تشكّل أول دولة أوربية بغالبية مسلمة

2014-06-18
تشكّل أول دولة أوربية بغالبية مسلمة

تشكّل أول دولة أوربية بغالبية مسلمة
كاد أن يؤدي إلى حرب أوربية في 1912-1913

هذا هو العنوان الذي يمكن استخلاصه من كتاب غير مسبوق للمؤرخة الألبانية إيلينا كوساتشي ليفانتي “كيف خلقت النمسا والمجر الدولة الألبانية” الذي صدر في تيرانا 2012 (*)، حيث إنه يقدّم خلفية مختلفة عما اعتاد عليه الألبان في الكتب المدرسية عن نشوء دولتهم التي احتفلت مؤخرا بالذكرى المئوية لـ”الاستقلال” عن الدولة العثمانية. ففي هذا الكتاب يبدو السؤال مشروعا عن السبب الذي يدفع دولة كاثوليكية عريقة (امبراطورية النمسا والمجر) لجرّ أوروبا إلى حافة حرب شاملة بسبب إصرارها على تشكيل أول دولة أوربية بغالبية مسلمة (ألبانيا)،، وهي الحرب التي اندلعت على كل حال بعد سنة (1914) بين الأطراف التي كانت تتصارع حول ألبانيا خلال 1912-1913.

في مقدمة هذا الكتاب تنطلق المؤلفة من نقد مدرسة التاريخ الألبانية التي كانت تعظّم من دور الحركة القومية الألبانية وتنسب إليها الفضل في تشكّل ألبانيا المستقلة خلال 1912-1913،، على حين أن المؤلفة توضح أنه في ظروف تلك المرحلة لم يكن في الإمكان الاعتراف بأي تغير في “الوضع القائم” أو بتشكل دولة جديدة في أوروبا دون اتفاق الدول الست الكبرى (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا والنمسا- المجر) أو البديل: الحرب والانتصار وفرض الأمر الواقع،، وهو مابدا بشكل واضح في حالة ألبانيا 1912-1913 التي قادت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى في 1914.

ففيينا عاصمة امبراطورية النمسا والمجر أدركت في وقت مبكر أهمية إنشاء دولة ألبانية مستقلة لمصالحها الاستراتيجية في شبه جزيرة البلقان وليس حبا بالألبان،، وذلك لحفظ التوازن الاستراتيجي في المنطقة في ضوء التنافس بين المحور الروسي السلافي والمحور النمساوي الألماني. فقد كانت روسيا تعمل على دعم الدول السلافية الأرثوذكسية (بلغاريا وصربيا والجبل الأسود واليونان) على إنشاء تحالف للتخلص من الوجود العثماني في المنطقة بما يسمح من وصول روسيا إلى البحر الادرياتيكي الذي كان حكرا على الدولتين الكاثوليكيتين (النمسا وإيطاليا). ومن هنا كان النمسا ترى البديل في إنشاء دولة ألبانية تكون بمثابة الحاجز بين الاندفاع الروسي السلافي عبر البلقان والبحر الادرياتيكي.

ولكن المشكلة كانت في أن الألبان كانوا منقسمين إلى عشائر وأديان (75% من المسلمين و20% من الأرثوذكس و 10% من الكاثوليك) وكانت بعض قياداتهم التقليدية مخترقة من قبل الدول المعادية لهم (صربيا والجبل الأسود واليونان) التي كانت تمدّهم بالمال والسلاح حتى يثوروا ضد الدولة العثمانية لإضعاف الطرفين (الأتراك والألبان) حتى يسهل في لحظة مناسبة التخلص منهما معا. ومن هنا فقد عمدت فيينا إلى وسائل عديدة حيث شجعت الدراسات الألبانية فيها حتى أصبحت مركزا للمتخصصين أو “آباء الدراسات الألبانية” Albanology ونصحت الألبان بعدم التمرد على الحكم العثماني لأنه أضمن لوجودهم ومنحت بعثات دراسية للكثير من الشبان الألبان كما وعملت من خلال المدارس التي أنشأتها والصحف التي موّلتها في اللغة الألبانية على نشر الوعي القومي الذي يمهد للتفكير بكيان مستقل حينما يكون الوقت مناسبا لذلك.

وفي المقابل عملت فيينا من خلال علاقاتها الجيدة مع الدولة العثمانية على إقناع اسطنبول على منح الألبان نوعا من الحكم الذاتي لقطع الطريق على أعداء الطرفين (بلغاريا وصربيا والجبل الأسود واليونان) بتمويل وتحريض الثورات ضدهما،، وبالتالي اعتبار الحكم الذاتي للألبان هو لمصلحة الدولة العثمانية نفسها. وقد أثمرت هذه المحاولات لفيينا في موافقة اسطنبول في منتصف تشرين الأول (اكتوبر) 1912 على منح الألبان نوعا من الحكم الذاتي في الولايات الغربية الأربع التي يشكلون فيها غالبية (ولاية مناستير وولاية كوسوفا وولاية شكودرا وولاية يانينا) وأرسلت مبعوثا لها إلى هذه الولايات لتبليغ ذلك إلى القادة الألبان الذين اجتمعوا آنذلك في سكوبيه(عاصمة ولاية كوسوفا آنذاك) ووافق معظمهم على ذلك.

ولكن في الوقت الذي تم التوصل فيه إلى هذا الاتفاق الذي يوحي بمدّ عمر الدولة العثمانية في البلقان سارعت الدول البلقانية الأربع (صربيا وبلغاريا والجبل الأسود واليونان) بتحريض من روسيا على إعلان الحرب على الدولة العثمانية والتوغل بسرعة في أراضيها لفرض واقع جديد قبل أن تستفيق القوى الأوربية من المفاجأة. وهكذا على حين كانت القوات البلغارية تتقدم باتجاه اسطنبول كانت قوات صربيا والجبل الأسود واليونان قد سيطرت على معظم الأراضي التابعة للدولة العثمانية،، وبالذات على الولايات الأربع التي يشكل الألبان غالبية السكان فيها.

وفي هذه الحالة لم تكن امبراطورية النمسا والمجر لتستسلم بسهولة للأمر الواقع الجديد الذي أصبح يهدد وجودها. صحيح أن الدولة كانت تحمل اسم المكوّنين الرئيسين (الألمان والمجر) ولكن المكوّن الثالث (سلاف الجنوب أو اليوغسلاف) كانوا “عقب أخيل” هذه الدولة. فبلغراد كانت منذ 1844 قد وضعت استراتيجيتها لبعث “صربيا الكبرى” كما كانت عليه في القرون الوسطى،، ولكن هذه لم تكن تتحقق إلا بالتخلص من الحكم العثماني في الجنوب والحكم النمساوي في الشمال. ومع انهيار الحكم العثماني في البلقان نتيجة للحرب البلقانية الأولى في 1912 واجتياح صربيا لمناطق واسعة وصولا إلى ساحل البحر الادرياتيكي دق ناقوس الخطر في فيينا لأن بلغراد المنتشية بهذا النصر أصبحت الآن تنتظر استكمال “صربيا الكبرى” بضم التي تخضع للحكم النمساوي في البوسنة وكرواتيا وغيرها مما يجعل صربيا قوة كبرى منافسة للنمسا والمجر.

ومن هنا تحركت فيينا بكل قوتها الدبلوماسية والعسكرية لتحول دون وصول صربيا إلى البحر الادرياتيكي ولو اقتضى ذلك الدخول في حرب أوربية شاملة،، ولم يكن الحل سوى في انتزاع موافقة القوى الكبرى الست على إنشاء كيان ألباني مستقل يشكل حاجزا بين صربيا والبحر الادرياتيكي.

وهكذا عشية انعقاد مؤتمر لندن للقوى الست الكبرى للنظر في الواقع الجديد الذي تشكل على الأرض نتيجة للحرب البلقانية الكبرى كانت فيينا قد ضمنت موافقة روما على خلق كيان ألباني مستقل،، لأن روما كان يهمها أن يضم هذا الكيان الأقلية الكاثوليكية لضمان عدم ذوبانها فيما لو بقيت تحت حكم صربيا أو الجبل الأسود،، كما وضمنت عدم معارضة لندن ولكن المشكلة كانت في روسيا وحليفتها فرنسا وفي الدول المنتصرة التي أصبحت تسيطر على الأرض (صربيا والجبل الأسود). ففيما يتعلق ببلغراد التي كانت قواتها قد وصلت إلى شاطىء البحر الادرياتيكي كانت الحجة بمعارضة خلق كيان ألباني تقول على لسان رئيس الحكومة فلادان جورجفيتش إن ” وجود دولة مسلمة في أوربا سيكون إهانة لثقافة وأفكار أوروبا الحديثة”،، ولذلك فإن الحل هو في تقاسم صربيا واليونان لمناطق الألبان بما ينهي التنافس النمساوي – الإيطالي حول الكيان الألباني المقترح.

ولكن فيينا كانت تستعد في غضون ذلك لحرب فيما لو فشلت جهودها الدبلوماسية لضمان تشكيل كيان ألباني. ومع أن ضغوط فيينا القوية أثمرت في مؤتمر لندن في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1912 عن اعتراف أولي بكيان ألباني مستقل،، إلا أن المعركة الدبلوماسية تواصلت حول حدود هذا الكيان. فقد كانت فيينا تريد توسيع هذا الكيان ليضمّ كل الألبان ليكون لهذا الكيان أوسع عمق في الداخل الألباني،، بينما سعت روسيا إلى تحجيم هذا الكيان لكي لا يحول دون وصول حلفائها(صربيا والجبل الأسود) إلى البحر الادرياتيكي. ومع سيطرة القوات الصربية على ميناء دورس قامت فيينا باستنفار حوالي مليون جندي، ولذلك أدركت روسيا على لسان وزير خارجيتها سازنوف أن “صربيا تستفز بأي ثمن حربا أوربية وهي بذلك تقضي على دعم روسيا لها لأن روسيا لاترد مثل هذه الحرب”. وفي الواقع لم تكن روسيا مستعدة لحرب أوربية شاملة ولذلك ضغطت على بلغراد حتى تنسحب من الشاطىء وتقبل بسيطرتها على الداخل الألباني (ولاية كوسوفا)، وهو ماتم التوصل إليه أخيرا في 22 آذار/مارس 1913 لينزع فتيل صدام عسكري بين النمسا وصربيا.. ومن هنا حقّ لوزير الخارجية البريطاني إدوار غراي أن يقول في مجلس العموم بتاريخ 7 نيسان/أبريل 1913 إن اتفاق القوى الكبرى الست حول حدود الكيان الألباني الجديد يمثل “محطة مهمة بالنسبة للسلام في أوربا، وحسب رأيي فقد تحقق هذا في هذا الوقت للحقاظ على السلم بين القوى الكبرى، وهو مهم جدا بالنسبة للسلام في أوربا”.

ولكن خطر اندلاع حرب اقليمية تمتد إلى حرب أوربية بقي قائما بسبب الجبل الأسود.. فقد بقيت قوات الجبل الأسود تحاصر قلعة مدينة شكودرا Shkodra، أهم مدينة في الشمال ومركز الأقلية الكاثوليكية هناك، وهي التي كانت مرشحة لتكون عاصمة الكيان الألباني المقترح، ولذلك ضغطت القوى الأوربية الكبرى على الجبل الأسود لكي تسحب قواتها تفاديا لحرب لم تكن تلك الدول مستعدة لها بعد.. ولكن الجبل الأسود تجاهل ذلك وقام بالسيطرة على القلعة في 23 نيسان 1913 فانعقد “مجلس الحرب” في فيينا في اليوم ذاته لبحث اجتياح مملكة الجبل الأسود، كما إن مؤتمر لندن اجتمع أيضا في اليوم ذاته وطالب الجبل الأسود بسحب قواتها من شكودرا. وبسبب عدم انصياع الجبل الأسود لذلك أعلمت فيينا مؤتمر لندن في 29 نيسان/ابريل ان “النمسا تحتفظ لنفسها بحق استخدام كل ماتراه مناسبا في اللحظة المناسبة”.

ومع تجاهل الجبل الأسود لذلك بدأ التوتر بين القوى الست الكبرى يتزايد حين لجأت النمسا في 2 أيار/ مايو إلى دعوة الاحتياط بما يشير إلى قرب القيام بعمل عسكري. وحين وصل التوتر إلى ذروته خشية من اندلاع حرب جديدة في أوربا وصل الخبر إلى فيينا في اليوم التالي (3/5/1913) أن الجبل الأسود سيسحب قواته خلال الأيام القادمة من شكودرا وجوارها. ولم يحسم الأمر إلا في 5 أيار/مايو 1913 حينما استلم وزير الخارجية البريطانية إدوار غراي رسالة من ملك الجبل الأسود نيقولا الثاني تفيد بأنه سيترك “مصير شكودرا بيد القوى الكبرى”، وهي التي كانت قد اتفقت على حدود الكيان الألباني الجديد وطالبت الجبل الأسود بسحب قواته من الأراضي التي أصبحت ضمن خريطة هذا الكيان.

ولكن خطر اندلاع حرب أوربية بسبب الكيان الألباني تجدد في خريف 1913 نتيجة لأن صربيا ماطلت حتى ذلك الحين في سحب قواتها من أراضي الكيان الألباني التي كانت حدوده قد رسمت بالاتفاق بين القوى الست الكبرى. ومع ازدياد التوتر بين فيينا وبلغراد، الذي سيكون لاحقا السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، بادرت فيينا في 14 ايلول/ سبتمبر 1913 إلى توجيه تحذير إلى صربيا لسحب قواتها من أراضي الكيان الألباني الجديد. ومع تجاهل بلغراد لذلك صعّدت فيينا من موقفها في 17 تشرين الأول/ اكتوبر 1913 إلى حد توجيه انذار إلى صربيا لسحب قواتها خلال ثمانية أيام وإلا “ستجبر صربيا على ذلك”. ومع تعاظم خطر اندلاع حرب أوربية بادرت لندن إلى نصح صربيا بسحب قواتها خلال الأيام اللاحقة، وحتى روسيا بدت غير مستعدة للتورط في حرب أوربية لاجل حليفتها صربيا، ولذلك فقد أخبر سازنوف وزير الخارجية أن رئيس الحكومة الصربية نيقولا باشيتش “وضع بطرسبرغ في موقف صعب إزاء فيينا، ولذلك ينصحه بالانسحاب من ألبانيا”. وحين وجدت بلغراد أنه حتى روسيا لن تدعمها في أية حرب مع النمسا بادرت إلى سحب قواتها من ألبانيا في اليوم الأخير للانذار، أي في 25 تشرين الأول/اكتوبر 1913.

ولكن ماتمّ تفاديه آنذاك أصبح صعبا بعد ثمانية شهور حين قامت منظمة قومية صربية باغتيال وليّ عهد النمسا والمجر الارشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو في 28 حزيران / يونيو 1914، ووجهت فيينا إنذارها المشهور إلى بلغراد التي رفضته وأدى هذا إلى إعلان النمسا والمجر الحرب على صربيا في 28 تموز/ يوليو 1914 التي تحولت إلى حرب أوربية ثم إلى أول حرب عالمية استمرت أربع سنوات 1914-1918. وبسبب جذور النزاع بين النمسا وصربيا أصبحت ألبانيا أول ضحية لهذه الحرب بعد أن تخلت إيطاليا عن حليفتها النمسا وانتقلت إلى صف فرنسا وبريطانيا وروسيا أثر التوافق على منح ألبانيا مصغرة لإيطاليا وتقاسم صربيا واليونان لما يبقى من ألبانيا فيما عرف بمعاهدة لندن السرية (1915). ومع ذلك فقد انبعثت ألبانيا من جديد بمعجزة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ضمن حدود 1913 وقُبلت بتلك الحدود كدولة مستقة في عصبة الأمم خلال 1920 لتبقى أول دولة أوربية بغالبية مسلمة.

(*) Elena Kocaqi Levanti,Si e krijoi Austro-Hungaria shtetin shqiptar,Tirane 2012