واشنطن الجديدة ونزاعات العالم العربي

باحث تسوية النزاعات الدولية جامعة جورج ميسن في واشنطن

22 مايو , 2014 أمريكا, الشرق الأوسط


تبدو اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تراجعه عن توجيه ضربة جوية للنظام السوري ومضيه قدما في اتفاق مع روسيا يقضي بتفكيك ترسانة سوريا من الأسلحة الكيمياوية، تبدو تلك اللحظة فارقة بامتياز. المفارقة لاتكمن في أهمية مثل هذه الضربة من عدمها وإنما في تلويح الولايات المتحدة باستخدام القوة بشكل صريح للمرة الأولى بعد حرب العراق ثم التراجع عن ذلك على حساب الدبلوماسية التي من المعروف أنها تفضي في النهاية إلى حالة من الجمود بين مد التصعيد وجزره. ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي تعول فيها السياسة الخارجية الأميركية على حسم موقفها إزاء صراع يبدو معقدا، فقد أفضت سياسة أوباما في نهاية المطاف إلى اتفاق على تفكيك برنامج إيران النووي أو تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى المعدل الذي لا يسمح بتطويرها سلاحا نوويا كانت آخر نتائجه المضي قدما في تسوية أزمة مفاعل أراك بإعادة تصميم قلب المفاعل بما يقلل نسبة إنتاج البلوتونيوم إلى الخمس. فهل تجنح السياسة الخارجية الأميركية في عصر النزاعات نحو التهدئة والتسوية الدبلوماسية حتى لو لم يفض ذلك إلى تحقيق جُلِّ مكاسبها من وراء ذلك؟

 واشنطن مع مَن؟

 يبدو السؤال عن ماهية السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط محيرا إلى الدرجة التي لا يصلح معها أن تحصل على إجابة واضحة قاطعة، غير أن قاعدة أساسية فى السياسة الأمريكية يمكنها أن تضعنا على الأقل على الطريق نحو تفسير التعاطي الأمريكي مع الشرق الأوسط وما يمر به بشكل عام ومع ما يجرى في مصر وسوريا على وجه الخصوص، هذه القاعدة هي، «Who Consolidate Power Deserve Support» وتعني أن من سيمتلك مفاتيح القوة يستحق أن ندعمه.

 مطلع هذا العام وقف نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أمام تجمع لرجال الأعمال ومديري البنوك حول العالم في واشنطن، وتحدث عما سماه «النظام العالمي الجديد وفق النفوذ الاقتصادي» ويقضي حديث بايدن بضرورة التوجه جديا نحو تفعيل السياسة الخارجية الأمريكية وفق المصالح الاقتصادية دون الدخول في صراعات سياسية قائمة؛ سوى بالقدر الذى يسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بنفوذها السياسي ومصالحها الاستراتيجية في هذه المناطق، كحفاظها على أمن إسرائيل في الشرق الأوسط على سبيل المثال. وهنا تبرز فكرة طرحت كثيرا في أوساط صناع السياسة الخارجية الأمريكية داخل الكونجرس عما يسمى «دبلوماسية الطائرات بدون طيار» أي دعم الحلفاء في المنطقة للتعامل مع ما يجرى من تطورات بما في ذلك تداعيات «الربيع العربي» دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة تماما كما تفعل الغارات التي تشنها الولايات المتحدة عبر الطائرات بدون طيار. وهذا ما يمكن أن نفهم من خلاله إشراك الولايات المتحدة لحليفها الأوروبي في أزمة مصر في بداياتها دون تدخل مباشر في الوساطة بين طرفي النزاع قبيل فض اعتصامي رابعة والنهضة.

 أصبحت الولايات المتحدة تدرك أن المهم في الحروب هو كيف تنتهي لا كيف تبدأ؟ فقد دخلت في حروب عديدة استطاع الرؤساء في كل عصر من عصورها على حدة أن يحصل على دعم شعبي كاف مكنه من خوضها، لكن النتائج لم تكن محمودة، لا على المستوى الإقليمي من حيث تشكيل القوى الإقليمية الجديدة، ولا من حيث تحقيق الهدف المعلن وغير المعلن منها، وإن شئت خذ حرب العراق مثالا صريحا على ذلك. وقد أصدر مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الأميركي  CSIS  قبل شهر بحثا مطولا عن الدبلوماسية والحروب الباردة، هو خلاصة مجموعة أبحاث أشرف عليها وزير الخارجية السابق، هنري كسينجر، الخلاصة أن الخيار العسكري يؤدي إلى حرب باردة جديدة، وأن على الولايات المتحدة التوقف عن اعتبار أنها من الممكن أن تخضع الأخرين لقواعدها، مع الإقرار بأن فهم التاريخ ليس نقطة قوة لصانعي السياسة الخارجية الأميركيين إذ أنه قد يذهب بهم أحيانا للقراءة من قاموس الواقع القديم لعلاقة الولايات المتحدة مع روسيا والشرق الأوسط والذي يحمل مصطلحات من قبيل “شرطي العالم”، “قوة الردع”، إذ أن على واشنطن التسليم بأن الشرق الأوسط لم يعد كما كان وأن موسكو لم تعد منكبة داخليا على أزماتها الاقتصادية وأن هذين التصورين الجديدين يتطلبان تصورا مختلفا يتسم بالديناميكية والتطور ولا يستخدم هذه المصطلحات القديمة.

وتبدو هذه الصيغة الجديدة لتعاطي واشنطن مع العالم غير متوافرة بعد، ويجري البحث عن أكثر أشكالها نفعاً من قبل الساسة في واشنطن، مع ما يستغرق ذلك من جهد وتكلفة، فيما يتوقع أن تستغل روسيا هذا الوقت للإمعان في تحسين مواقعها على الأرض، قبل أن تخلق الولايات المتحدة هيكلية رادعة جديدة لا تعتمد على سياسة الخط الأحمر.

 وأمام كل هذا فإن الركون إلى محاولة الإجابة عن تساؤل ” واشنطن مع من؟ ” في تقييم التعاطي مع القضايا الإقليمية وصراعات الشرق الأوسط، سيكون من قبيل الحرث في الماء. فليس ثمة جواب محدد يمكن أن يصلح مع هذا السؤال، لا في النزاع السوري الذي يثار فيه التساؤل “هل تريد واشنطن حقا أن يسقط الأسد؟” ولا في النزاع المصري الذي يثار فيه تساؤل “هل تسمي واشنطن ما جرى انقلابا؟”. فبدلا من الوقوف أمام هذه الأسئلة علينا أن نفهم أن السياسة الخارجية هي فن تحديد الأولويات وفي بعض الأحيان لا يقف عامل واحد كأداة لحسم معاركها، وواشنطن أصبحت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن عليها التوقف عن البحث عن دعم الحلفاء في المنطقة والاتجاه مباشرة لتسوية القضايا العالقة التي تؤثر مباشرة على حليفها الاستراتيجي اسرائيل، مع القبول باستمرار النزاعات الأخرى التي لا تؤثر مباشرة على مصالحها حتى وإن كان لها تأثيرها الممتد على الإقليم برمته.

 حروب التغيير

 أكثر المتفائلين في الشرق الأوسط لم يكن ليتوقع أن نداءات التغيير لأنظمة دكتاتورية استمرت لعقود ستكون بهذه الطريقة التي انتهجت السلمية أداة أولى. بيد أن الواقع الإقليمي فرض عليها أن تجنح إلى نزاعات مسلحة كما جرى في سوريا أو مواجهة قمع ممنهج كما جرى في مصر. واشنطن تدرك من أعوام أن لحظة التغيير في الشرق الأوسط آتية وإن لم تكن متوقعة بالقدر الكافي، فلم يكن يعلم أحد أن بائعا جائلا في تونس يشعل النار في نفسه اعتراضا يمكنه أن يمثل المحفز على امتداد نداءات التغيير على ساحل المتوسط.

 في بحث كتبه في العام 1936 الباحث الاجتماعي مورو بيرجر، بعنوان العالم العربي اليوم، أوضح الرجل أن أكثر ما يجعل الشرق الأوسط عامة والدول العربية خاصة، كتابا مفتوحا أمام من يحاول أن يقرأه هو ثبات أنظمتها الاجتماعية والسياسية ومرورها بلحظات تغيير غير مكتملة على مر التاريخ. بيرجرأوضح أن بنية المجتمعات العربية لم تتأثر كثيرا بموجات النزوح في المنطقة ولا بحملات الامبراطوريات. فكل دولة عربية على حدة تتعايش مع أزماتها دون علاج، حتى أضحت كل منها مشروع نزاع قائمًا ينتظر ما يؤججه. ويضرب برجر مثالا بالعراق ولبنان التي تعيش كل منها أزمة طائفية كامنة، وبمصر وسوريا اللتين تعيشان أزمة تغول السلطة العسكرية بعد الملكيات.

 ومن هنا فإن السياسة الخارجية الأميركية لا تتجه إلى استباق وقوع كل هذه الأزمات وإن انفجرت دفعة واحدة وإنما إلى اتباع سياسة “تجميد الصورة” أو “PAUSE” عبر تسكين الصراعات عقب حدوثها ودون حسمها، ومحاولة التوصل لتسوية حتى ولو كانت غير فعالة على المدى الطويل كما حدث مع الأسلحة الكيميائية السورية. التي مثّل التعاطي الأميركي معها نوعا من تسكين الصراع والخروج بمكسب على المدى القصير وهو نزع السلاح الكيميائي السوري الذي يمثل خطرا على إسرائيل حتى وإن كان ذلك بمثابة مد أجل النظام السوري وإقصاء لطرح التدخل الإنساني الذي اعتادت الولايات المتحدة التلويح به، والذي أصبح اليوم في سوريا خارج دائرة النقاش الدولي بعد أن تمت مقايضته بتحقيق هدف على المدى القصير، وهو نزع السلاح الكيميائي السوري.

 تدرك واشنطن أن التدخل لحماية الشعوب غدا طرحا له ما بعده من التكلفة الباهظة، لذا فهي تنتبه كثيرا حين تلوح به وتصر على أن يحصل على تفويض من الأمم المتحدة قبل تحقيقه. فالتدخل الإنساني وفق مفردات السياسة الخارجية الأميركية يذيب جليد العلاقة مع أندادها في المنطقة وفي مقدمتهم روسيا، وهو ما يخلط أوراق صراعها الاقتصادي في آسيا بالصراع العسكري لتصبح معركتها خاسرة، وهو ما يفهم من خلاله تهدئة واشنطن لأزمة الدرع الصاروخية مع روسيا مؤخرا.

 واشنطن والديمقراطية الأوكرانية!

 تمثل الأزمة الأوكرانية برهانا واضحا على أن حسم موقف واشنطن تجاه مايجري من صراعات مرتبط بحجم ما سيحققه هذا الحسم من مكاسب إقليمية. فالاحتجاجات الأوكرانية التي تجسد فيها الصدام بين روسيا والولايات المتحدة ترسم بصورة واضحة معادلة السياسة الخارجية الأميركية في تعاطيها مع الأزمات الطارئة. فأوكرانيا تمثل بالنسبة للولايات فرض المزيد من الحصار على موسكو وكسب أرض جديدة قد ترسو يوما عليها قواعدها العسكرية بالمنطقة. أما أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا تكمن في أنها دولة عازلة قادرة على صد توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه روسيا كما تطل على موانئ المياه الدافئة في شبه جزيرة القرم التي تستضيف الأسطول الروسي، وبالتالي تعد أوكرانيا منطقة حيوية من أجل الحفاظ على وجود البحرية الروسية في البحر الأسود. وهو ما جعل روسيا تستغل كونها البلد المصدر الأكبر للغاز في أوكرانيا للضغط وترجيح كفتها. لكن واشنطن قدمت مساعدات مالية عاجلة تريد من ورائها الحفاظ على علاقات قوية مع النظام الناشئ فيها وبغض النظر عن ضم القرم لروسيا، فإن واشنطن تريد أن تحقق ولو أقل المكاسب في معارك بدون حروب.

 بيد أن ما تخفق في إنجازه المعارك بدون الجيوش هو تحقيق إنجاز مباشر “كش ملك” ويغدو الأمر مجرد إرساء وضع جديد قد يمثل تحقيقا لهدف استراتيجي في المستقبل البعيد. ومن هنا فإن واشنطن تعي أن معارك النفس الطويل في السياسة الخارجية الأميركية وإن كانت غير حاسمة من جهة الوقت فإنها تجنب الولايات المتحدة أعباء وتكاليف باهظة قد لاتنجز في نهاية المطاف ما يمكن إنجازه عبر الدبلوماسية في نزاعات معقدة.

 سياسة خارجية لأهداف غير أمنية

 تكمن مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية، التي تم تأسيسها خلال أكثر من نصف قرن في الأهداف الأمنية الأساسية، وهي: منع أي قوة ناشئة في المنطقة من الصعود، وضمان التدفق الحر لموارد الطاقة، ومحاولة التوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل وجيرانها بما في ذلك تسوية القضية الفلسطينية.

 فالولايات المتحدة أصبحت تتعاطى مع الربيع العربي باعتباره يعكس إلى حد كبير الصراع بين السنة والشيعة، الذى يرجع إلى آلاف الأعوام، ومن هنا فإنها تتحرك سريعا لتسوية القضايا التي ترتبط بالأمن القومي الأميركي مباشرة كأزمة ملف ايران النووي حتى وإن أثار حفيظة حلفاء لها في المنطقة، مع مراقبة الوضع في النزاع السوري من بعيد وباطمئنان إلى أن الصراع السني الشيعي سيحتم على دول العمل دعم قوى المعارضة أمام دعم إيران للنظام السوري.

 وفى ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة فإن الولايات المتحدة التي تتحدث عن أهمية تعزيز القيم الإنسانية والديمقراطية، أصبحت تربط ذلك بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي.