السياسة الخارجية العربية في ضوء الربيع الديمقراطي

2014-08-18
السياسة الخارجية العربية في ضوء الربيع الديمقراطي

صراع الريع والديمقراطية

يلاحظ المتتبع للشأن العربي خلال فصل «الربيع الديمقراطي» تمايزا واضحا بين عنوانين للسياسة الخارجية بالعالم العربي، آخذَين في التطور والتبلور مع مرور الوقت، وهما: السياسة الخارجية الريعية، والسياسة الخارجية الديمقراطية.

إن هذين المفهومين/العنوانين من بنات الفكر النوعية التي تحتاج إلى تطوير وإيضاح، وهو ما سنحاول القيام به في هذه المقالة القصيرة، متخذين منها فرضية مرجعية لتصنيف وتفسير تباينات الموقف الدبلوماسي العربي في زمن الحراك الديمقراطي. فلا يمكن – أبدا – قراءة تطورات السياسة الخارجية للدول العربية في علاقتها بالشعوب، بنفس مفاهيم ما قبل الربيع الديمقراطي. ونعتقد أن هذا العمل حيوي في سياق المواكبة التنظيرية للربيع العربي بشكل عام، ولواقع الدبلوماسية العربية في هذا الظرف بشكل خاص.

 

بين مفهومين سياسيين: السياسات والتجليات

 

فالسياسة الخارجية الريعية، هي السياسة التي تقودها دول محور الاستبداد، و تستمد وصفها من جهة من طريقة تصرف الحاكم في الشأن الدبلوماسي وكأنه شأن خاص، ومن جهة ثانية من استئثاره بفضلها وعائدها دون سائر الناس، أو بعبارة أخرى أقرب للأذهان هي سياسة توظف الإمكان العمومي البشري والاقتصادي…، من أجل الحاكم، ومن أجل استمراره في الحكم، وكأن هذا الإمكان ملك خاص له، وتحضر المصالح العامة في هذا النوع من السياسة حضور الهامش على المتن، ففي حالة أي تعارض أو تنافس بين الصالح العام وصالح الحاكم، تكون الأولوية – دائما – لصالح الحاكم.

أما السياسة الخارجية الديمقراطية؛ فهي عكس ذلك تماما، تقودها دول المحور الديمقراطي، وتتوخى خدمة الشعوب، وتوظف من أجل ذلك الإمكان العمومي البشري والاقتصادي والسياسي..، وترتفع قيمة أسهم الحاكم في بورصة السياسة في الدول الديمقراطية بحسب حجم الخدمات والمصالح التي يجلبها لشعبه، ومن ثم فالسياسة الخارجية الديمقراطية هي سياسة للشعب ومن أجله، وليست سياسة للحاكم كما هو الحال مع الريع.

***

 

الربيع العربي وإعادة تشكل المحاور

 

لقد انقسم العالم العربي في سياق الربيع العربي إلى محورين رئيسين: المحور الديمقراطي، الذي يضم مجموعة دول الربيع العربي وداعميها؛ ومحور دول الاستبداد، الذي يضم الدول غير الديمقراطية، ويعمل كل محور على تحقيق مصالحه الحيوية المرتبطة بالأمن، والاستقرار السياسي، والتنمية، والأمن العربي… إلخ، من منظور مختلف، إن لم نقل متعارض.

إن الظروف والتقلبات التي مرت بها الدبلوماسية العربية خلال الأربع سنوات الماضية تقدم لنا مثالا واقعيا وملموسا عن انقسام الفعل الدبلوماسي العربي بين الريعي/ الاستبدادي وبين الديمقراطي، ولمعاينة هذا الانقسام تكفي مراجعة بعض المواقف الصادرة عن دول محسوبة على هذين المحورين.

فعلى سبيل المثال وقفت بعض دول الخليج في وجه الثورة اليمنية، وتدخلت في مسارها من خلال المبادرة الخليجية، ومن ثم حالت دون تحقيق ثورة الشباب الكثير من مطالبها؛ وتدخلت – أيضا – عسكريا في البحرين رافضة أي انفتاح ديمقراطي في هذا البلد؛ وأيدت انقلاب 30 يونيو بمصر للغرض نفسه.. إلخ، ولعل ما يفسر مواقف هذه الدول في هذه الظرفية هو خوفها من انتقال عدوى «الثورة» إليها، التي قد يحرض عليها نجاح النموذج السياسي الديمقراطي الذي جاءت به ثورة الشعوب على حدودها غربا وشرقا وجنوبا.

أما المثال الثاني فتقدمه الجمهورية التونسية، التي لم تتردد في دعم الثورة الليبية بأشكال مختلفة، وعلى رأسها الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي مبكرا، وغض الطرف عن النشاط الداعم للثورة الليبية بداخلها؛ وطرد السفير السوري تعبيرا عن دعم الثورة السورية؛ والاهتمام بالعلاقة مع الشرق وتعزيزها خلافا لدبلوماسية بن علي التي كانت متوجهة بصورة شبه كلية إلى الغرب؛ ورفض انقلاب 30 يونيو بمصر؛ والوقوف إلى جانب غزة أثناء الحرب الإسرائيلية.. إلخ، ولعل ما يفسر هذا المسار الذي سارت فيه السياسة الخارجية التونسية هو الشرعية الجديدة التي يستند إليها النظام الجديد، وسعيها للتطابق مع توجهات الرأي العام التونسي.

انقسامات سياسية أم افتراقات جذرية؟

ومن ثم، إن الانقسام الدبلوماسي الطارئ على العالم العربي في ظل «الربيع» والاصطفافات الناشئة عنه ليست من صنف الانقسامات التي عاشتها الجماعة العربية في الماضي، والتي كانت تحيل على قضايا خارجية بشكل عام، بل انقسام يحيل على فسلفة الحكم وطبيعته، الشيء الذي جعل المواقف الخارجية لكلا الطرفين وكأنها موجهة بعضها ضد بعض. وقد أسهم هذا التطور في اتخاذ العلاقات العربية – العربية شيئا فشيئا شكلا عدائيا واضحا.

لقد أظهرت الأحداث على مدى أربع سنوات تقريبا أن دبلوماسية محور الاستبداد جعلت أحد أهدافها الاستراتيجية إجهاض الانتقال الديمقراطي في بلدان الربيع والحيلولة دون نجاحه، وذلك بالتنسيق مع الغرب وبرعايته، وقد ظهر هذا الأمر جليا في تدخلات هذا المحور في الشأن الداخلي لكل من مصر وتونس وليبيا، واليمن…، لأنه يرى في نجاح الانتقال الديمقراطي في أهم البلدان العربية نهاية وشيكة لاستئثاره بالسلطة، ومقدمة موضوعية لانهياره.

ومن ثم، فقد تشكل تحالف عربي غير معلن في السنتين الأخيرتين، كرس جهده الدبلوماسي لإفشال التجارب الديمقراطية الجنينية، وإعادة الأنظمة الشمولية للمنطقة، ولم يكن ممكنا لهذا التحالف أن ينجح في بعض مهامه لولا التواطؤ الدولي المفضوح، وخاصة تواطؤ الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا من ناحية، وعودة الحياة لخلايا الاستبداد النائمة (الدولة العميقة) في دول الانتقال الديمقراطي من ناحية ثانية.

***

 

مستقبل الانشقاقات والتحديات الواجبة

 

إن الشرخ الكبير الذي تعاني منه السياسات الخارجية العربية في هذه الأيام – في نظرنا – سيستمر في السنوات القليلة المقبلة، وسيستمر معه التباين في وجهات النظر العربية إلى القضايا الإقليمية والدولية، وقد يتطور الأمر إلى «أمتين» عربيتين، وسينعكس هذا الأمر على العلاقات البينية ومستوى التضامن العربي. والمستفيد الأكبر من هذا الانشقاق الدبلوماسي هو القوى الإقليمية والعالمية المتربصة بالعرب، والتي تركب ظهرهم لبلوغ سنام المجد، وعلى رأسها إيران وإسرائيل، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا.

وفي هذا السياق، وجب على ما تبقى من دول الربيع إيجاد حل للمعادلة الدبلوماسية التي يحددها المثلث التالي: الديمقراطية؛ والدولة العميقة؛ والمصالح الغربية، فلا يمكن تحقيق اختراقات دبلوماسية ذات بال، إذا لم تنجح هذه الدول في التوفيق بين تعارضات هذه المعادلة، فالاستناد – فقط – إلى الشرعية الديمقراطية والثقة بها في إدارة النشاط الدبلوماسي، دون أدنى اعتبار لبقايا الاستبداد والمصالح الأجنبية من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية.

وهكذا؛ فتناقض مرجعيات الدبلوماسية العربية الذي أمسى واضحا بعد ثورات الربيع العربي تجعلنا أمام صنفين من العمل الدبلوماسي العربي، صنف يجعل أولويته استمرار الحاكم في الحكم، ويسخر الدبلوماسية لهذا الغرض، وكل الهوامش الأخرى التي يفتحها، لا يجب – وفي أسوء الحالات – أن تعود سلبا على مكانة الحاكم وأريحيته في الحكم؛ وصنف ثاني يجعل أولويته الرئيسة خدمة المصالح العليا للوطن والأمة، وموقن أن فرصته في الاستمرار بالحكم مرتبطة بقدر المصالح التي جلبها، وإخلاصه للمبدأ الديمقراطي.

وإزاء هذا التناقض المرجعي، الذي ينعكس على درجة الثقة بين الأطراف العربية، ويسدل أمامنا ستارا أسودا، لا زالت أمام العرب أسباب وجيهة للتفاؤل بالمستقبل، وذلك في حالة توحد منطلقات وأهداف السياسة الخارجية العربية، أو تغير شكل إدراك الطرفين لبعضهما البعض. وأهم تطور مأمول على هذا الصعيد في المستقبل القريب، يتعلق بالشرط الثاني، أي تطور شكل إدراك القادة العرب للحراك الثوري من حيث أسبابه والظروف الداعية له.

إن ما لا تدركه الكثير من القيادات العربية أن دعاة الثورة ليسوا أشخاصا أجانب، متآمرين، أو نماذج سياسية ناجحة بالجوار، تذيع دليل الثورة، وجبت محاربتها، وإجهاض تجاربها، بل الدعاة الحقيقيون عناصر داخلية وظروف محلية، وعلى رأسها الظلم الواسع، والاستئثار بالسلطة والثروة، وإقصاء العموم من المشاركة في الحكم، فإذا نادى المنادي داخليا بالقيام ضد هذه الموبقات، وجاءها القدر، فلا راد لقدر الله.

إن هذا الإدراك، إذا وقر في الأذهان، وصدقه العمل، سيشجع الطرفين على التفاهم، والتعايش، وسيبدد الشكوك التي تحفر الخنادق بين الطرفين، ومن ثم سيسمح بظهور نوع من التعاون والتضامن، خاصة في بعض قضايا «المصير المشترك» عربيا، وإقليميا، ودوليا.

امحمد جبرون
امحمد جبرون
باحث وأكاديمي مغربي، يعنى بالتاريخ والفكر السياسي الإسلامي.