيل آنذاك، كما يراها الآن، مجتمعاً يهودياً مطوقاً بالأعداء من العرب والمسلمين الذين يريدون تدميره. واعتبر الصراع العربي-الإسرائيلي حقيقة أبدية من حقائق الحياة، يمكن إدارته والتعامل معه لكن يستحيل العثور على حل له. ولا يمكن الاعتماد على الغرب –المعادي للسامية، أو اللامبالي، أو كليهما، باعتقاده- لنجدة إسرائيل، ومن ثم فإن زعماءها ملزمون بواجب منع حدوث محرقة (هولوكوست) ثانية عبر توليفة تجمع الدبلوماسية الذكية والبسالة العسكرية. وليس بوسعهم أن يقلقوا أو يهتموا برأي بقية العالم بهم. وفي الحقيقة فإن من أهم السمات الرئيسة التي تروج نتنياهو محلياً استعداده الدائم للوقوف في وجه القوى الراسخة في العالم، بغض النظر هل اتخذت شكل رئيس الولايات المتحدة، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة (حيث خدم مندوباً لإسرائيل بين عامي 1984-1988، وأثار انتباه الأمة لأول مرة). نتنياهو مغرم بإلقاء المحاضرات على الأغيار مستغلاً طلاقته باللغة الإنكليزية، ويعجب معظم العوام الإسرائيليين بهذه المشاهد الاستعراضية. وربما يشتط به الخيال الجامح أحياناً، مثلما فعل في أكتوبر الماضي حين أشار إلى أن أدولف هتلر قد استوحى فكرة إبادة يهود أوروبا من الحاج أمين الحسيني، مفتى القدس أثناء الحرب العالمية الثانية. سخر المؤرخون من مختلف المشارب والاتجاهات من الادعاء، لكن كثيراً من الإسرائيليين العاديين لم يهتموا بالدقة التاريخية.

  في أثناء ولاية نتنياهو الأولى، ربط أجندتيه المحلية والدولية معاً عبر توجيه اللوم إلى يسارية النخبة القديمة في إسرائيل على الأخطاء المرتكبة في ميدان السياسة الخارجية. ومن أجل منع مزيد من الخطوات الخاطئة في المستقبل، اقتبس عدداً من الأساليب التكتيكية التي يستخدمها المحافظون في الولايات المتحدة، وتعهد بمحاربة التفكير الجماعي (=القطيعي) في الجامعات الإسرائيلية وفي مجالس تحرير الصحف –وهو أسلوب في التفكير أوصل البلاد إلى أوسلو، كما أكد. وفي مقابلة أجراها معه آري شافيت من صحيفة “هارتس” عام 1996، اشتكى من أن “كبار البيروقراطيين من النظام القديم” يعملون على نزع شرعيته، وأضاف بأن “المشكلة تكمن في عدم توازن البنية الفكرية في المجتمع الإسرائيلي”. ثم تعهد بإنشاء مؤسسات أخرى جديدة تكون أكثر محافظة لإعادة كتابة السردية الوطنية.

  لكن افتقار نتنياهو للخبرة السياسية أضر به. فقد اجتاحت فترة حكمه خلافات جدالية حادة، بدءاً باستفزازاته الطائشة للفلسطينيين والأردنيين، وانتهاءً بالفضيحة التي سببها سوء معاملة زوجته للمستخدمين في البيت. رصت النخب القديمة في إسرائيل الصفوف واستطاعت بدعم من إدارة كلينتون إجبار نتنياهو على عقد صفقة أخرى مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. أدت مذكرة التفاهم في واي ريفر عام 1998 –آخر اتفاق رسمي توقعه إسرائيل والفلسطينيون حتى اليوم- إلى إجراء انتخابات مبكرة في مايو 1999، بعد أن تخلى عدد من الأحزاب الصغيرة واليمينية المتشددة عن ائتلاف نتنياهو احتجاجاً. وخرج باراك وحزب العمل منتصرين.

  مثل كل من باراك، الذي وصل إلى أعلى المناصب في الجيش الإسرائيلي ونال العديد من الأوسمة؛ وشارون، الذي حل محل نتنياهو على قمة الليكود وأصبح رئيساً للوزراء عام 2001، عودة إلى نموذج بن غوريون للمزارع الذي يتحول إلى محارب ثم إلى سياسي. واستعاد ارتقاؤهما النظام القديم –مؤقتاً على الأقل- وجعل نتنياهو يبدو كأنما وصل إلى السلطة بصدفة تاريخية جراء حظه السعيد.

قناع الاعتدال

لكن نتنياهو رأى الأمور من منظور مختلف، وأمضى العقد اللاحق يخطط لعودته إلى السلطة. ففي أعقاب إعادة انتخاب شارون عام 2003، أصبح نتنياهو وزيراً للمالية، لكنه استقال عشية الانسحاب من جانب واحد من غزة في أغسطس 2005. وحين أنشأ شارون حزب الوسط الجديد كاديما (“قدماً إلى الأمام”) بعد الانسحاب بوقت قصير، تزعم نتنياهو فلول الليكود. لكنه خسر الانتخابات اللاحقة التي أجريت في مارس 2006 أمام إيهود أولمرت، الذي حل محل شارون المريض في زعامة كاديما. 

  تعهد أولمرت بتنفيذ رؤية معلمه والانسحاب من معظم الضفة الغربية. لكن خططه تعثرت في يوليو حين سمح لحزب الله بجره إلى حرب في لبنان خاضها بطريقة سيئة دون هدف أو جدوى. أما مسعاه اللاحق للتفاوض على اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين، الذي انطلق في أنابوليس (بولاية مريلاند) أواخر عام 2007، فلم يؤد إلى نتيجة. في هذه الأثناء، تعاظمت مصداقية نتنياهو وازدادت شعبيته في السنة نفسها حين سيطرت حماس، المسلحة بالصواريخ، على غزة –كما توقع تماماً. وهكذا، عندما أعلن أولمرت استقالته بسبب تهم بالفساد وجهت إليه في صيف عام 2008 (وذهب إلى السجن في أوائل هذه السنة جراء تهم أخرى)، كان نتنياهو على أتم الاستعداد للانقضاض.

  تلقى انبعاث نتنياهو مزيداً من الدعم عام 2007، حين ظهر فجأة ما سيصبح أهم مصادر التفكير المستقل على حد تعبيره: “إسرائيل هايوم” (“إسرائيل اليوم”)، الصحيفة اليومية المجانية التي يملكها قطب كازينوهات القمار الأمريكي شيلدون أديلسون. ومنذ صدورها، زودت نتنياهو ببوق إعلامي داعم وصادح. وبحلول عام 2010، أصبحت أكثر الصحف انتشاراً وقراءة حيث طبعت 275.000 نسخة يومياً. وبدت صفحتها الأولى كأنما تنقل رسائل “بيبي” اليومية: تحيي حلفاءه المفضلين، وتدين خصومه المناوئين، وتفاخر بإنجازات إسرائيل، وتتستر على عيوبها وأخبارها السيئة.   

  مع خروج أولمرت من المشهد، عاد نتنياهو إلى السلطة في 31 مارس 2009. وبالرغم من تشوقه لإثبات أنه لم يعد ذلك السياسي الغوغائي الذي اجتاحت الفضائح حياته، وأجبرته الانتخابات على مغادرة المنصب قبل عقد من السنين، وخشية من ضغوط الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، اضطر مرة أخرى إلى تأجيل خططه طويلة الأجل التي تتعلق باستبدال النخب. وبدلاً من إضعاف أعدائه، انتقل إلى الوسط، وجند عدداً من الليبراليين “الليكوديين” المتقاعدين لتأييد “بيبي الجديد” والانضمام إلى حكومته، وتشكيل ائتلاف مع العمل بزعامة باراك، الذي ظل وزيراً للدفاع (وهو منصب شغله في حكومة أولمرت). أمضى الاثنان، نتنياهو وباراك، معظم الأعوام الأربعة اللاحقة في العمل على خطة لم تتحقق في نهاية المطاف لقصف منشآت إيران النووية.

  في يونيو 2009، بعد عشرة أيام من خطاب باراك أوباما في القاهرة، سعى نتنياهو إلى تعزيز مؤهلاته الجديدة بوصفه زعيماً من الوسط عبر الموافقة في إحدى الخطب على فكرة قيام دولة فلسطينية. لكن كما هو متوقع منه بالضبط، فرض رئيس الوزراء شرطاً: يجب على الفلسطينيين أولاً الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية. رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الفكرة على الفور. لكن الخطوة دعمت مؤهلات نتنياهو المعتدلة على أي حال.

  كما ساعدت على إبعاد حمل أوباما الثقيل عن ظهره –لكن ليس قبل أن يقنعه الرئيس الأمريكي بالقبول بتجميد بناء وحدات سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية مدة عشرة أشهر. لكن التجميد كان عقيماً ولا طائل منه، نظراً لأنه لم يغير الحقائق على الأرض أو يسهل إجراء محادثات سلام جدية. وبعد وقت قصير من انتهاء المدة، فاز الجمهوريون في الانتخابات النصفية وسيطروا على مجلس النواب، ما أوجد جداراً عازلاً منع مزيداً من الضغط من جانب واشنطن. وسرعان ما فقد أوباما الاهتمام بعملية السلام المزعجة. ومع أن علاقته المتردية مع نتنياهو أدت إلى نشر كثير من القصص في صحف الإشاعات ومجلات الإثارة، إلا أنها لم تؤثر في السياسة الداخلية، نظراً لأن غالبية الإسرائيليين أيضاً لم يضعوا ثقتهم آنذاك –ولا يثقون الآن- بالرئيس الأمريكي؛ إذ وجد استطلاع للرأي صدر في ديسمبر عام 2015 أن نسبة الذين يفضلون أوباما في إسرائيل أقل من نسبتهم في أي مكان آخر، ولا يفوقهم في السخط عليه سوى الروس والفلسطينيين والباكستانيين.

  سوف يتلاشى ما بقي من ضغوط على نتنياهو من أجل السعي للسلام مع الفلسطينيين بعد تفجر انتفاضات الربيع العربي. انهار نظام حسني مبارك في مصر، ما هدد ركيزة الإستراتيجية الأمنية لإسرائيل؛ بينما احترقت سورية في أتون حرب أهلية دموية؛ وظهر في المشهد عدو جديد مرعب: الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). عززت هذه الحوادث موقف إسرائيل بصورة غير متوقعة من جوانب عدة: تعاونت روسيا والولايات المتحدة في نهاية المطاف على تجريد سورية من معظم أسلحتها الكيماوية، وعملت الحكومات العربية المحافظة في الأردن والإمارات ومصر (بعد الثورة المضادة عام 2013) على تمتين علاقاتها مع تل أبيب (وإن بصورة غير رسمية في معظم الحالات). لكن المذابح المروعة والاضطرابات الخطيرة التي اجتاحت الإقليم أصابت الناخبين الإسرائيليين بالذعر، فسألوا أنفسهم: إذا كان العرب قادرين على فعل ذلك كله بعضهم ببعض، فتخيلوا ما سيفعلونه بنا لو أتيحت لهم الفرصة.

  ومع ذلك كله، لم يلعب السلام والأمن سوى دور ثانوي (على غير العادة) في الانتخابات اللاحقة التي جرت في يناير عام 2013. بل هيمنت على السباق قضايا اجتماعية، شملت الارتفاع المتسارع في تكاليف السكن وأسعار المواد الغذائية الأساسية في إسرائيل. ساعدت هذه الاهتمامات على ظهور طبقة جديدة من السياسيين المبتدئين، الذين حلوا محل المتمرسين القدامى من أمثال باراك. لكن لم يتمكن أحد منهم من التفوق على رئيس الوزراء ومغالبة خبرته وفطنته وحنكته. وبعد إعادة الارتباط مع قاعدته اليمينية والاندماج مع حزب محافظ آخر بزعامة وزير الخارجية الأسبق أفيغدور ليبرمان، فاز نتنياهو بالانتخابات. 

  في صيف عام 2014، وفي أعقاب آخر محاولة للدفع باتجاه تحقيق السلام مع عباس (قادها هذه المرة وزير الخارجية جون كيري)، اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس. فقد أصاب اكتشاف عشرات الأنفاق التي حفرتها حماس على الحدود المصرية والإسرائيلية عامة الإسرائيليين بالرعب، واستحث القيام بعملية أرضية طويلة –النزاع الأكثر دموية في حقبة نتنياهو. قتل أكثر من 2000 فلسطيني و72 إسرائيلياً، معظمهم من الجنود، في المعارك التي دامت خمسين يوماً. ساندت الحرب الأغلبية الساحقة من السكان اليهود، لكن القتال أدى إلى تفجر التوترات العرقية في البلاد. فقد احتج على الحرب آلاف من عرب إسرائيل –الذين تضامنوا مع معاناة إخوانهم في غزة وسئموا من الانتهاكات التي تمارسها الشرطة الإسرائيلية بحقهم فضلاً عن التهميش المتزايد الذي يتعرضون له في عهد نتنياهو. اعتقل المئات، وهُدد العرب المستخدمون في القطاع العام بالطرد بعد انتقاد الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي.

اليمين الجديد

في الوقت ذاته تقريباً، بدأت العداوات الشخصية ضمن ائتلاف نتنياهو تقطع أوصاله. عجز عن منع الكنيست (برلمان إسرائيل) من انتخاب ريوفن ريفلين، خصمه الليكودي ردحاً من الزمن، لمنصب الرئاسة الرمزي غالباً. بينما وافق عدد من حلفائه السابقين، ومنهم ليبرمان، على مشروع قانون كان سيجبر صحيفة “إسرائيل هايوم” على التوقف عن التوزيع المجاني (لم يتجاوز المشروع إطار جلسات الاستماع التمهيدية). أخيراً، انهارت الحكومة في ديسمبر، ودعا الكنيست إلى انتخابات مبكرة.    

  خاض تكتل الليكود سباق عام 2015 وهو متخلف عن منافسيه حسب استطلاعات الرأي. فقد شعر عامة الإسرائيليين بالغضب من الفضائح المالية التافهة التي تورطت فيها زوجة نتنياهو، إضافة إلى الورطة المأزقية الناجمة عن الحرب مع حماس. وبدا أن الاتحاد الصهيوني، وهو ائتلاف جديد (من الوسط) بزعامة إسحق هرتزوغ، سوف يشكل الحكومة القادمة. لكن ثبت أن الزعيم العمالي الذي يفتقد الشخصية الكاريزمية ليس نداً لخصمه الأشد دهاء ومكراً والأكثر خبرة ومراوغة. أصاب نتنياهو في أساليبه التكتيكية –فقد سجل نقاطاً في الدعوة غير المسبوقة لمخاطبة الكونغرس الأمريكي (التي استخدمها لإدانة الصفقة النووية التي كانت إدارة أوباما تنجزها مع إيران)، وسرق الأصوات من الأحزاب المحافظة الصغيرة عبر تقديم الوعود بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية أثناء ولايته. وفي يوم الانتخابات، بث فيلماً زعم فيه أن “الناخبين العرب يتوجهون إلى مراكز الاقتراع زرافات ووحداناً. وأن المنظمات اليسارية غير الحكومية تنقلهم بالحافلات”. لم يكن الزعم صحيحاً، لكنه استغل بشكل فعال قلق الناخبين اليهود وعنصريتهم وأدى إلى فوز الليكود في الانتخابات: حصل الليكود على 30 مقعداً؛ بينما لم تتجاوز مقاعد الاتحاد الصهيوني 24.   

  لكن الأصوات وحدها لا تحدد من يتسلم السلطة في النظام البرلماني الإسرائيلي المتعنت؛ فهذا يتقرر في أثناء عمليات بناء التحالفات التي تتبع حتماً كل انتخابات. في هذه الحالة بالذات، تركت الحسابات الانتخابية نتنياهو، الذي يحتاج إلى 31 مقعداً للحصول على الأغلبية، أمام خيارين اثنين: إما تشكيل حكومة وحدة وطنية مع هرتزوغ وغلاة المتطرفين الأرثوذكس، أو تكوين تحالف ضيق لكن متلاحم إيديولوجياً مع عدد من الأحزاب الصغيرة من الوسط وأقصى اليمين.

  كان اختيار هرتزوغ سيوجد تحالفاً أوسع ويتيح لنتنياهو إظهار مزيد من الوجه المعتدل إلى العالم. لكن رئيس الوزراء، الذي سئم من التظاهر بالانتماء إلى الوسط، اختار المسار الثاني. الأمر الذي تركه مع أغلبية ضيقة جداً لا تزيد على مقعد واحد في الكنيست. لكن منحه أيضاً فرصة تشكيل أول حكومة يمينية متشددة لا تشوبها شائبة منذ عودته عام 2009، حكومة تتيح له أخيراً تحقيق حلمه المنشود والمؤجل أمداً طويلاً: إعادة تكوين المؤسسة الإسرائيلية.

  مع أن نتنياهو علماني وأشكنازي، إلا أن غالبية حلفاءه الجدد من المزراحيم –الذين أبعدوا زمناً طويلاً عن مراكز القوة في إسرائيل، مع أنهم يمثلون شريحة كبيرة من السكان اليهود- والصهيونيين المتدينين، الذين اشتهروا بالطاقية المنسوجة، وضراوة التزامهم بالحفاظ على المستوطنات في الضفة الغربية، بل يعيش كثير منهم فيها. كما تمكنوا في السنوات الأخيرة من احتلال عديد من المناصب البارزة في الجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية.

  يعبر عن هذه الجماعات بأعلى صوت ثلاثة أعضاء في الحكومة الحالية: ميري ريغيف وزيرة الثقافة (الليكود)؛ ونفتالي بينيت وزير التعليم ورئيس “البيت اليهودي”، وهو حزب ديني صهيوني أنشأه من رماد الحزب الديني الوطني القديم؛ وأيليت شكد، صديقة بينيت المقربة زمناً طويلاً ووزيرة العدل الآن. ريغيف من السفارديم –أتت عائلتها إلى إسرائيل من المغرب- وترقت إلى رتبة عميد في الجيش الإسرائيلي، حيث خدمت ناطقة باسمه في أثناء الانسحاب من غزة. أما بينيت فهو ابن لمهاجرين أمريكيين، وخدم في القوات الخاصة ثم جمع ثروة من العمل في مجال التقانة المتقدمة. ويعد نموذجاً لـ”الأمة المبتدئة” ومثالاً للزعيم المتدين، والقومي المتشدد، والمؤيد المتحمس للاستيطان (مع أنه يعيش عيشة مرفهة ضمن الخط الأخضر). بينما كانت شكد مهندسة كمبيوتر قبل دخول معترك السياسة؛ وعلى الرغم من عضويتها في حزب “البيت اليهودي”، إلا أنها ليست متدينة ولا مستوطنة. وعملت هي وبينيت تحت إمرة نتنياهو في الليكود قبل عقد من السنين، حين كان زعيماً للمعارضة، لكنهما انفصلا عنه نتيجة نزاع شخصي عام 2008.

 على غرار رئيس الوزراء، تتمتع ريغيف وبينيت وشكد بخبرة واسعة ودراية عميقة بوسائل الإعلام والاتصال ومخاطبة الجماهير. وفي توافق مع التراث الإسرائيلي، تربط الثلاثة مع نتنياهو علاقة معقدة ومركبة تجمع العداوة والصداقة معاً. ارتقت ريغيف سلم المراتب في الليكود من دون رعاية رئيس الوزراء، بينما لم يسامح نتنياهو بينيت وشكد قط على خيانتهما؛ ولم يتلق أي منهما دعوة لزيارة منزله أو ركوب طائرته. لكن إلى الآن، لم يدعوا خلافاتهم وشكاويهم الشخصية تعيق سعيهم لتحقيق مصالحهم المشتركة. إذ يحتاج نتنياهو إلى بينيت وشكد للحفاظ على ائتلافه عائماً، كما يحتاج إلى ريغيف للإبقاء على دعم الإسرائيليين السفارديم، الذين يمثلون مكوناً مهماً من ناخبي الليكود وأنصاره. وفي الحقيقة، لا يوجد خلاف إيديولوجي حقيقي بين السياسيين الأربعة. ومن ثم يسعد نتنياهو أن يترك لغيره مهمة قيادة الهجوم على الحرس القديم –وتحمل العواقب والتبعات أيضاً.

  يؤدي الوزراء الثلاثة المهمة عن طيب خاطر مذ تسلموا مناصبهم في السنة الماضية. فقد سعت ريغيف –المغرمة بتوجيه السباب والشتائم إلى ما تدعوه “نخبة الأشكناز اليسارية المتغطرسة”، والتي تباهت في مقابلة أجرتها بأنها لم تقرأ تشيكوف ولا تحب الموسيقى الكلاسيكية- إلى منح ثقافة السفارديم مكانة بارزة وحرمان “الفنانين غير الوطنيين” من الدعم الحكومي. أما وزارة بينيت فقد أعادت كتابة المناهج في المدارس الحكومية للتشديد على الشخصية اليهودية للبلاد؛ وأدخلت مؤخراً إلى منهاج المدارس الثانوية كتاباً جديداً عن علم التربية المدنية يصور تاريخ إسرائيل العسكري بعدسات صهيونية دينية، كما يهمش دور الأقلية العربية. بل وصل بينيت في ديسمبر 2015 إلى حد حظر رواية “حياة الحدود”، التي تتناول علاقة حب رومانسية بين شابة يهودية إسرائيلية ورجل فلسطيني، وشطبها من قوائم المطالعة في المدارس الثانوية.

  من جانبها، تعهدت شكد بتقليص التدخل القضائي في عمل السلطة التنفيذية والكنيست عبر تعيين مزيد من القضاة المحافظين في المحكمة العليا في السنة القادمة، حين تشغر أربعة أو خمسة مقاعد (من أصل 15). كما استغلت على أكمل وجه موقعها كرئيسة للجنة الحكومية المعنية بالتشريع، التي تقرر القوانين المؤهلة لدعم السلطة التنفيذية في الكنيست. وشجعت اللجنة مؤخراً عدداً من مسودات القوانين المصممة لتقليص حرية التعبير السياسي. وسوف تسمح إحداها، التي تستهدف المشرعين العرب من غير الصهيونيين، للكنيست بتعليق عضوية المشرع مدة غير محددة بتهمة دعم الإرهاب، أو رفض وضع إسرائيل القانوني بوصفها دولة يهودية، أو التحريض على العنصرية. كما تفضح أخرى، دعمتها شكد شخصياً، جماعات حقوق الإنسان عبر إعلان أسماء تلك التي تحصل على أكثر من نصف تمويلها من الحكومات الأجنبية (لم يمرر الكنيست إلى الآن أياً من مسودات القوانين هذه، أو الإجراءات الأشد تقييداً التي قدمها أعضاء الليكود –مثل تلك التي تصنف المنظمات اليسارية غير الحكومية في فئة “الوكلاء الأجانب”، وتلك التي تضاعف عقوبة السجن لمن يحرق علم إسرائيل ثلاث مرات).

  في هذه الأثناء، يؤدي نتنياهو دوره أيضاً. وبعد انتخابات السنة الماضية، أصر على التشبث بحقيبة الاتصالات، ما يمنحه القول الفصل في أي تشريع يتعلق بوسائط ووسائل الإعلام. فضلاً عن نفوذ غير مسبوق في شبكات الاتصالات والتلفزة في إسرائيل، التي أصبحت تحاذر من فعل أي شيء ينفر رئيس الوزراء أو يستعديه.

  بدت غالبية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً، مثل ترويج ريغيف لثقافة السفارديم، وكأنها مصممة للتصدي لتجريد المزراحيم والمواطنين الذين يعيشون “على الطرف المحيطي” للبلاد (أي بعيداً عن ممر تل أبيب-القدس) من حقوقهم، كما كانت الحال السائدة تقليدياً. بينما استهدفت أخرى تشجيع الحراك الاجتماعي. لكنها جميعاً لها في الواقع غرض سياسي واضح أيضاً: تقليص، إن لم يكن إلغاء، أي معارضة محلية لاحتلال إسرائيل للضفة الغربية، الذي يريد نتنياهو وحلفاؤه تأبيده. وعبر تصوير معسكر السلام المتراجع والمتقلص ومؤيديه بهيئة الخونة والعملاء للأجانب المعادين للسامية، تأمل الحكومة بنزع الشرعية عنهم وبناء إجماع حول سياساتها اليمينية المتشددة.

  يبدو أن الإستراتيجية تعمل بنجاح. ومن الأمثلة التي تثبت ذلك استطلاع الرأي الذي أجري في ديسمبر الماضي وشمل اليهود الإسرائيليين، حيث تبين أن 53 في المئة من الذين استطلعت آراؤهم أيدوا حظر “كسر حاجز الصمت”، وهي جماعة من المحاربين القدماء تستهدف فضح الحقائق القاسية للاحتلال عبر نشر الشهادات الصادمة والمؤلمة للجنود الذين خدموا في الضفة الغربية. 

“سحب الخناجر”

في الصيف الفائت، بعد سنوات من الهدوء النسبي، اندلعت أعمال العنف في الضفة الغربية وداخل إسرائيل. وكانت الانتفاضة الأولى (1987-1993) قد اتسمت بالاحتجاجات الحاشدة ورمي الحجارة؛ أما في الانتفاضة الثانية (2000-2005)، فقد أدت التفجيرات الانتحارية الفلسطينية المنظمة والقمع العسكري الإسرائيلي واسع النطاق إلى سقوط آلاف الضحايا. في هذه المرة، اتخذت انتفاضة الأفراد المنعزلين، كما دعيت، شكلاً أكثر خصوصية. فقد لجأ الشبان (والشابات) الفلسطينيون من تلقاء أنفسهم وبشكل غير منظم إلى استخدام السكاكين والأسلحة المصنعة محلياً لمهاجمة الجنود الإسرائيليين، ونقاط التفتيش التابعة للشرطة، أو المدنيين في مواقع التوتر مثل المستوطنات والمدينة القديمة في القدس. أودت هذه الهجمات حتى الآن بحياة 34 إسرائيلياً. بينما اعتقل جميع المهاجمين تقريباً أو قتلوا على الفور –بلغ عدد القتلى الفلسطينيين نحو 200 إلى الآن- ومن المؤكد أن الآتي أعظم.

  جسدت انتفاضة الأفراد المنعزلين أصعب اختبار للحكومة الحالية حتى الآن. فقد ادعى نتنياهو على الدوام أنه صلب شديد المراس في التصدي للإرهاب واتهم خصومه بالضعف واللين. لكن يبدو أنه، مع كبار مساعديه، عاجزون عن العثور على مفتاح الحل للعنف المتفاقم. وبدلاً من وقف نزيف الدم، ضاعفوا هجومهم على الذين يعتبرونهم أعداء الداخل، كجماعات حقوق الإنسان، والسياسيين العرب الإسرائيليين. وسارت على النهج نفسه أحزاب يسار-الوسط، التي خشيت من أن تبدو لاوطنية. في أبريل، حث هرتزوغ حزب العمل على “التوقف عن إعطاء الانطباع بأننا من محبي العرب دوماً”. بينما طالب يائير لابيد، رئيس حزب “يش عتيد” (“هنالك مستقبل”) المعارض –فصيل آخر ينتمي إلى الوسط- الجيش والشرطة بتخفيف القيود على قواعد الاشتباك و”إطلاق النار لقتل كل من يحمل سكيناً أو أي أداة جارحة حتى مفك البراغي”. 

  في مارس الماضي، أرادت جماعة محترمة من جماعات حقوق الإنسان، “بتسيلم”، تسليط الضوء على خطر مثل هذه الخطابات البلاغية، فبثت فيلماً صور في الخليل يظهر جندياً إسرائيلياً يقتل جريحاً فلسطينياً ينزف وهو ممدد على الأرض. وبدلاً من تأنيب الضمير، أطلقت عملية القتل في الخليل موجة من المشاعر القومية البشعة لدى كثير من اليهود الإسرائيليين. وسرعان ما احتجزت القيادة العسكرية العليا الجندي وأعلنت أن فعلته غير أخلاقية، وغير قانونية، وغير انضباطية. لكن استطلاعاً للرأي العام أجري بعد عدة أيام من الحادثة، أظهر أن نسبة 68 في المئة من المبحوثين أيدوا القتل بينما طالبت نسبة 57 في المئة بتبرئة الجندي وعدم محاكمته جنائياً. دافع السياسيون من أقصى اليمين، ومنهم بينيت، عن القاتل، وسارع نتنياهو، الذي أيد في البداية القيادة العسكرية، إلى رص الصفوف مع منافسيه اليمينيين ودعا والدي الجندي إلى التعبير عن دعمه. وحين أصر وزير الدفاع موشيه يعالون على إجراء تحقيق جنائي، تعرض لهجوم عنيف عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب موقفه. وبعد أن وقف نتنياهو على ما يبدو إلى جانب منتقدي يعالون، تفاقم الخلاف بينهما، وفي مايو أعلن الوزير استقالته، وقال ملاحظاً: “قاتلت بكل ما أملك من قوة ضد تمظهرات التطرف، والعنف، والعنصرية في المجتمع الإسرائيلي، التي تهدد لحمته ومتانته، كما تتسرب إلى جيش الدفاع لتلحق الأذى به”.  

   لا ريب في أن تعرض يعالون بالذات لمثل هذه المعاملة يظهر مدى التغيير الذي أصاب إسرائيل في السنوات الأخيرة. فهو زعيم ليكودي، ورئيس هيئة أركان سابق في جيش الدفاع، ولا ينتمي إلى اليسار: صحيح أنه أيد أوسلو في البداية لكنه غير رأيه حين خبر -بوصفه رئيس الاستخبارات العسكرية- ازدواجية عرفات بشكل مباشر. ومع ذلك فهو يؤمن بأهمية الدولة العلمانية وحكم القانون. ما جعله واحداً من آخر المسؤولين من الحرس القديم حسب نموذج بن غوريون. كانت هذه المؤهلات كافية لتهييج الغوغاء على الشبكة الإلكترونية. ولم يعد يهم أنه يتمتع بسجل عسكري مؤثر، أو معارض لعملية السلام، أو مدافع عن التوسع الاستيطاني. ففي إسرائيل نتنياهو، يعتبر مجرد الإصرار على اتباع الإجراءات القانونية فيما يتعلق بجريمة موثقة تماماً كافياً الآن لإثارة عداء النخبة الجديدة وبغضاء مؤيديها.

رئيس الوزراء المؤبد

من الطرق التي استخدمها نتنياهو للبقاء في السلطة هذه المدة الطويلة –يحتل الآن المرتبة الثانية، بعد بن غوريون، في طول المدة التي شغل فيها منصب رئاسة الحكومة- تفصيل سياساته لتناسب مزاج الرأي العام. في عام 2009، اقترب من الوسط لأنه خشي من أوباما وأراد أن يبدد ما عرف عنه من طيش وتهور. وفي السنوات الأخيرة، ومع اتجاه الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين، مال مع الريح –ما أتاح له مزيداً من التعبير العلني عن عواطفه ومشاعره الحقيقية.

  وعلى مدى هذه الحقبة كلها، استفاد نتنياهو من مصدر مفتاحي آخر للقوة: غياب المتحدي الجدي، داخل تكتل الليكود أو خارجه. فقد استطاع باستمرار، منذ عودته إلى السلطة عام 2009، قهر جميع المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة حسب استطلاعات الرأي العام –بهامش كبير. بينما تمكن داخل الليكود من إزاحة مجموعة من الطامحين، مثل موشيه كاهلون، وغيديون سار، وسيلفان شالوم. كما فشلت المعارضة في تقديم بديل معقول له. فبعد أن غادر باراك المنصب عام 2001، أضعف موقفه بأسلوب حياته المسرف الذي اعتبر غير مناسب لزعيم لحزب العمل. في هذه الأثناء، تمكنت تسيبي ليفني، وزيرة خارجية أولمرت وخليفته في رئاسة كاديما، من إلحاق الهزيمة فعلاً بنتنياهو والليكود في انتخابات عام 2009، حيث فازت بـ 28 مقعداً مقابل 27 لليكود. لكنها عجزت عن بناء تحالف واسع يكفي لتشكيل الحكومة القادمة، بينما دمر ضعفها اللاحق حين تزعمت المعارضة جاذبيتها الشعبية.  

  يحاول بينيت الآن الظهور بمظهر النسخة الأكثر شباباً وشعبوية من معلمه السابق. وهو يتمتع دون ريب بشخصية كاريزمية آسرة وبشعبية متزايدة. لكنه يقود حزباً صغيراً محدود القاعدة لا يمكن أن يفوز بالانتخابات إلا إذا اتحد مع الليكود. نير بركات، رئيس بلدية القدس اليميني، رجل أعمال آخر نشط سابقاً في مجال التقانة المتقدمة، ولديه مطامح وطنية. لكنه يفتقد الشخصية الكاريزمية ولا يعرفه الجمهور خارج حدود المدينة. وربما يكون أقوى متحد لنتنياهو حالياً هو لابيد، الصحفي السابق، ومقدم البرامج التلفزيونية، الذي أسس حزب الوسط “يش عتيد” عام 2012 وحقق انتصاراً مشهوداً في انتخابات عام 2013، حيث فاز بثاني أكبر عدد من المقاعد في الكنيست. انضم لابيد إلى حكومة نتنياهو بعد أن أجبر، مع بينيت، رئيس الوزراء على إبعاد الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة. لكن “بيبي” فاقه في الذكاء والدهاء، وسرعان ما دفعه إلى وزارة المالية –المقبرة الراسخة للسياسيين الطموحين، لأنها تشمل غالباً اتخاذ إجراءات لا تحظى بالشعبية، مثل زيادة الضرائب وتخفيض التعويضات. لم يحقق لابيد إنجازاً يذكر في الوزارة، وفي عام 2015، بعد تنافس شرس مع هرتزوغ وحزب الاتحاد الصهيوني على الشريحة نفسها من الناخبين، خسر “يش عتيد” نصف مقاعده تقريباً. ومنذ ذلك الحين نجح في تحسين موقفه العام –تضع استطلاعات الشعبية الآن حزب “يش عتيد” في المرتبة الثانية بعد الليكود- عبر الظهور بمظهر المتدين الملتزم والمتشدد ضد الإرهاب. يعد لابيد معتدلاً (يؤيد قيام دولة فلسطينية ويعارض توسيع المستوطنات البعيدة في الضفة الغربية)، ومتفوقاً في الاتصال والتواصل، وقارئاً متمرساً لمشاعر الجمهور وعواطفه. لكنه مفرط في الحساسية -يبالغ في ردة الفعل حين يتعرض للنقد- ويفتقد التجربة والخبرة في المجال الأمني، وهي نقيصة تشكل عقبة هائلة للسياسي في إسرائيل.

  لكن ذلك كله لا يعني أن نتنياهو منيع يتعذر إسقاطه. في مارس، نشرت “هارتس” استطلاعاً أظهر أن حزباً “خيالياً” جديداً ينتمي إلى الوسط ويتزعمه غابي أشكنازي (رئيس سابق لهيئة الأركان يحظى بشعبية كبيرة)، وكاهلون، وسار، سوف يهزم الليكود إذا جرت الانتخابات غداً. لكن لو بقي الائتلاف صامداً، لن تحتاج الحكومة إلى الدعوة إلى انتخابات جديدة حتى نوفمبر 2019، والحزب الذي لا وجود له يبقى تصوراً خيالياً صعب التحقق. في هذه الأثناء، يستمر نتنياهو في المناورة. فقد حاول إقناع الأحزاب اليمينية الصغيرة بتشكيل حزب جديد كبير وعريض مع الليكود (لكن لم يظهر أي منها إلى الآن اهتماماً يذكر). وفي الربيع الماضي، عقد مفاوضات مع هرتزوع حول تشكيل ائتلاف موحد، ليتراجع في آخر لحظة ويعرض على حليفه السابق، ليبرمان، منصب وزير الدفاع. ومع دخول ليبرمان إلى الحكومة، سوف يحظى الائتلاف الحاكم –الأكثر يمينية من ذي قبل- بقاعدة برلمانية أوسع وفسحة أكبر للتنفس.

  وحتى موعد الانتخابات القادمة، ستواصل حكومة نتنياهو محاولة تثبيت أكبر عدد ممكن من التغييرات في المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الإسرائيلية. وسوف يضغط رئيس الوزراء وحلفاؤه لتعيين مزيد من المحافظين في المحكمة العليا ومزيد من الصهيونيين المتدينين في المناصب الحكومية والأكاديمية المهمة. وسوف يبقون على دعمهم لثقافة المزراحيم والمستوطنات في الضفة الغربية، ويفرضون مزيداً من القيود على المنظمات اليسارية، ويعملون على تأجيج التوترات مع عرب إسرائيل.

  وبغض النظر عمن يفوز في الانتخابات القادمة، يبدو من المرجح أن بعضاً من هذه التغييرات على الأقل سوف يتجذر ويترسخ ويدوم. لقد أصبحت البلاد منذ الآن أقل تسامحاً وانفتاحاً على الحوار مقارنة بحالها سابقاً. تراجع معسكر السلام وانحسر تأثيره، ولم يعد يتحدى الاحتلال فعلاً سوى قلة قلية من الناشطين. أما العلاقات العربية-اليهودية فقد ساءت إلى حد أنها تتطلب قيادة متفوقة وجهداً هائلاً لتصحيحها. في هذه الأثناء، عزز تراجع الدور الأمريكي الإحساس السائد لدى كثير من الإسرائيليين بإمكانية الاعتماد على الذات وعدم الحاجة إلى السعي لإرضاء واشنطن. يصعب حقاً معرفة كيف سيتمكن رئيس وزراء إسرائيلي جديد –أو رئيس أمريكي جديد- من التعامل مع كثير من هذه التغييرات وعكس تأثيرها ومسارها.