ماريانا فيبر (1870-1954م)

2020-01-05
ماريانا فيبر (1870-1954م)

مؤرخة قانونيّة وناشطة في مجال حقوق المرأة الألمانيّة

في الثّقافة العربيّة نعرف الكثير عن مؤسس علم الاجتماع الألمانيّ والمنظر الاقتصاديّ والسياسيّ ماكس فيبر، ولكن ليس الكل يعرف زوجته ماريانا فيبر، تلك الإنسانة المثقفة الذكية، والزوجة الوفية، ومن كان لها بالغ الأثر في مسار الحياة الثقافية في المجتمع الألماني في القرن الماضي. ويكفي أنها كانت أول امرأة تدخل البرلمان المركزي لولاية "بادن"، لتكون أول امرأة تلقي كلمة في قاعة البرلمان الألمانيّ، ولتطالب بحقوق المرأة في العمل، والمساواة، والرعاية الاجتماعيّة، والأمومة، وغيرها.

تركت ماريانا العديد من المؤلفات والأبحاث المهمة في مجال القانون وتاريخه وتطوره، كما قدمت الكثير من الدراسات حول وضع المرأة في المجتمع الألماني، وحاولت طرح رؤية متوازنة من غير انجراف إلى الاتجاهات المتطرفة أو تلك المتزمتة، فكانت رؤيتها توازن ما بين وضع المرأة بوصفها أمًّا تقع عليها واجبات تجاه الأبناء، وزوجة تتشارك الحياة مع زوجها، وما بين حقها وطموحها في أن تمارس نشاطًا مهنيًّا واجتماعيًّا فاعلًا. وقد شددت على أهمية تعليم البنات قبل الدفع بهنّ إلى الحياة الزوجية، نظرًا إلى دور تعليم المرأة في تربية الأبناء. ومن أقوالها المشهورة في هذا الأمر:

«نحن لا نريد أن نرمي بناتنا في أحضان الزوج دون أي فكرة، بل نريد لهن في النهاية التعليم والاستقلال الروحي الّذي يمكنهن لاحقًا ليس العناية بالأبناء فحسب، بل أيضًا ليكنَّ رفقاءهم العقليين، وفي اقتناع راسخ بأن كلّ زيادة في احترام المرأة ليس كجنس، بل كإنسانة، سيقابله كذلك زيادة مماثلة في الثقافة الأخلاقية للرجل نفسه.»

لا يمكننا الحديث عن ماريانا من غير الإشارة إلى دورها الحاسم في حفظ التركة العلمية لزوجها ماكس فيبر، حين داهمته المنية المبكرة، في عام 1920م، وهو في أوج عطائه العلمي؛ فجعلت جل وقتها وجهدها لهذه الغاية، وتولت عملية الإشراف على جمع الأبحاث والدراسات والمقالات الّتي كانت متفرقة في عدد كبير من الدَّوريات العلميّة، والمجاميع الصّادرة عن المؤتمرات الكثيرة الّتي كان يشارك فيها، فأخرجتها مرتبة ومنسقة ومنقحة في سبعة مجلدات ضخمة. كما أشرفت على إصدار كتابه المعروف والمهم جدًّا الاقتصاد والمجتمع، وهو كتاب ضخم من القطع الكبير تجاوزت عدد صفحاته الألف، ويعدّه معظم الدارسين أهم عمل علمي من نوعه وفي تخصصه قد وضع في الثقافة الألمانية، بعد كتاب كارل ماركس رأس المال. جمعت ماريانا كذلك مُذكّرات زوجها ورسائله الشَّخصيّة والعلميّة وأصدرتها في عدة مجلدات، وقد تضمن بعضها وثائق تاريخيّة وشهادات علميّة تبادلها فيبر مع أهم المُفكرين والعلماء والفلاسفة في ذلك الوقت. كما أنَّ هذه الرَّسائل تعطينا تصوّرًا أوضح عن فيبر الإنسان والعاشق والزوج والابن والأخ والموسيقي، وكل هذه الجوانب مهمة لفهم فيبر العالم والفيلسوف والسياسي والاقتصادي، فمن خلالها يمكننا أن نفهم، بل أن نتفهم تلك الروح الإنسانية العميقة والحساسة، الّتي تتمترس خلف تلك الصرامة العلميّة، والدّقة المفهوميّة، الّتي تعبر عنها ملامحه الجادة، وتعكسها كتاباته العلمية الرصينة، بل لعل البعض لاحظ أنه على الرغم من كثرة الصور الشخصية المتوفرة لماكس فيبر، فإنه لا توجد له في أرشيفه أي صورة وهو يضحك أو يبتسم، وحتَّى صور طفولته المبكرة!

إنَّ حجم الدَّور المهم الذي قامت به ماريانا في حفظ تركة زوجها وإيصالها إلى المجتمعات العلمية في العالم وبلغات متعددة، سوف يتضح عندما نعلم أن أعمال فيبر بعد ضبطها وتنقيحها وتوثيقها تبلغ اليوم 32 مجلدًا، وأن رسائله تتوزع على 13 مجلدًا، وأن أعماله ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وأن عدد الأبحاث والدّراسات والكتب حول أعماله تزيد على عشرة آلاف عمل. أما تلك الدّراسات الّتي اقتبست عنه أو رجعت إليه أو تطرقت له فعددها مهول ويصعب حصره، ولو أنك وضعت اسمه في محرك البحث "غوغل" فقط ستجد ما يقارب هذه النتيجة (000،000، 143)! وعلينا ألا نستغرب؛ فنحن لسنا أمام مجرد أكاديمي ناشط في عدة حقول علمية، بل كذلك رجل مؤثر في الحياة السياسيّة والاقتصادية في المجتمع الألمانيّ وكذلك الأوروبي، كما أنه ينتمي إلى أسرة برجوازية تمتلك مصانع كبيرة للنسيج، أهم صناعات تلك الحقبة، إلى جانب أن والده دكتور القانون كارل فيبر كان عضوًا مؤثرًا في البرلمان، وناشطًا في الحزب الليبرالي الألماني.

والزوجة "ماريانا" كانت من الطبقة الاجتماعية والصناعية والليبرالية والعلمية نفسها، ولدت باسم ماريانا شنيتغر، وحملت اسم عائلة "فيبر" بعد زواجها منه، وكانت الأبنة الوحيدة لأسرة غنية تمتلك مصانع للكتان، وابنة طبيب حكومي معروف في مدينة "أورلينغ هاوس". إلا أنَّ ذلك الثراء لم يوفر لها أسباب السعادة، فقد توفيت والدتها وهي لاتزال في السنة الثالثة من عمرها، فنشأت يتيمة في بيت جدتها، التي ما لبثت أن توفيت، فَعَهدَ الأب تربيتها إلى بعض الأقارب، ومن خلالهم تعرفت -فيما بعد- إلى قريبها من جهة الأم ماكس فيبر، في عام 1891م، ونشأت بينهما علاقة عاطفية انتهت بالزواج في عام 1893م.

تميزت ماريانا بالذكاء الشديد، فقد تفوقت في جميع المراحل الدراسية، واختارت دراسة القانون في جامعة برلين، وكانت أطروحتها الأولى حول الفيلسوف فيشته بعنوان "اشتراكية فيشته وعلاقتها بالمذهب الماركسي"، ونشرتها في كتاب عام 1900م. ثم أعادت نشرها في عام 1907م، ضمن مجلد واحد مع عمل آخر لها بعنوان "الزوجة والأمّ في سياق التَّطور القانونيّ". في عام 1918 أصبحت عضوًا في الحزب الديمقراطي الألماني، وخاضت حملة انتخابية فريدة من نوعها بالنسبة إلى امرأة في ذلك الوقت، لتصبح أول امرأة تحصل على مقعد في برلمان ولاية "بادن"، ولتكون أول امرأة تتكلم تحت قبة البرلمان وتطالب بحقوق المرأة في المجتمع الألماني. في عام 1919م تمَّ اختيارها لتكون رئيسة الاتحاد النسائي الألماني العام، وبقيت في هذا المنصب إلى عام 1923م، وجدير بالذكر أن نشير هنا إلى الصداقة التي جمعتها في هذه الفترة بالناشطة المدنية المعروفة الدكتورة "أليسا سالمون"، التي تم استبعادها من الترشيح للمنصب نفسه بسبب مرجعيتها اليهودية. كما أنها التقت في هذه الفترة أيضًا بامرأة معروفة جدًّا في تاريخ النشاط السياسي والقانوني الألماني، وهي الأديبة الدكتورة "غيرترود بويمر"، حيث نشأت بينهما علاقة صداقة حميمة. في عام 1922م، كرمتها جامعة "هايدل بيرغ" العريقة، ومنحتها درجة دكتورة فخرية ثانية، لقاء جهودها العلمية والسياسية والاجتماعية. في عام 1926م، نشرت ماريانا السيرة التوثيقية لحياة زوجها الراحل، وهذه "البيبلوغرافيا" تضيء الكثير من الزوايا التي بقيت لوقت طويل مجهولة من حياته، ويعتبر اليوم الاطلاع عليها أمرًا في غاية الأهمية لكل من يرغب بدراسة أبحاث ماكس فيبر. والحق أنَّ هذا العمل جدير جدًّا بترجمته إلى اللُّغة العربية. منذ عام 1926م، استقرت ماريانا بشكل نهائي في مدينة "هايدل بيرغ"، وبقيت فيها إلى عام وفاتها 1954م، وفي هذا الأثناء مارست عملها كعالمة وباحثة متخصصة بالقانون، وكناشطة ومدافعة عن حقوق المرأة، كما كانت عضوًا بارزًا في دائرة "هايدل بيرغ" الثقافية، التي كانت تضم أشهر الفلاسفة والعلماء آنذاك في المدينة، وإلى جانبها كان يعمل عالم الاقتصاد والاجتماع المعروف "ألفريد فيبر" شقيق ماكس فيبر، والذي للأسف لا تتوفر معلومات كثيرة عن أعماله إلى اليوم باللغة العربية، رغم شهرته وأهميته العلمية.

من المحطات المهمة التي نرغب بذكرها هنا من حياتها، وهي تتعلق بالجانب الإنساني من شخصيتها، أن شقيقة ماكس فيبر، "ليلي فيبر"، أقدمت على الانتحار في سنة 1920م، وتركت خلفها أربعة أطفال صغار، فقامت ماريانا بتولي الوصاية عليهم ورعايتهم، وعند وفاة والدهم في عام 1928م لم يبق لهم أحد، فقامت بتبنيهم رسميًّا. وهنا ربما علينا أن نشير إلى أن ماريانا وفيبر لم يرزقا بأطفال، حيث لم يكن فيبر قادرًا على الإنجاب، ولكن رغم ذلك فضّلت أن تبقى إلى جانبه وألا تنفصل عنه، بل رفضت بعد موته الارتباط بأحد رغم كثرة من تقدم لها، وعاشت كأرملة لمدة 35 عامًا حتى نهاية عمرها. وكونها نشأت طفلة يتيمة جعل إحساسها بمعاناة الأطفال الأيتام وبمساعدتهم وكفالة بعضهم أمرًا مميزًا في حياتها.

في صبيحة يوم الأحد، الموافق 12 مارس من سنة 1954م، حضرت ماريانا الوفاة، فودعت هذه الدنيا وقد تركت خلفها حياة حافلة بالأعمال المجيدة. يكفي أن نعرف أنها تركت لنا ما يقارب 16 عملاً منشورًا تحتوي على أبحاث ودراسات قيمة، منها: اشتراكية فيشته مقارنة بالنظرية الماركسية 1900 و1907م، المهنة والزواج: مشاركة المرأة في العلوم 1906م، الزوجة والتنمية القانونية: تمهيد 1907م، السلطة والاستقلال في الزواج 1912م، حول تقييم عمل ربة المنزل 1912م، المرأة والثقافة الموضوعية 1913م، المرأة الجديدة 1914م، الزواج المثالي وقانون الزواج 1914م، نحو تغيير الدراسة المنمطة حول المرأة 1916م، الطاقة التكوينية للحياة الجنسية 1917م، المهام الثقافية الخاصة بالمرأة 1918م، قضايا المرأة وأفكارها 1919م، ماكس فيبر: صورة حياة 1926م، النساء والحب 1935م، حياة راضية 1946م، مذكرات 1948م، طرق الصداقة 1927-1939م، النساء الهاربات نشر حديثًا عام 2005م. هذه كانت أهم العناوين، ويضيق بنا المجال هنا إلى التطرق إلى المحتوى.

وأخيرًا نشير إلى أنه بعد وفاتها، قامت الحكومة الألمانية تكريمًا لها بتسمية المدرسة الثانوية التي درست بها باسمها لتصبح "مدرسة ماريانا فيبر"، وكذلك أطلق اسمها على عدة شوارع في كثير من المدن الألمانية. نحن نسمع دائمًا بالمثل الذي يقول "وراء كل رجل عظيم امرأة"، ولن تجد أفضل منها مثالًا واقعيًّا على هذا، فخلف المكانة العلمية العالمية التي وصلها ماكس فيبر في حياته، وبعد مماته، عليك دومًا أن تبحث عن الزوجة الوفية ماريانا فيبر.

عبد الحكيم شباط
عبد الحكيم شباط
حاصل على دكتوراة فلسفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية من جامعة برلين. له العديد من المؤلفات العلمية والأدبية، باللغتين الألمانية والعربية.