هل من طريق ثالث بين أتاتورك والخميني؟

باحث في الاجتماع السياسي

28 أبريل , 2015 الشرق الأوسط, تركيا


بسقوط الدولة العثمانية في 1922 ميلادياً ثم إلغاء الخلافة في 1924 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين السلطة الحاكمة وبين الإسلام كدين يعتنقه أغلبية المجتمعات في القوميات الثلاث التي تُعتبر القلبَ الجغرافي والثقافي للأمة الإسلامية العريضة؛ وهي القوميات العربية، والتركية، والفارسية/الإيرانية. ففي الوقت الذي أسس فيه مصطفى كمال أتاتورك دولته اللائكية النازعة إلى فرض العلمنة ومكافحة مظاهر الدين في المجال العام السياسي والاجتماعي، كان رضا بهلوي متجهاً إلى عزل أحمد مرزا القاجاري ليحل محله شاهاً على إيران عام 1925 ويخطو على درب أتاتورك نحو علمنة بلاد فارس التي غير اسمها رسمياً إلى إيران. أما في العالم العربي فقد كان إلغاء رابطة الخلافة الدافعَ الأساسيَّ المحرك لطالب كلية دار العلوم الشاب حسن البنا نحو تأسيس جماعة الإخوان المسلمين الوليدة على ضفاف قناة السويس في مدينة الإسماعيلية عام 1928، طامحاً إلى استعادة الخلافة ثم ما أسماه “أستاذية العالم”، وذلك بعد الوصول من الفرد المسلم والمجتمع المسلم إلى الحكومة المسلمة والدولة المسلمة (البنا -199). وهو الوقت الذي كانت تشهد فيه مصر وبلاد الشام تفاعلات قومية علمانية ويسارية وليبرالية شديدة على مستوى النخب السياسية والثقافية، مع تراجع كبير لعلماء الدين عن تصدر المشهد كفئة أو طبقة فاعلة سياسياً، باستثناء القدرة التعبوية للأزهر الشريف في القضايا الوطنية، لا الحزبية.

وبسبب التأخر النسبي في موجة الانقلابات العسكرية العلمانية في الدول العربية عن نظيرتها في إيران وتركيا، فإن السبق في بروز ما تمت تسميته لاحقاً بحركات الإسلام السياسي أو الأيديولوجيا الإسلاموية كان من نصيب الإخوان المسلمين في مصر، ثم الشام واليمن. ما لبثت أغلب الجمهوريات العربية بعدها أن دخلت في طورٍ من العلمنة القومية العسكرية، متلازماً مع التحرر من الاستعمار، أو الثورة على نظم الحكم الملكية، أو كليهما. ورغم ذلك، فإن تأخر الانقلابات العسكرية في الجمهوريات العربية عن تركيا وإيران لم يمنع السلطة السياسية في مصر (القصر والاحتلال) من اغتيال مؤسس الإسلاموية السنية عام 1949 لمزيج من الأسباب السياسية الداخلية والإقليمية.

وبقيام الانقلاب العسكري لحركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، ثم استيلاء جمال عبد الناصر على الحكم وإبعاد محمد نجيب عام 1954، دخلت مصر طور العلمنة القومية العروبية تلتها بعض الجمهوريات العربية، وإن لم ترتبط العلمنة العسكرية بالعروبية البعثية أو الناصرية في تونس. لكن النتيجة أمست تساوي مواقف السلطة السياسية من دين الأغلبية المسلمة في جمهوريات القوميات الثلاث الرئيسة في الأمة الإسلامية، وتعرض الإسلامويون الطامحون لتحكيم الشريعة لصنوف عدة من القهر والقمع والمطاردة والنفي. ففي الفترة التي سجن فيها عشرات الآلاف من الإخوان المسلمين في مصر في سجون عبد الناصر وهرب آلاف آخرون خارج البلاد، وتم إعدام عبد القادر عودة وسيد قطب كان قبر بديع الزمان سعيد النورسي يُهدم بعد أربعة شهور من وفاته عام 1960 لينقل رفات جثمانه إلى مكان مجهول، بعد حياة حافلة قضى منها ربع قرن منفياً على يد النظام العسكري الأتاتوركي اللائكي. وهي الفترة التي شهدت بروز نجم آية الله الخميني كمعارض سياسي يتم سجنه ثم نفيه خارج البلاد بسبب معارضته لسياسات الشاه محمد رضا بهلوي التغريبية وتبنيه لمقولة جلال آل أحمد عن وباء الحضارة الغربية.

لكن هذه التشابهات لم تستمر طويلاً، حيث فرضت الخصوصيات السوسيولوجية والاختلافات الجيوستراتيجية نفسها على التمايزات بين الأمم الثلاث في مساراتها عبر العقود التالية. فالنظام الأتاتوركي كان الأكثر رسوخاً وقدرةً على البقاء وتجديد مكامن القوة المؤسسية والدستورية، فظل الجيش والقضاء التركيّان حارسيْن للائكية النظام وقادريْن على استئصال كل من يهدد هذه اللائكية حتى نهاية القرن العشرين. أما النظام البهلوي فقد تهاوى سريعاً تحت وطأة الفشل الاقتصادي والعداء مع الثقافة الدينية الشعبية وتهديد مراكز القوة المالية لرجال الدين الشيعة، فضلاً عن دعمه لدولة الاحتلال الصهيوني، واعتباره حاكماً عميلاً أزاح رئيساً وطنياً – وهو محمد مصدق الذي حكم إيران بين عامي 1951 و1953 – بانقلاب مضاد عليه بمساعدة قوى الإمبريالية الأمريكية والبريطانية الرافضة لقرار الأخير تأميم النفط. وفي العام الذي قامت فيه الثورة الإسلامية الإيرانية كان المشروع القومي العربي قد تقهقر إلى أسوأ أوضاعه بتوقيع الرئيس أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل، محدثاً الشرخ العربي الأكبر الذي هدد استمرار جامعة الدول العربية. وهي الفترة ذاتها التي شهدت صحوة الإسلاموية في مصر وسائر الجمهوريات العربية حتى مطلع القرن الجديد، دون أن تصل إلى الحكم إلا في الجزائر على حين غفلة من الزمن في مطلع التسعينيات.

وحتى اندلاع ثورات الربيع العربي قدمت كلاً من إيران بأنموذجها الثيوقراطي الخميني وتركيا بنظامها اللائكي الأتاتوركي – الجاري تخفيف حدته على يد حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 2002 – أطروحتين متباينتين، لكنهما متماسكتان، لطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية ودين الأغلبية المسلمة، في حين لم تقدم الجمهوريات العربية أطروحة متماسكة لشكل هذه العلاقة. فقد سارت كل جمهورية عربية في طريق مغاير عن نظيرتها وصنعت أسلوبها الخاص الذي لم يتخذ موقفاً واضحاً من الإسلام كدين، وإنما تعاملت معه جميعها كخطر أيديولوجي يمكن أن يحشد الجماهير ويعبئها ضدها. فإذا كان نظام الثورة الإيرانية يقدم نفسه كحارس للدين ومطبق له – ممثلاً في ولاية الفقيه – في مقابل النظام الأتاتوركي اللائكي الحارس للعلمانية القسرية، فإن الأنظمة في الجمهوريات العربية لم يكن ولاؤها إلا لتكريس البقاء الاستبدادي في السلطة، ولم يكن عداؤها إلا لكل خطر شعبي محتمل ضد عروشها. وفي سبيل ذلك، صار لكل جمهورية طريقتها في احتواء علماء الدين وملاحقة الحركات الاجتماعية السياسية التي تعبئ الجماهير بخطاب ديني، مع عدم إغفال عداء هذه الأنظمة للتيارات الأخرى الجادة في معارضتها من اليساريين والليبراليين والقوميين.

ولعل هذه العلاقة غير اللائكية وغير الثيوقراطية التي كانت بين أنظمة الجمهوريات العربية قبل الربيع العربي وبين الإسلام كدين استندت إليه الأيديولوجيا الإسلاموية هي التي أتت بثورات متجاوزة تصنيفات الاستقطاب الإسلاموي العلماني، وهو ما حدا بعض الباحثين لوصفها بأنها ثورات ما بعد إسلاموية Post-Islamist Revolutions (Bayat 2011; Roy 2011). وتحاول هذه الورقة رسم طريق ثالث بين التجربة اللائكية الأتاتوركية في تركيا وبين الثيوقراطية الخمينية في إيران بهدف إيجاد موازنة بين كفاءة الدولة في القيام بمهامها وبين حفظ حقوق الأفراد والجموع في المجتمعات العربية المتدينة ذات الأغلبية المسلمة. فإن كانت الثيوقراطية الشيعية قد قامت على بلورة نظرية ولاية الفقيه على يد آية الله الخميني، واللائكية الأتاتوركية قد أرسى دعائمها مصطفى كمال أتاتورك وأذكّاها خليفته عصمت إينونو، فإن رسم الطريق الثالث بين النقيضين قد يقوم مسترشداً بتنظير عبد الوهاب المسيري حول العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، وتأصيل الشيخ محمد الغزالي لموقف الإسلام الرافض للاستبداد السياسي، وتحليل لرؤية راشد الغنوشي لضرورة العمل الوطني بين الإسلامويين والعلمانيين – وخاصةً اليسار الوطني.

تطمح هذه الورقة إلى الإسهام في تقديم حل وسط للاستقطاب الإسلاموي العلماني في مصر ودول الربيع العربي دون افتراض أن الإسلام بطبيعته غير ديمقراطي، فبالتالي لا أبحث عن توفيق/تلفيق بين الإسلام والديمقراطية، ولا أسعى من أجل “جَعْل الإسلام ديمقراطياً” كما هو عنوان أحد كتب آصف بيات (Bayat 2009)، بل أزعم أن تفسيرات البشر للإسلام عموماً وممارسات المسلمين خصوصاً، قد تقدم قراءة ديمقراطية للإسلام أو العكس تماماً. ومن ناحية أخرى، تتجنب الورقة الخوض الفلسفي حول خيرية الديمقراطية أو مدى مثالية العمليات الديمقراطية الإجرائية أو زيفها في كثير من الدول المصنفة أنها ديمقراطية، بل تنطلق من مسلمات أساسيىة كرفض الاستبداد بالرأي والحكم، وحق الأفراد في الاختيار والناس في حكم أنفسهم مهما كان التنوع بينهم، وكذلك مسلمات حقوقية مثل حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر ونشر التعاليم الدينية، وذلك من أجل وضع مقاربة بين الاحتياجات الدينية للمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة والدور السياسي للدولة. وقد قدمت مسودة هذه الورقة ضمن أعمال المؤتمر العربي التركي الثالث للعلوم الاجتماعية، الذي انعقد في مايو 2013 بمدينة إسطنبول في تركيا تحت عنوان “مستقبل علاقة الدولة بدين الأغلبية المسلمة بين اللائكية والثيوقراطية”

لتحميل الدراسة كاملة

pdf-icon2