بين المجاز والترجمة في الثقافتين العربية والألمانية

2020-01-27
بين المجاز والترجمة في الثقافتين العربية والألمانية

تمهيد

ينطلق هذا البحث من الفكرة التي تقول بأن كلًا من المجاز والترجمة يرتبطان لغةً واصطلاحًا ببعضهما البعض، وللكشف عن ذلك سنعرض بعض معاني لفظيْ "المجاز" و"الترجمة" في اللغتين العربيّة والألمانيّة، ونتطرق لبعض صورهما وتمثلاتهما في الثقافتين، لعلنا أيضًا نرصد بعض المتشابه والمختلف بينهما. المجاز كما تشير إليه التعريفات العامة والمتخصصة، هو نقل وانتقال، عبور وتجاوز لما يفترض أنه أصل ومبتدأ في الكلام، وفي الآن نفسه صلة وصل وربط بين المنفصلين. ولا يختلف فعل الترجمة عن المجاز في هذا، فهو أيضًا لا يتحقق إلا بتجاوز حدود الأصل مبتعدًا عنه ومرتبطًا به في آن واحد. فإذا كان ظاهر المجاز يعبّر عن تنويعات أسلوبية وبلاغية في اللغة، فإن باطنه مرتبط ببنيات عميقة في اللغة والفكر الإنسانين تضمن حيويّتهما وتنعش تجدّدهما. ولهذا، فإن انتقال العبارات من موضع لآخر، ومن مدلول لآخر ليس بترف لغوي بل ضرورة ذهنية وجانب أصيل في النسق اللغويّ والثَّقافيّ للإنسان. وكذا بالنسبة إلى الترجمة، فانتقال المعارف والنُّصوصّ من ثقافات وسياقات لأخرى هي أيضًا مرتبطة بأحد أعمق بنيات التفاعل بين البشر، فالعيش المشترك يتأسّس بالضرورة على مبدأ الأخذ والعطاء المتبادلين، فالترجمة إذن ليست خدمةً تواصليةً ونفعيةً فقط، تنمحي آثارها بتحقيق الغايات منها، بل هي حركة أساسية في حياة الناس، تؤثر في أساليب عيشهم وتحدّد علاقاتهم ببعضهم البعض وتبلور أشكالًا جديدةً للهوية وللتفكير وتجدد سلوكهم اللغوي والثَّقافيّ.

موضوع هذا البحث هو العلاقة التي تربط الترجمة بالمجاز وتحديدًا في السياق الثَّقافيّ العربيّ الألمانيّ، وأول ما قد يتبادر إلى الأذهان عند النظر في هذه المسألة هي الطبيعة المركبة والمتعددة والمعقدة إن شئنا قوله، لهاتين الظاهرتين، فمن المعلوم أن عملية الترجمة تتم عادةً في موقف متعدد داخل اللغة الواحدة أو عبر لغات وثقافات مختلفة، وكذا بالنسبة إلى المجاز، فالعبارة لن تكون مجازًا إلا إذا اجتمعت أو اشتركت فيها عناصر متعددة المستويات ومتباينة الأوجه والمعاني، والغاية الكبرى من خلال هاتين العمليتين هو الربط بين هذه العناصر المتباينة والارتقاء بها إلى مستوى من التوافق والانسجام لتحقيق معاني وخلق فضاءات وعوالم ونصوص جديدة لم تكن موجودةً من قبل أو على الأقل كانت في الإمكان ولكن لم تتحقق بعد. وهناك قواسم مشتركة الأخرى للترجمة والمجاز ستتجلّى لنا في معرض حديثنا عنهما.

عن المجاز

عادةً ما نربط الحديث عن المجاز بالحديث عن النصوص التي تكشف عن قدرة بيانية عالية للكاتب وعن تأثيرها الشديد في نفس المتلقي الحذق الذي يلتقط معانيها ويدرك مراميها الخفية. والمجاز وسيلة يلجأ إليها الكاتب أو المتكلم للتعبير عن مواضيع ومعاني قد تبدو مجردةً أو معقدةً لتقريبها من فهم المتلقي، واكتمال وجودها لا يتحقق ومعانيها لا تنكشف إلا بانخراط المتلقي، القارئ والسامع والمشاهد، في تأويلها وكشف علاقاتها وإدراك معانيها. الأمر هنا لا يتعلق فقط بالنصوص التي تركّز على الجانب الشعري أو الجمالي في اللغة، بل يتعدّى ذلك إلى الحديث اليومي والثَّقافيّ العام وكذلك العلمي، مما يجعلنا نفترض أن المجاز ليس ظاهرةً عرضيةً بل أصيلةً في اللغة والتفكير الإنسانيين. يعتبر المجاز من المؤشرات اللغوية والثَّقافيّة التي ترتبط ارتباطًا بالنصوص الأدبية والابداعية، ولكنه غير مقتصر عليها، فنجد أشكاله وآثاره في النصوص العلمية والتقنية والقانونية، أو ما يصطلح عليه بالنصوص الإخبارية، وكذا في أنواع النصوص المصنّفة في خانة النصوص التأثيرية، مثل الإشهارية والسياسية وغيرها. إن الصور المجازية والمؤشرات اللغوية عمومًا ذات حمولة ثقافية مكثفة تكرس بجلاء ووضوح المسافة التي تفصل بين ثقافة وأخرى.

المجاز في اللغة العربيّة

إن المادة اللغوية أو الجذر الذي يُشتق منه لفظ المجاز في اللغة العربيّة تدل على معانٍ مختلفة كما يشير إلى ذلك لسان العرب تحت المدخل المعجمي (ج-و-ز)، فنجد:

جاز الطريق والموضع، يعني سلك فيه، وأجازه، وخلّفه وقطعه وتعدَّاه واسم المجاز بمعنى "الطريق والمسلك والمعبر"

ونقول جَوَّزَ له ما صنعه وأَجازَ له، أَي سَوَّغ له ذلك، وأَجازَ رأْيَه وجَوَّزه: أَنفذه.

وتَجَوَّزَ في هذا الأمر ما لم يَتَجَوَّز في غيره: احتمله.

ويُجِيزُه بمعنى أَعطاه.

وتَجاوَزَ الله عن ذَنْبه، بمعنى عفا عنه ولم يؤاخذه به.

وتجاوز يعنى أيضًا تساهل وتسامح.

وتَجاوَزَ فيه: أَفْرط في الشيء.

وتَجَوَّز في صلاته أَي خَفَّف؛ ومنه الحديث: أَسْمَعُ بكاء الصبي فأَتَجوَّزُ في صلاتي أَي أُخفّفها وأُقللها. وأخيرًا نقول، تَجَوَّز فلان في كلامه أَي تكلم بالمَجاز.

يبدو أن جُلّ هذه المعاني في هذه المادة المعجمية العربيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما يميّز المجاز اصطلاحًا:فهو طريق تسلكه رؤى وتقطعه مفاهيم وتعبره تصورات لتنتقل من مجال إلى آخر متجاوزةً الحدود التي تواضع عليها الناس في لغة ما إلى حدّ الإفراط والمبالغة، فيصبح في الصورة المجازية الرجل أسدًا والمرأة ظبيةً، والبيّنة نورًا، وغير ذلك من الأمثلة الكلاسيكية التي ترد في أدبيات المجاز، ويلخّص عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة تعريف المجاز قائلًا: "وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وُصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولًا"1. فالمجاز إذن يوجز ويسمح بالربط بين شيئين يبدوان في وضعهما الأصلي مختلفين، فيُتَجوّز أو يتجاوز فيهما، عما هو معهود ومألوف في اللغة، فتجتمع في اللفظ أو في نظم الجملة معانٍ وزوايا نظر مختلفة. وفي المجاز تخفيف وتقليل وإيجاز لما قد يعبّر عنه في اللغة بتراكيب معقدة، ويبدو هذا جليًّا في الآيات القرآنية، وفي الأمثال والأقوال المأثورة والنصوص الشعرية. والإيجاز والاختصار والحذف، كلها تدخل عند سيبويه في "الاتساع اللغوي"2 الذي يعني عنده وعند علماء اللغة والبلاغة المتقدمين أن يكون الكلام محتملًا لتفسيرات أو تأويلات مختلفة، ومحمولًا على غير ظاهره، عكس "الضيّق في الكلام"، وهو الوقوف عند حدّ ما تواضع عليه الناس في اللغة، سواء على مستوى النحو، من إعراب وتصريف وتركيب أو على مستوى المعنى. والمجاز عند سيبويه وابن جني وغيرهما من أهم آليات الخروج عن الضيّق في الكلام وتوليد المعاني والعبارات الجديدة، حتى يبدو كأنه غدا مرادفًا للاتساع أو التوسّع في الكلام، يقول ابن جني في باب الفرق بين الحقيقة والمجاز: "الحقيقة: ما أقرَّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة. والمجاز: ما كان بضد ذلك...، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة: التوسّع والتوكيد والتشبيه"3. وليس فقط الإيجاز في الكلام هو من المجاز، بل أيضًا التجاوز عن الكلام بمعنى العفو عنه وتركه، وهو الحذف في اللغة، فهو من المجاز، كما ذُكر آنفًا. فسيبويه أدخله في باب الاتساع اللغوي والجرجاني في باب المجاز4، واستهلّ حديثه عنه، في دلائل الإعجاز، قائلًا: "هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تُبن"5. "الحذف ينطوي على قوة إيحائية وقدرة على حفز خيال المتلقي وقدح ملكاته النفسية"6. فتتوالد المعاني وتخرج من حالة "العدم" إلى الوجود. وفي هذا السياق عن الحذف والفراغ، يقول عبد السلام بن عبد العالي: "ليس الفراغ شيئًا غامضًا لا وجود له، بل هو عنصر في غاية الحيوية والتأثير، إنه ما يعطي وظيفةً ومعنى"7. ويضيف: "ليس التقابل بين الامتلاء والفراغ تقابل النقيض بالنقيض. بل إن العلاقة بينهما علاقة ترابط حميمي". ففي الفراغ أو الحذف تتحقّق المعاني التي تعذر على صريح الكلام احتواؤها أو إشباعها، وهذا يشبه حال الكلام الحرفي عندما يعجز عن تبليغ المراد، فيلجأ المتكلم إلى المجاز.

المجاز في اللغة الألمانيّة

أما المجاز في اللغة الألمانيّة واللغات الأوروبية الأخرى فتدل عليه اصطلاحًا كلمة Metapher، المأخوذة من اللغة اللاتينية التي يعود أصلها إلى اليونانية metaphorá، وهي تفيد في معناها المعجمي "حمل الشيء من موضعه الأصلي ونقله إلى موضع آخر". والكلمة اليونانية مكونة من قسمين، القسم الرئيسي مشتق من فعل pheréin بمعنى "حَمَل" أما اللاحقة meta فتعني "بعد، وراء، مغاير"، وهي ظرف يأتي في الكلمات المركبة للدلالة على معاني التعاقب والتبديل والتحول في المكان والزمان، ونجد في الألمانيّة رديفًا لـ Metapher وهو لفظ Übertragung، اقتراض معنوي للكلمة اليونانية، وتتكوّن بدورها من اللاحقة über8 التي تدل على "الانتقال" عند ارتباطها مع الكلمة الرئيسة في صيغة الاسم  tragung أو الفعل tragen أو أسماء الفاعل والمفعول وهي تعني "حمل". تستعمل كلمة Übertragung في سياقات متعددة للدلالة على المعاني التالية، كما وردت في قاموس اللغة الألمانيّة Duden:

نقل وإرسال وبث الأخبار عبر وسيط من الوسائط.

نقل وتحميل البيانات في حامل أو خزان آخر.

ترجمة نص مكتوب إلى لغة أخرى.

تحويل نص من نوع إلى آخر.

استعمال أو استخدام في مجال آخر.

توصيل شيء ما (مثلا الطاقة لمكان ما).

نقل الأمراض من شخص لآخر.

تفويت ممتلكات للآخر.

تكليف الآخر (بمهام ما).

يبقى المشترَك في معاني Übertragung المعجمية هو حمل ونقل الأشياء من موضع إلى آخر وتعرّضها خلال هذا الانتقال والتحوّل للتغيير، إما في حالة المنقول أو المنقول إليه، أو هما معًا، وإلى جانب هذا اللفظ نجد أيضًا اللفظ Bild"صورة" الذي يستعمل للدلالة على المجاز.

تنصهر هذه المعاني المعجمية لتزداد كثافةً وشموليةً ووضوحًا في المعنى الاصطلاحي "للميتافر" من خلال التعريف الذي قدّمه أرسطوطاليس في القرن الرابع قبل الميلاد في كتابه الشعر، فوضع بذلك اللبنة الأولى للبحث والتنظير في ظاهرة المجاز في اللغة اليونانية واللاتينية واللغات الأوروبية وأيضًا في لغات أخرى، يقول أرسطو في تعريف الميتافر: "الميتافر (المجاز) هو نقل لفظ يدل على شيء للدلالة على شيء آخر، ويتم النقل إما من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس أو من النوع إلى النوع، أو حسب ما يقتضيه القياس"9. ينطلق المنظور التقليدي للمجاز في الأساس من اللفظ، باعتباره أصغر عنصر دالّ في اللغة، وما استعمال المجاز إلا خرق أو تجاوز متعمد لنظام التسمية والتصنيف المألوفين وتحويل في العلائق الموجودة بين الأشياء وتسمياتها المتواضع عليها. وما يربط التعبير المجازي بالتعبير الحقيقي من هذا المنظور هو علاقة القياس والموافقة أو المماثلة والمشابهة بين الأشياء، فالعبارة المجازية "مساء الحياة" التي وردت عند أرسطو للدلالة على العمر المتقدم هي في الأصل مماثلة بين العلاقة التي تربط العمر المتقدم بالمراحل الأخرى في حياة الإنسان، والعلاقة الموجودة بين المساء وبقية أوقات اليوم. والمجاز هو تعبير على علاقة المماثلة الموجودة في الأصل، أو في الواقع بين هذه الأشياء "الحياة" و"اليوم" من جهة و"تقدم العمر" و"المساء" من جهة أخرى، وأيضًا المشابهة في العلاقات التي تربط بين هذه الأطراف. يعتبر استعمال الصور اللغوية بمثابة زخرف وزينة وأداة لإعطاء شحنات شعرية إضافية للكلام أو للرفع من قوة إقناع الجدال والحجاج في الخطاب، فالميتافر وظيفته الأساسية عند أرسطو وأصحاب المنظور التقليدي التأثير في المخاطب، إثارة انتباهه باستعمال عبارات "حية" و"غير مألوفة"، واستمالة حواسه وعقله ومن ثم إقناعه، ولهذا يستعمل بوجه خاص في البلاغة والشعر، وما التعبير المجازي إلا تعويض وبدل عن التعبير الحقيقي الموجود سابقا في اللغة، وهو أيضًا مجرد تشبيه حذفت فيه أداة التشبيه، بمعنى أن المراد من الكلام يمكن أن يتحقق أصلا في المعنى الحرفي، وبهذا يمكن الاستغناء عن المجاز لتبليغ جوهر المعنى.  فضلاً عن المجاز الذي تحدثت عنه البلاغة الكلاسيكية، هناك صنفان من المجاز حسب الفيلسوف الألمانيّ بلومنبيرغ (1960)10، الصنف الأول هو شَكْل أو بنية قبْلية للمفهوم، ذات طبيعة سائلة، كما وصفها نيتشه، وهي موجودة في أعماق الفكر، تتسم بـ"الالتباس" و"التشابه" و"التماهي والتعدد" في المعاني، فتتطور وتتبلور لتظهر على السطح على شكل مفاهيم ثابتة، واضحة المعالم ومُحدَّدة المعاني، وصلبة الجوهر. وهكذا تموت هذه الأشكال كمجازات وتحيا كمفاهيم لتصبح جزءًا من الترسانة المفهوماتية الصلبة للغة، ويشير بلومنبرغ إلى أن الانتقال من "المجاز إلى المفهوم" شبيه بالانتقال من "الأسطورة إلى العقل". أما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم "المجاز المطلق"، وهو غير قابل للتحوّل إلى مفهوم، فيظل كما هو في جوهره المجازي مطلقًا متعددًا ومتحولًا، يستعصي دمجه في قالب مفهوماتي ثابت. فالظواهر على شاكلة الوجود والعالم والتاريخ والوعي والمنطق وغيرها، لا يمكن، كما يقول بلومنبرغ، تصورها عقليًّا، بل فقط إدراكها مجازيًّا. فالمجازات المطلقة "تمنح للعالم بنية، تُمثّل (تعكس) الحقيقة في كُلِّيتها غير القابلة للتجربة والتصور"11. يلعب المجاز في نظر بلومنبرغ دورًا بنيويًّا في صياغة الفكر الفلسفي والعلمي، متبنيًا بذلك نظرة نيتشه الناقدة للغة الفلسفة والعلم، التي يطغى عليها الطابع "الإبداعي" و"الشعري"، أي "المجازي"، رغم ادعائها بيقينية حقائقها وصلابة مفاهيمها، لكن اللغة، رغم أنها "أداة عجيبة للتعبير والتواصل بين الناس"، كما يقول نيتشه، تظل مع ذلك عاجزةً عن التعبير عن الأشياء كما هي، عن جوهرها وعن حقيقتها، فما مفرداتها وأسماؤها سوى تسميات وُضعت اعتباطًا ومجازًا للتعبير عن تصورات الإنسان عما هو مماثل ومختلف في تجربته الحسية، وتصنيفاته لأشياء هذا العالم. وبهذا يقترب مفهوم نيتشه للمجاز من مفهومه في النظريات الحديثة، عن طريق ربطه بالتجربة الإنسانية من جهة، واعتباره مكونًا أساسيًّا وأصيلاً في اللغة والفكر، وليس حدثًا عارضًا، من جهة أخرى. ففي منظور اللسانيات الذهنية12، نجد المجاز في كل الاستعمالات اللغوية الممكنة، بدءًا باللغة اليومية. وتكشف بنيات المجاز الظاهرة بجلاء عن كيفية اشتغال الذهن البشرى واعتماده على تجربته الحسية الجسدية لفهم واحتواء الظواهر غير الحسية، فهناك بنيات مجازية عميقة يمكن وصفها بالكُلّية، نجدها في معظم اللغات والثقافات البشرية، كاعتبار الجدال حربًا، فنقول المناقشة حامية الوطيس، وصراع الأفكار والتيارات. فتهاجم بعضها البعض وتدافع عن الأخرى، ينتصر البعض، وينهزم الآخر، فينسحب من الساحة، وغير ذلك من العبارات التي لا نتصور الاستغناء عنها عند الحديث عن مجريات الحوار والنقاش والجدال.

سنتناول فيما يأتي بعض الصور المجازية الموجودة في الثقافتين العربيّة والألمانيّة التي تستعملها مجتمعاتها للتعبير عن تجاربها في الحياة وعن أنماط تفكيرها وإدراكها للعالم، فنجد فيها ما هو مشترك بينها وبين الثقافات الأخرى، وما هو مختلف. وهذا ما عبّر عنه الجرجاني حين قال: "إن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلّة" (أسرار البلاغة، 395).

مجاز "الكل في جريان" في الثقافة الألمانيّة

نجد في السياق الثَّقافيّ الألمانيّ صورةً مجازيةً تعتبر محوريةً في الفكر والفلسفة الغربيين بصفة عامة، مرتبطة بالانسياب والجريان والتدفق، وهي القائلة بأن كل شيء في حركة دائمة الجريان، "Allesfließt" (الترجمة الحرفية: الكل يجري). في غمار هذا الجريان والتدفق تنساب الأشياء في بعضها البعض مع احتفاظها بمعالم هيئتها، تختفي الحدود بينها وينغمس الكل في مجرى مياه لا تتوقف. هذه الصورة هي نفسها تعبير عن طبيعة المجاز، فهو يفتح الحدود بين مجالات ومفاهيم مختلفة، فتنساب معانيها في بعضها البعض، وترفع الحدود والغربة بينها، لتصبح متآلفةً ومنسجمةً في لغة الإنسان، وفي رؤيته للعالم. يعود أصل هذه العبارة لمقولة الفيلسوف اليوناني هرقليطس13pantarhei، ومعناها الكل في جريان، ظلت هذه الصورة منذ العصر القديم وسيلةً يُلجأ إليها للتعبير عن التجارب الإنسانية والمواقف الفكرية والنظريات الفلسفية والعلمية، وأيضًا مصدرًا لتوليد صور مجازية أخرى. يرد هذا المجاز الفلسفي بصفة عامة في سياق:

الانتقال والحركة والتحوّل.

الدلالة على الزمن الذي يقع فيه الانتقال والحركة والتحوّل.

الحياة التي خلالها تعاش تجربة الانتقال والحركة والتحوّل14.

ويرتبط معنى الجريان أيضًا بـ (د) الفيض والكثرة15، كما تدل على ذلك الكلمة الألمانيّة Überfließen  واشتقاقها الاسمي Überfluß، وهي مكونة من لفظيْ Fließen (يعني حرفيًا: جرى) واللاحقة Über التي تستعمل أساسًا حرف جر للدلالة على معاني "فوق، على، عن" وأيضًا على معنى "أكثر أو أزيد من"، والزيادة المعبَّر عنها في هذا المجاز ترد في معناها الإيجابي، وهي الزيادة في إسعاد الإنسان. وهناك استعمال لهذه الكثرة في معناها السلبي والمرتبط في استعمال كلمة في صيغة النعت Überflüssig، للدلالة على ما أو من لا حاجة فيه أو لا داعي إليه.

مقولة هيرقليطس "الكل في جريان" (بانتا ري) تنبني على فكرة التحوّل الدائم أو الصيرورة الدائمة في الوجود، فجريان المياه في حركة دائمة لا تتوقف، ولكنها أيضًا في ثبات، لأنها تخضع لبنية ثابتة من القواعد والمبادئ التي تتحكم في حركتها، فالأشياء التي تتحرك في مدارها، هي في تجدد وتكرار دائمين، إنه الثابت والمتحوّل، الكينونة والصيرورة، الوحدة والاختلاف في آن واحد. وكانت هذه الصورة منطلقَ تأملات فلسفية وفكرية حول طبيعة الوجود ومفهوم الزمن. أفلاطون تناولها في مقولته التي أثارت تساؤلات أخرى قائلا: "الكل يجري (يتحرك) ولا يبقى شيء، ليس هناك إلا صيرورة أبدية وتحوّل"16. أما أرسطو فينظر إلى جدلية الثبات والتحوّل في الوجود أنها جدلية الجوهر الثابت والأعراض المتحوّلة في الزمن، ويعيد الوجود بثباته وحركته إلى مصدره الأول أو علته الأولى، إلى المطلق، فيصفه بـ "المُتحَرِّك الذي لا يتحرك"، وهي صورة الفكر الخالص، المفكر في ذاته. الفكر في نظر أرسطو جزء من الطبيعة والحركة، التي لا تتوقف في النهر الجاري إلا عندما يقع عليها فعل الفكر، يعني عند تسمية الأشياء وتحديد المفاهيم.فالتوقف أو السكون المؤقت، أو الظاهري، لهذا الجريان، حسب أرسطو ضروري للوجود، لإدراك الوجود17.

ويقول الفيلسوف كانط في هذا السياق وتحديدًا في حركة الزمن التي تدل عليها الصورة المجازية، الكل في جريان: "إذا تأملنا الأشياء في الزمن وأيضًا تَغَيُّر الزمن، يمكننا القول، أن الأشياء جميعها في حالة انسيابية، كل شيء في مجرى الزمن"، ولكن مجرى الزمن هذا يشترط من أجل إدراكه "شيئًا في ثبات مستمر". وهذا الشيء الثابت هو موطن المفاهيم، وبتعبير كانط: "جزيرة العقل الخالص" أو "أرض الحقيقة" التي "تحيطها محيطات شاسعة، في الواقع موطن الظاهر، ففيه توحي كتل الضباب والجليد التي تغدو بعد حين ذائبةً، بوجود زائف ليابسة جديدة، فهي تخدع باستمرار ذلك البَحَّار التوّاق إلى الاكتشاف، وتوقظ فيه آمالاً واهيةً، وتوقعه في شباك مغامرةلا يستطيع أبدًا التخلي عنها، ولا أن ينهي أطوارها أبدًا"18.

ويربط هيجل مقولة هيرقليطس "الكل في جريان" بلحظة معينة، وهي بداية هذه الحركة التي لا تتوقف، من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود، ولهذا "الكل يجري، يعني الكل يتحوّل" حسب هيجل، وفي هذه الحركة وهذا الانتقال المستمر تتحدد الأشياء التي لا حدود لها وتتميز المفاهيم عن بعضها وتتحدد تعريفاتها بين الإثبات والسلب19.

أما نيتشه فيعتبر أن مهمة الفيلسوف أن يمنح مجرى الحياة وقفات ويحدد له أهدافًا، وأيضًا أن يحمله من جديد على الجريان، حيثما أدركه الركود والجمود. الفيلسوف في مهمته الأولى يصفه نيتشه بـ "الإنسان المُشَرِّع"، وهو "ذلك العقل ذو سلطة، القادر على وضع مفهوم وسَنِّه، إنه إنسان يمتلك قوة الإرادة العقلية، يستطيع أن يجعل هذا الذي هو أكثر جريانا وانسيابا، صلبًا وعلى نحو ما خالدًا أيضًا "20، أما في مهمته الثانية فيصفه نيتشه في مؤلفه هكذا تكلم زرادشت بـ"الريح (الدافئة) المذيبة للجليد"21 التي تذيب جليد المفاهيم، فتفككها لتعيد بناءها من جديد.

ومن العبارات المجازية الشهيرة لهرقليطس التي انبثقت من الصورة الأصل، العبارة التي تقول: "لا يمكن للمرء أن يقتحم النهر مرتين"، فالنهر وإن بدا أنه كما كان من قبل، فإنه ليس هو هو، إنه يتغير في الزمن، وماؤه في كل لحظة على حال آخر، وكذا بالنسبة إلى مقتحم النهر فهو في كل حين ليس كما كان من قبل، ولهذا كل اقتحام لا يشبه الآخر، رغم تكراره. وترد هذه الصورة المجازية أيضًا في بعض أشعار غوته التي يتأمل فيها شؤون الكون والإنسان التي لا تستقر على حال، من تغير الطبيعة وتعاقب الفصول، والحياة والموت، والطفولة والشيخوخة، وغيرها من الظواهر التي تتحوّل في مجرى الزمن، كما يعبّر عن ذلك في قصيدته "الدوام في التحوّل":

مع كل وابل مطر

ربوتك البهيجة تغدو أخرى

آه، وإنك في نفس النهر

لن تسبح إلا مرةً، لا مرتين22.

مجاز "النور" في الثقافة العربيّة

من بين الصور المجازية الأساسية في الثقافة العربيّة نجد مجاز النور الذي يدل لفظه في معناه الحرفي على "الأضواء المدركة بالبصر"، ويستعمل لفظ نور في العديد من الصور المجازية، في نصوص مختلفة، شعرية ودينية وأدبية وفلسفية وعلمية ونفسية وغيرها. هذه الصور المجازية تجعل من النور والضياء رمزًا للرؤية والمشاهدة، للظهور والبروز، وللتجلّي والحضور، وللكشف والتفسير، النور يوحي أيضًا بالدفء والحرارة، بالحياة والبقاء، بالنماء والقوة، بالسخاء والعطاء، ويدل أيضًا على المعرفة والعلم، وعلى الإيمان واليقين، ويعني أيضًا الوضوح والبيان، ويرمز من جهة، إلى السعة والامتداد، ومن جهة أخرى للسمو والعلو. يستهل العقاد كتابه في بيتي بالحديث عن النور، فيقول: "قلت لك يا صاحبي: إنني أحب مدينة الشمس؛ لأنني أحب النور. أحبه صافيًا وأحبه مزيجًا، وأحبه مجتمعًا وأحبه موزّعًا، وأحبه مخزونًا كما يخزن في الجواهر، وأحبه مباحًا كما يباح إلى العيون على الأزاهر، وأحبه في العيون وأحبه من العيون وأحبه إلى العيون"23. ويضيف، فيقول: "يا صاحبي لا عجب أن يكون أظهر الأشياء، هو المُظْهِر للخفاء في كل معانيه، ولا أحسب أن حجابًا من الحُجب الكونية سيرتفع في مجال العلم أو في مجال الحكمة من طريق غير طريق النور مهما يطل الزمان"24.

"المجاز نور"، فهو يضيء المعاني الكامنة في العوالم الخفية، فيظهرها للأفهام ويقربها إلى النفوس والأذهان بطريقة لا يستطيع القول الصريح بمعانيه الحقيقية بلوغها. عبّر عن هذه الصورة الجرجاني في معرض حديثه البليغ عن علم البيان، قائلًا: "ثم إنك لا ترى عِلْمًا أرسخَ أصلًا، وأبْسَقَ فرعًا، وأحلى جَنىً، وأعذبَ وِرْدًا وأكرمَ نِتاجًا، وأَنْوَرَ سِراجًا من علم البيانِ، الذي لولاه لم ترَ لسانًا يحوك الوَشْيَ، ويصوغ الحَلْيَ، ويَلْفَظُ الدُّرَّ، ويَنْفُثُ السِّحْرَ... والذي لولا تَحَفّيه بالعلوم، وعنايتُه بها وتصويرُه إيّاها لبقيت كامنةً مستورةً، ولَمَا اسْتَنْبَتَ لها يد الدهر صورةً ولا استمر السِّرَار بأهلَّتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء"25.. وهذا الحديث في فضائل البيان عند الجرجاني هو في الحقيقة قول في المجاز ووظائفه. يقول ابن رشيق: "العرب كثيرًا ما تستعمل المجاز، وتعدّه من مفاخر كلامها، فهو دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات"26.

في السياق نفسه يتحدث عبد الفتاح كيليطو عن المجاز كالشمس، فيقول: "إن الكلام عن الاستعارة هو في الوقت نفسه كلام عن الشمس"27، فكلاهما يظهران بنورهما ما خفي من الأشياء والتصورات، فالشمس تنزع بضوئها لباس الظلمة عن أشياء هذا العالم، فتكشفها للمشاهد، لتصبح عنده مرئيةً وحاضرةً، بل موجودةً حتى بعدما اكتنفها الظلام وطمس معالمها إلى حد نفيها في العدم. أما في المجاز، وتحديدًا في الاستعارة28، فيحيل كيليطو إلى الجرجاني الذي يقول: "إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جُسّمت حتى رأتها العيون"29. فعن طريق المجاز يصبح المعقول، ذلك المجرد البعيد، محسوسًا ومنظورًا وقريبًا، سواء عند صاحب الكلام أو المتلقي. أما الميزة المشتركة الثانية بين المجاز والشمس التي تحدث عنها كيليطو فهي "العلو والشموخ والارتفاع"، فالشمس مكانها السماء المرتفعة فوق رؤوس كل الكائنات، فهي بعيدة كل البعد ولكن أشعتها وحرارتها نفّاذة وقريبة قربًا شديدًا من كل الأحياء30، وكذا لغة المجاز، فهي تتميز بالسمو والرفعة والنبل، والابتعاد عن العادي المبتذل المألوف، فتبدو بعيدة المنال وبديعة الصنعة وشريفة الأصل. أما وقعها على نفس المتلقي العارف فيكون أبلغ وأشدَّ وأقرب. الصلة بين المجاز والشمس أيضًا في حضورهما "المتجدد"، فالشمس كما قال كيليطو، يحبها الناس لأنها "حاضرة غائبة، مقيمة راحلة، مشرقة غاربة، أليفة غريبة"31. والمجاز يمنح الألفاظ والعبارات القدرة على الحركة والانتقال من عالم لآخر والتحول المتجدد، فيكون الانبهار بهيئتها الجديدة الغريبة أشدَّ، والتوق لتلمس معانيها المشرقة أقوى. إن "مبنى الطباع وموضوع الجبلة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر"32. والمجاز يسلّط الضوء على بعض الجوانب ويترك أخرى في الظلام، ثم ينير هذه الأخيرة ويترك الأولى في الخفاء. في رحلة المجاز والشمس تتقلص المسافات الفاصلة بين الظاهر والخفي، بين الحاضر والغائب، البعيد والقريب، والأليف والغريب، وكأنهما طرفا خيط واحد أو وجها عملة واحدة.

"المرأة شمس"، صورة أخرى في الثقافة العربيّة المرتبطة بالنور، هكذا وصف الشاعر العربيّ المرأة التي ولع بحبها، فنعتها بكل الأوصاف التي ذُكرت سابقًا في حق الشمس، فشبّهها بالبهيّة المضيئة المشرقة الشامخة التي تعوّض الشمس الحقيقية عندما تغيب، كما جاء على لسان عنترة بن شداد:

أشارتْ إليها الشمسُ عند غروبها

 

تقُول: إذا اسودَّ الدُّجى فاطْلعي بعدي

وقال لها البدرُ المنيرُ ألا اسفري

 

فإنَّك مثْلي في الكَمــال وفي السَّـــعْدِ

ويشبّه الشاعر الجاهلي رحيل المحبوبة عن الديار بدورة الكون العظيمة، إن "رحلة المرأة في الشعر الجاهلي، هي رحلة الشمس كل يوم"33، ويصفها امرؤ القيس34 وهي تغادر الديار في أبهى حللها، وكأنها شمس تغرب وهي مشرقة، فبهاء غروبها وإشراقتها في الصباح سيان.

"الحق نور"، صورة من الصور المجازية المهيمنة في الثقافة العربيّة الإسلامية، فالحق يتجلّى للبصائر، وينير الأذهان ويضيء النفوس، وهو طريق الهداية والإيمان ونور في ظلمات الضلال والباطل، ينزع لباس الريبة والشك من النفوس، فتضيء شمس الحقيقة واليقين، الحق نور إثبات35 في ظلمة الإنكار، وما تشبيهه بالنور الحقيقي الذي تراه الأبصار وتدركه الحواس، إلا "كلام على التقريب للذهن"36. الحق نور، "في ظهوره وبيانه، في سعة إشراقه وفشو إضاءته"، فالمعاني المستنبطة من هذه الصورة المجازية المكوّنة من لفظين غير متناهية، ففي المجاز توسّع في المعنى واختزال في اللفظ، والاستعارة كما قال الجرجاني: "تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ؛ حتى تخرج من الصَّدَفة الواحدة عدةً من الدُّرر"37، ولهذا لجأ المتصوفة وأهل العرفان إلى استعمال مكثف للغة الرمز والمجاز، فهي إيحاء وإشارة لتجسيد معانٍ باطنية مجردة، وصورة النور والفراشة التي وردت في كتاب الطواسين للحلاج، طاسين الفهم38، هي كشف لمعاني وأسرار الحب الإلهي الذي يذوب المتصوفعشقًا في نوره، كالفراشة في نور المصباح، فتحترق فيه لتكون، ولتحيا من جديد. أصبحت هذه الصورة المجازية التي اشتهر بها الحلاج أساسيةً في لغة التصوف الإسلامي وعابرةً للغات وآداب وثقافات أخرى39. وارتباطًا بصورة "الحق نور" نجد في اللغة العربيّة صورًا أخرى، وهي "الحجة نور"، فبالحجة يُدحض الباطل ويظهر الحق وتنجلي الحقيقة، يقول الجرجاني: "وأبديت نورًا، تعني هدى وبيانًا وحجةً، وما شاكل ذلك"40. أيضًا "البيان نور"، فأصل لفظ بيان "الكشف والظهور"41، وما الدلالة الحرفية للفظ البيان بمعنى الكلام البيّن الفصيح إلا معنى مجازيًّا، أصبح مع تطور اللغة حقيقيًّا، أو مجازًا ميْتًا كما تسميه الدراسات اللغوية الحديثة42. والمجاز كما سبقت الإشارة إليه من الآليات الأساسية في اللغة لتوليد المفاهيم والمسميات الجديدة في شتى العلوم والمعارف. "البيان نور" لأن الكلام البيّن الفصيح معانيه واضحة ومبينة تضيء الأفهام وتؤنس النفوس. وكلما اشتدّ نور البيان توهُّجًا ولمعانًا ازداد بهاءً وجمالًا وسحرًا، فيذهل العقول ويسحر النفوس، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنّ من البيان لسِحْرًا". وهناك صور لغوية أخرى تتخذ النور منطلقًا لها، وهي لا توجد فقط في اللغة الإبداعية بل أيضًا في لغة التواصل العادية، نجد على سبيل المثال عبارة "نور الحياة"، و"فجر الحرية" و"نور العلم" و"منارة الفكر" وغير ذلك من العبارات. فمن مناقب الاستعارة، كما يقول الجرجاني "أنها أمدُّ ميدانًا، وأشدُّ افتتانًا وأكثرُ جريانًا، وأعجبُ حسنًا وإحسانًا، وأوسعُ سعةً، وأبعدُ غورًا..."43، فهي سر تحوّل اللغة الدائم وتطورها وتجدّدها.

وبناءً على هذا وانطلاقًا مما سلف، تُعدّ الترجمة في مفهومها العام والخاص ظاهرة مجازية تتعدّى حدود اللغة الواحدة، فهي تربط بين لغات وثقافات مختلفة في تحوّل وتجدد مستمريْن. سنحاول في الآتي أن نتقصّى معاني هذا اللفظ "ترجمة" خلال تطور مفهومه واستعمالاته في الثقافتيْن العربيّة والألمانيّة.

الترجمة في السياق الثَّقافيّ العربيّ

يُشتق لفظ "الترجمة" في اللغة العربيّة من الجذر الثلاثي أو الرباعي وتتدرج معانيه كالتالي:

الظنّ والحدْس (الرجم بالغيب).

التراجم التراشق بالحجارة أو بالكلام القبيح.

أو تفسير الكلام بلسان آخر، ونقله من لغة إلى أخرى.

وفي اللغات السّامية يدل معنى الجذر -رجم- على "الكلام، المناداة، الصياح، القول الغريب"، ويعود أصل لفظ ترجمان إلى اللغة السامية القديمة الأكادية التي انتقلت بعد ذلك من العربيّة إلى اللغات الأوروبية Dragoman44.

اقترن لفظ الترجمة بمعانيه المتعددة من توضيح "الظن والحدْس" وإبانة "القول الغريب"، وتقريب "الغيب" و"تفسير الكلام بلسان آخر" في الوعي الثَّقافيّ العربيّ بمحطات حاسمة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلامية. انطلقت أولاها مع عصر تدوين القرآن الكريم، ثم تلتها مرحلة تأسيس العلوم اللغوية والدينية التي كان المراد منها تفسير معاني القرآن وتجلية المتشابه فيه، مع كل ما يتطلب هذا من بحث ودراسة في اللغة والتاريخ والدين، وكان الهدف الرئيسي منها تفسير وإيضاح لغة القرآن لمتكلمي العربيّة أنفسهم، أي تفسير مستوى معيّن للعربية بمستوى آخر لها، ثم تطورت الحاجة بعد ذلك مع الفتوحات الإسلامية الأولى إلى تفسير القرآن أيضًا باللغات المحلية للأمم والأقوام التي اعتنقت الإسلام، فالمجتمع الإسلامي أصبح متعددًا في أجناسه وأعراقه وبالتالي في لغاته وثقافاته. لعل المشهد الذي بهر الجاحظ ولا شك بهر أيضًا غيره ولا زال يبهر هو مشهد مزدوَجٌ أو متعددُ اللغات، الذي نقله إلينا في كتابه البخلاء في صورة حية، يتعلق الأمر بصاحب اللسانيْن المفسِّر موسى بن سيار الأسواري الذي يصفه الجاحظ قائلا: "وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربيّة، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسِّرها للعرب بالعربيّة، ثم يحوّل وجهه إلى الفرس فيفسِّرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين". صورة المفسِّر أو المترجم بلسانيْن، أو وجهيْن، أو "صاحب اللسان المفلوق"45، حسب تعبير بن عبد العالي، في معناها الحقيقي والمجازي، تجعل من الترجمة مرادفًا للتحوّل (Metamorphose) ليس في اللغة أو النص المترجم فحسب، بل في ذات المترجَم أيضًا.

هذه الصورة العجيبة التي لم تفت الجاحظ المشهور بذكائه الاجتماعي الحادّ في رصدها والتعليق عليها بسؤال عن جوهر وحقيقة ازدواجية اللسان، تذكرنا بصورة أخرى لنقيشة الترجمان على قبر حور محب في ممفيس46، مصر القديمة، وقد جاءت هيئة الترجمان في هذه النقيشة على هيئة شخصيْن، الهيئة الأولى تخاطب المتكلم والثانية تحدّث المخاطَب، فهذا الشخص المتعدد المتحوّل المنقسم على نفسه في الباطن والظاهر يبدو منظره عجيبًا، خارجًا عن المألوف، يقترب من الوهم أكثر منه إلى الحقيقة، فأن يكون المترجَم هنا وهناك في آن واحد كما جاء في الصورتيْن المذكورتيْن أعلاه يجعل من الترجمة نشاطًا بالغ التعقيد والغموض، وباعثًا على العَجب، فيبدو وقعها كوقع السحر، الذي لا يقدر عليه إلا أصحاب القدرات الخارقة، لأنه لو افترضنا جدلًا أن المترجم استوفى شروط الجاحظ جميعها في أن يكون من "نفس بيان ومعرفة وعلم" المؤلف الذي يترجم له، تبقى المسألة الجوهرية في الترجمة، وهي المواجهة بين اللغتيْن، "اللغة المنقولة والمنقول إليها"، "لأن كل واحدة من اللغتيْن تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها" كما قال الجاحظ، ونجد بينهما "علاقة القوة والتوتر وشدّ الحبل" حسب تعبير بن عبد العالي. ولهذا ليس بمقدور المترجم صاحب اللسانيْن أن يفصل بينهما، ويعطي كل ذي حق حقه، وأن يرفع "الضيم" عن إحداهما، فتحقيق ما تسعى إليه الترجمة ويسعى إليه المترجم أيضًا، في أن تكون الترجمة على أبلغ وأكمل وأتم وجه، هو أمر يتجاوزه. ومرد هذا القصور إلى تلك "البقايا من المعاني" التي لا تستعصي على اللغة المنقولة إليها فحسب، بل يكمن هذا الاستعصاء أيضًا في اللغة الأصل البعيدة هي بدورها عن استيفاء المعنى، فـ"لا بدّ في كل علم وعمل من بقايا لا يقدر الإنسان عليها، وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها"، كما يقول التوحيدي في معرض حديثه عن الترجمة العربيّة لحكمة اليونان.

الترجمة في السياق الثَّقافيّ الألمانيّ

أما الكلمة الألمانيّة التي تفيد الترجمة وتدل أيضًا على المجاز كما رأينا سابقًا فهي Übertragung، هناك أيضًا مصطلحات مثل  Sprachmittlung  أو Kulturmittlung بمعنى الوساطة اللغوية أو الثَّقافيّة، ولكن أكثر هذه المصطلحات تداولاً في اللغة العامة والمتخصصة - في أدبيات الدراسات الترجمية وغيرها من الحقول المعرفية قديمًا وحديثًا - هي مفردةÜbersetzenالتي تعني في القاموس الألمانيّ دودن: "نقل النص كتابةً أو شفويًّا وبأمانة إلى لغة أخرى" أو "تحويل شيء إلى شيء آخر". ولكن إذا استعملت هذه الكلمة مع وضع النّبر(Akzent) على المقطع الأخير في الكلمة، فتعني: "انتقال عبر مرْكِب من ضفة إلى أخرى". ومن هنا تأتي الصورة المجازية في الثقافة الألمانيّة التي تصف الترجمة بأنها إبحار وعبور، من يرغب في خوض غمار هذه الرحلة كما يقول الإخوان غريم، الباحثان اللذان اشتهرا في القرن 19 بجمع قصص وحكايات الأطفال، فعليه أن يعد العدّة ويجلب لمركبه البحارة المتمرسين ثم ينطلق راكبًا الأمواج وشراع مركبه عالٍ في السماء، قاصدًا بهمة وعزم الضفة الأخرى، التي تغطّي جنباتها تربة أخرى وتهب عليها نسمات أخرى47. الترجمة هي إذن حركة في المكان والزمان، انفتاح على عوالم جديدة وتغيير وتجديد، بل وأيضًا مغامرة ومجازفة48.

وفي وصف العلاقة بين النص الأصلي والنص الهدف ترد في السياق الثَّقافيّ الألمانيّ صورة مجازية أخرى يعود أصلها إلى الكاتب الأسباني ميغيل سيرفانتيس الذي قام - في معرض حديث دار بين بطل روايته دون كيشوت ومترجم - بوصف هذه العلاقة بأنها تشبه تلك الموجودة بين الجهة الخلفية والأمامية لسجاد49، فالزخارف الموجودة في الجهة الأمامية، يمكن التعرف عليها من الخلف، ولكن مع كثافة الخيوط تصبح هذه المهمة غير يسيرة. فالترجمة إذن كما جاء في هذه الصورة هي النظر إلى الأصل من الخلف، أي على نحو معكوس، وهنا تكمن صعوبة هذه العملية، فالإنسان كما قال شلايمخر: "لا يستطيع أن يتصور بجزم قاطع شيئًا ما خارج حدود (لغته)"50.

وباعتبار الترجمة مجازًا، هناك أيضًا صورة مجازية يقدمها الفيلسوف وعالم اللغة الألمانيّ فالتر بنيامين51 في حديثه عن اللغة والترجمة وطبيعتهما غير النهائية، وغير الكاملة، أو المجزأة، فتحدث عن قطع الوعاء المكسّر التي إن جُمعت شظاياه وأُلف بينها من جديد، فإنها لن تستطيع أن تعود بالوعاء إلى صورته الأولى، فلا يكفي في الترجمة نقل المعنى المعبَّر عنه صراحةً في النص الأصلي، المهم أن تكشف ما ظل خفيًّا فيه، ما يسعى النص الأصلي إلى تحقيقه، ذلك التكامل مع النصوص الأخرى في معانيها المشتركة العامة، وأن تتعدّى لغته ذاتها لتمسك بذلك الخيط الرفيع الذي يربط اللغات البشرية بعضها ببعض ويقود في منتهاه إلى اللغة الخالصة، لغة الحقيقة، التي يتوحّد فيها الجوهر بالباطن، لغة الوعاء في أصله الأول، البناء الكامل المكتمل. إذن فما النص الأصلي الذي وإن بدا كُلا، ليس إلا مقطعًا أو قطعةً52 تحمل في أحشائها بذرة تآلفِ أجزائها واكتمالها، والترجمة بالتالي هي تجزيء لا منتهٍ للمُجَزَّأ، بحثًا عن سبل غير نهائية لبناء النص الأصلي وتشكيل أو إعادة تشكيل وحدته بربط أجزائه داخل سياق تاريخي معين. فالترجمة تأليف ونظم للمعاني الممكنة داخل النص الأصلي، تمنحه صيغةً يتجاوز بها حدوده ويكشف عن علاقة القرابة التي تربطه أو تربط لغته بلغات أخرى. إن هذه المعاني الممكنة اللامتناهية داخل النص الأصل لا تتبلور وتتشكل وتتحقق سوى بالترجمة. وبنيامين يُعَرّف الترجمة أنها هيئة وبناء، والهدف من الترجمة أو من اللغة بشكل عام هو تجسيد للمعنى وهي ليست حاملاً له أو مُبلّغًا عنه فقط، فاللغة تتشكل فيها وعبرها الأشياء، فلا شيء يبدو موجودًا أو ذا هيئة خارج اللغة. والترجمة تتوق إلى خلق مجسَّم جديد من عناصر النص الأصل يكون له في الحالات المثلى نفس التأثير كما في اللغة الأصل.

وما يميّز النص الإبداعي عند بنيامين، أنه يسمو عن التبليغ والإخبار، ما هو جوهري في الشعر "ليس ما يقوله ويخبر عنه"، بل ما هو عصي عن الإدراك والفهم، والخفي عن الأبصار، ذلك الشعري الكامن في طبيعته الشعرية، وكذا بالنسبة إلى الترجمة، فدورها ليس نقل ما قيل وظهر في النص الأصلي، بل الترجمة ينبغي لها أن تتلمّس المعاني الخفية، وألا تكون فقط وسيطًا ناقلًا لظاهر النص الأصلي، بل فاعلةً فيه تحرك ما بداخل الفعل الإبداعي من إشعاع يتعدى حدوده النصية الظاهرة وتكشف عما خفي فيه. والعلاقة التي تربط الترجمة بالنص الأصلي هي علاقة من الداخل، علاقة طبيعية، علاقة حياة، فالنص الأصل القابل للاستمرار والتحوّل والتجدد، أي للحياة، يحمل معه سِرَّ استمراره في الحياة، في قراءاته، وفي ترجماته المختلفة.ظاهر النصوص، وما هو مدوّن ومكتوب يبدو ثابتًا وجامدًا، ولكن في الواقع اللغة والكلمات حية تتحرك ولا تركن للثبات، "فالكلمات أيضًا تنضج بعد قطافها"، فلغة الكاتب ولغة المترجم هما معًا في "حركة متواصلة". ليس القرّاء هم الذين يتغيّرون مع مرور الزمن، فتتغير قراءات النصوص، كما تفترضه نظريات الهيرومنطيقا (التأويل) أو نظريات استيطيقا التلقّي، بل في نظر بنيامين النصوص نفسها تتحوّل وتتجدد عندما تتحقق القراءات الممكنة داخلها، يعني قابليتها للترجمة، وارتباطها ببعضهما البعض ارتباطًا وجوديًّا. الترجمة تخرج من رحم النص الأصلي بعد فترة مخاض وآلام ومعاناة، فتولد وترى النور في لغة أخرى، وما الترجمة إلا تحقيق لما هو موجود في الإمكان في النص الأصلي، أي قابليته للتحوّل والتجديد، من أجل الاستمرار في الحياة وفي وجوده. فالعلاقة بين الترجمة والنص الأصلي علاقة " تبعية متبادلة" وعلاقة "قرابة"53 لا علاقة "مشابهة"، وما يترتب عن فعل الترجمة، يعنى عن كل حركة تماس وتفاعل بين اللغتين هو في حقيقة الأمر هو الكشف عن بعض جوانب أصل هذه القرابة، أي جوانب من اللغة البشرية الأولى، أصل كل اللغات، أو ما يسميها بنيامين "اللغة الخالصة"، ومهمة المترجم54 تكمن إذن ليس في النقل والوساطة، بل خدمة اللغات وفسح المجال لها لتتجاوز حدودها وتفردها، وتنصهر مع بعضها لتعود من جديد إلى أصلها الأوحد، إلى "اللغة الخالصة"، "اللغة المطلقة"، "اللغة المثلى والخالدة" بتعبير مالارمي. الترجمة خلاص، فالمترجم يحرر اللغة الخالصة من قبضة الغريب، من قبضة النص الأصل عبر تحويله وتجديده في لغة أخرى. 

الترجمة مثل المجاز تجعل المستحيل ممكنًا والبعيد الغامض الذي تكتنفه الأسرار قريب الإدراك وواضح المعالم، وتضع المألوف والغريب وجهًا لوجه، في الترجمة كما في المجاز تلاقٍ وتفاعل وتجاوز للحدود، وفك للعزلة وتحرر من الانغلاق وتجديد لروح الإبداع والابتكار.

 

الهوامش

1 الجرجاني، أسرار البلاغة (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988م)، 342-343.

2 سيبويه، الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، الطبعة الثالثة (بيروت: عالم الكتب، 1984م)، الجزء 1، 211.

3 ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار (القاهرة: المكتبة العلمية، دون تاريخ) الجزء 2، 442.

4 أسرار البلاغة، 286.

5 الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1984م)، 146.

6 للمزيد انظر: سيزا قاسم، "توالد النصوص وإشباع الدلالة: تطبيقاً على تفسير القرآن"، مجلّة ألف، عدد خاص، الهرمينوطيقا والتأويل، (1993)، 50.

7 عبد السلام بن عبد العالي، جرح الكائن (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2017)، 12.

8 ومع الأفعال والأسماء والنعوت الأخرى تفيد اللاحقة über معان أخرى مثل "التوكيد" و"المبالغة" و"تجاوز المطلوب" و"تخطي الحدود" و"السأم والملل" و"وضع غطاء على الشيء أو فوقه ". وإذا ما استعملت كأداة جر، فتدل على معان مثل "فوق، على، عن، أكثر أو أزيد من ...". للمزيد انظر:

 Duden، https://www.duden.de.

9 انظر كتاب الشعر لأرسطوطاليس:

Aristoteles, Poetik, Stuttgart: Reclam, 1982, 67.

10 انظر كتاب بلومنبيرغ حول نماذج عن علم المجاز:

Hans Blumenberg, Paradigmen zu einer Metaphrologie, Bonn: Bouvier, 1960.

11 انظر:

Paradigmen zu einer Metaphrologie, 20.

12 انظر:

George Lakoff and Mark Johnson, Metaphors we live by, Chicago: University of Chicago Press, 1980.

13 يقول هيرقليطس (نحو 520 – 460 ق.م) "بوحدة الوجود مثل فلاسفة ملطية، ويمتاز بشعوره القوي بالتغير، وأن الفكرتين لتستتبعان الشك حتمًا؛ فوحدة الوجود تعني أن شيئًا واحدًا بعينه هو الموجود، وأن ما عداه مظاهر وظواهر؛ والتغير يعنى أن كل موجود جزئي فهو كذا وليس كذا في آن واحد، أو هو نقطة تتلاقي عندها الأضداد وتتنازعها ...". للمزيد انظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية: السلسلة الفلسفية، الطبعة الخامسة (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1970م)، 19.

14 للمزيد انظر:

Werner Stegmeier (2014): "Fließen". In: Konersmann, Ralf (Hrsg.): Wörterbuch der philosophischen Metaphern, 3. Auflage, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 2014, file:///C:/Users/HP/Documents/Metapher-FAIR/2014Fliesen3.Aufl-Wörterbuch%20der%20philo-Metaphern.pdf.

15 المصدر نفسه.

16 Fließen in: Wörterbuch der philosophischen Metaphern.

17 المصدر نفسه.

18 المصدر نفسه.

19 المصدر نفسه.

20 انظر:

Nietzsche, Jenseits von Gut und Böse, 9. Auflage, München: Deutscher Taschenbuch Verlag, 2007, https://www.dtv.de/_files_media/title_pdf/leseprobe-30155.pdf.

21 نجد الصورتين المجازيتين لهرقليطس ونيتشه المذكورتين أعلاه في هذا المقطع المقتبس من الترجمة العربية لكتاب نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة: علي مصباح (كولونيا: منشورات الجمل، 2007)، 381-382:

"عندما تكون هناك صواري خشب فوق الماء، وعندما تكون هناك جسور وحواف ممتدة فوق النهر، فإنه لن يكون هناك من أحد ليصدّق من يقول: "كل شيء في الماء" [الأصل كل شيء في جريان]. بل سيعارضه حتى بليدو الذهن والمغفلون. "ماذا؟ سيقول المغفلون، كل شيء في الماء؟ لكن الأعمدة والحواف فوق النهر!". كل شيء ثابت فوق النهر، كل قيم الأشياء والجسور والمفاهيم، وكل "خير" و"شر": كل ذلك ثابت! "- لكن ليأت الشتاء مروّض الأنهار، وعندها سيتعلم حتى أكثر الناس فطنةً الريبة والحذر؛ والحق أقول لكم، لن يكون المغفلون وحدهم هم الذين سيتكلمون: "ألا ينبغي أن تكون كل الأشياء-ساكنةً؟". "كل شيء ساكن في العمق"-؛ إنه مبدأ شتويّ حقيقي، شيء جيد للزمن العقيم، عزاء جميل للمستسلمين للسبات الشتوي والقابعين حول المواقد. "كل شيء ساكن في العمق"-؛ لكن الريح المذيبة للجليد تكرز [تحدّث] بعكس ذلك! الريح المذيبة للجليد، ثوْرٌ ليس بثور نيْر وحراثة، - ثور هائج مدمّر يكسر الجليد بقرنين مستعرين حنقًا! لكن الجليد - يحطم المعابر. آه إخوتي، أليس كل شيء في الماء" فمن ذا الذي سيظل متمسكًا بـ"الخير" و"الشر" بعد؟" "الويل لنا! يا لسعادتنا! [يا لخلاصنا!] هي ذي الريح المذيبة للجليد تعصف الآن!" – لتكرزوا [لتحدّثوا] هكذا في كل الأزقة، يا إخوتي!". ملحوظة: التوضيحات الموجودة بين المعقوفتين هي من كاتبة البحث.

22 الترجمة العربية لمقطع القصيدة التي تحمل عنوان Dauer im Wechsel لكاتبة البحث. للمزيد انظر قصائد غوته المنشورة في موقع غوتنبرغ على الصفحة التالية:

 http://gutenberg.spiegel.de/buch/gedichte-ausgabe-letzter-hand-7129/80

23 عباس محمود العقاد، في بيتي (القاهرة: منشورات الهنداوي، 2013)، 7.

24 المصدر نفسه، 10.

25 دلائل الإعجاز، 5-6.

26 ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الخامسة (دار الجيل، 1981)، الجزء 1، 265. http://shamela.ws/index.php/book/10909

27 عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي، الطبعة الرابعة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر) 2007، 70.

28 بما أن الاستعارة والتشبيه والتمثيل والكناية، وغير ذلك هي مجاز، سيستعمل مصطلح المجاز في هذا البحث في معناه العام للدلالة على كل التصنيفات التي تندرج في بابه.

29 أسرار البلاغة، 30، (انظر كيليطو، الأدب والغرابة، 70-71).

30 الصورة المجازية في الخطاب الشعري العربي التي يشبَّه فيها الممدوح، صاحب النعمة على الشاعر، بالشمس مردها هذه المعاني وأخرى المرتبطة بالشمس. يقول النابغة الذبياني في معلقته التي يمدح فيها النعمان بن المنذر:

فإنكَ شمسٌ، والملوكُ كواكبٌ

 

 إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكب

31 الأدب والغرابة، 72.

32 أسرار البلاغة، 102، (انظر كيليطو، الأدب والغرابة، 72).

33 نصرت عبد الرحمن، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، 131، اقتبسه: كمال فواز أحمد سلمان، الشمس في الشعر الجاهلي، أطروحة جامعية (فلسطين، 2004)، 165.انظر:

http://mohamedrabeea.net/library/pdf/b7f1d47d-c058-4cbc-888a-5e566fc22ed7.pdf

34 يقول امرؤ القيس:

أَلا اِنعِم صَباحاً أَيُّها الرَبعُ وَاِنطِقِ

 

وَحَدِّث حَديثَ الرَكبِ إِن شِئتَ وَاِصدُقِ

وَحَدِّث بِأَن زالَت بِلَيلٍ حُمولُهُم

 

كَنَخلٍ مِنَ الأَعراضِ غَيرِ مُنَبِّقِ

جَعَلنَ حَوايا وَاِقتَعَدنَ قَعائِد

 

وَخَفَّفنَ مِن حَوكِ العِراقِ المُنَمَّقِ

وَفَوقَ الحَوايا غِزلَةٌ وَجَآذِرٌ

 

تَضَمَّخنَ مِن مِسكٍ ذَكِيٍّ وَزَنبَقِ

 

35 من معاني "حق" في لسان العرب "ثبت"، حَقَّ الأَمرُ: صار حَقّاً وثَبت.

36 كما قال ابن عطية في تفسير مطلع الآية 35 من سورة النور، " "ا???لله " ذ?و"نور السماوات والأرض " أي بقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول الملك نور الأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورًا هاديًا لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله لا رب سواه...". انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد (بيروت: دار الكتب العلمية، 2001)، الجزء 4، 183.

37 أسرار البلاغة، 33.

38 الحلاج، طاسين الفهم، "أفهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة، والحقيقةُ لا تليقُ بالخليقة، الخواطرُ علائق، وعلائقُ الخلائق لا تصل إلى الحقائق، الإدراكُ إلى علم ِ الحقيقة صعب، فكيف إلى حقيقة الحقيقة، وحق الحق وراء الحقيقة، والحقيقةُ دون الحق، الفراشُ يطيرُ حول المصباحِ إلى الصباح ِ، ويعود إلى الأشكال، فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعًا في الوصال إلى الكمال، ضوءُ المصباحِ علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حقُ الحقيقة، لم يرض بضوئهِ وحرارته فيلقي جملتهُ فيه...". للمزيد انظر: قاسم محمد عباس، الحلاج، الأعمال الكاملة (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002).

39 استعملت صورة النور والفراشة في الشعر الفارسي، وانتقلت إلى الأدب الألماني، فنجدها خاصةً في أشعار فولفغانغ فون غوته التي ضمّها إلى ديوانه الغربي الشرقي، وبشكل جلي في قصيدته " Selige Sehnsucht" (حنين مبارك). للمزيد انظر:

Johann Wolfgang Goethe, Der West-östliche Divan, 2. Auflage, München: Deutscher Taschenbuch Verlag (Gesamtausgabe 5), 1971.

40 أسرار البلاغة، 34.

41 ابن منظور، لسان العرب، http://www.baheth.info/

42 انظر مثلاً لاكوف وجونسون، Metaphors we live by

43 أسرار البلاغة، 32.

44 الذي يعرفه قاموس اللغة الألمانية دودن، DUDEN، بكونه "الترجمان في الشرق الأوسط الذي يشتغل مرشدًا محليًّا للغرباء".

45 انظر: بن عبد العالي، "بأي لغة يكتب أصحاب الألسنة المفلوقة؟ كيليطو نموذجًا" في كتابه، جرح الكائن، 27-31.

46 انظر:

Ingrid Kurz, "Das Dolmetscher-Relief aus dem Grab des Haremhab in Memphis : Ein Beitrag zur Geschichte des Dolmetschens im alten Ägypten". In: Babel 32, Nr. 2 (1986) 73-77.* ملحق صورة

 

47 ورد هذا النص الشهير لياكوب غريم في محاضرة له بأكاديمية العلوم ببرلين في 21 أكتوبر 1847 تحت عنوان "عن الحذلقة في اللغة الألمانية " ("Über das pedantische in der deutschen Sprache")، تعرّض فيها للنقد لأسلوب الترجمة الذي كان سائدًا آنذاك في العصر الرومانسي في الترجمات الألمانية لأعمال شكسبير وهمروس، أسلوب يُكْرِه اللغة الهدف على الميل والانحراف لتكون أمينةً للنص الأصل، مما يفقد النص الهدف إشعاعه الجمالي، ينبغي -حسب غريم- أن يقبل المترجم أن عالم النص الهدف، له تربة أخرى وتهب عليه نسمات أخرى. ويقول في صورة مجازية أخرى: "إن الترجمات الصارمة تكلف نفسها عناء نسج رداء على نحو مماثل للأصل وبدقة مغرقة في التفاصيل، وتظل مع ذلك خلفه، لا تصل إلى مرتبته، فالنص الأصل ينصهر فيه المعنى والمبنى على نحو طبيعي، دون تكلف".

وشعار "الترجمة عبور إلى الضفة الأخرى"، traducere navem -الذي يعني حرفيًّا في اللغة اللاتينية "إبحار بالسفينة إلى الضفة الأخرى"-مازال يستخدم حديثًا، ففي الكتاب الذي صدر لإحياء ذكرى عيد ميلاد كاترينا رايس السبعين تحت عنوان "الترجمة عبور إلى الضفة الأخرى" للناشرتين هولتس-منتري وكريستيان نورد سنة 1993، وأيضا بالنسبة إلى كتاب إحياء ذكرى ميلاد كريستيان نورد الستين تحت عنوان "الترجمة وصول إلى ضفة أخرى" traducta navis، ما يعنى حرفيًّا "لقد عَبَرَتْ السفينة"، للناشرين نورد وشميت سنة 2003. للمزيد انظر:

Hans J. Störig (Hrsg.), Das Problem des Übersetzens, Stuttgart: Henry Goverts Verlag, 1963, 11.

48 انظر نايدا وتابر (1982) اللذين شبّها بدورهما الترجمة أنها اجتياز لمعبر على النهر، فيقولان ما معناه:"ينبغي المشي على ضفة النهر صعودًا ونزولاً حتى تجد مكانًا منخفضًا يسمح باستخدامه معبرًا للنهر"، وهذه العبارة تدل على أن الترجمة بمثابة انتقال من ضفة إلى أخرى، أي من لغة إلى أخرى. لا يمكن أن يتم هذا العبور بسلام فوق عمق مياه النهر، فينبغي اختيار موضع يقترب فيه السطح من قاع النهر، أي موضع تعود فيه البنى السطحية المعقدة إلى مقابلاتها من بنى عميقة بسيطة، إذا ما استعملنا مصطلحات النحو التوليدي في وصف اللغة. للمزيد:

Eugene A. Nida and Charles R. Taber, The Theory and Practice of Translation, Leiden: E. J. Brill, 1982, 34.

49 هذه الصورة المجازية تذكرنا بأصل كلمة نص في اليونانية واللاتينية التي يدل معناها المعجمي على "النسيج" (Textus) والتي اشتقت منها اللغات الأوروبية مفرداتها التي تدل على النص.

50 Das Problem des Übersetzens, 43.

51انظر كتاب فالتر بنيامين، في اللغة على الإطلاق وفي اللغة البشرية:

Walter Benjamin, "Über Sprache überhaupt und über die Sprache des Menschen", In : Gesammelte Schriften, vol. II-1, Frankfurt a.M. : Suhrkamp, 1991, 140-157.

52 عرف مفهوم Fragment "المقطع أو القطعة" أو "الجزء" الذي كان يدل في العصر القديم، في اللغة اللاتينية على قطعة من الأشياء المادية مثل الخشب أو الخبز، أو بقية من بقايا من وحدة أصبحت قطعًا وأجزاءً، ولكن في بداية عصر الرومانسية، في القرن الثامن عشر، أصبح هذا المصطلح يعني بقيةً أو قطعةً من كُلٍّ، تَفَكّك وأصبح قطعًا، أو قطعةً في طور التشكل والاكتمال الذي قد يتحقق أو لا يتحقق. وهكذا تخلت نظريات حول الفن والفلسفة والأدب في القرن التاسع عشر والعشرين عن النظر إلى مفهوم "القطعة" كنقيض "للكُل" وركزت على دوره في المعرفة والتعبير عن الوجود اللامتناهي الذي لا يمكن التعبير عنه بشكل تام، بل بالإشارة إليه فقط. للمزيد انظر إيبرهاد أوستمان في مقالته "مفهوم الجزء كصورة مجازية تأسيسية في الحداثة الاستطيقية":

Eberhard Ostermann, "Der Begriff des Fragments als Leitmetapher der ästhetischen Moderne", http://www.goethezeitportal.de/db/wiss/epoche/ostermann_fragment.pdf>.

53 في المنهج الوظيفي للترجمة تصف كريستيان نورد العلاقة بين النص الأصلي والنص الهدف بأنها صلة وقرابة، وليست تكافؤًا وتعادلاً كما دأبت النظريات ذات التوجه اللساني أن تصفها. انظر نورد:

Christiane Nord, Funktionsgerechtigkeit und Loyalität:Theorie, Methode und Didaktik des funktionalen Übersetzens, Berlin: Frank & Timme Verlag, 2011.

54 انظر مقالة فالتر بنيامين، "مهمة المترجم":

Walter Benjamin: "Die Aufgabe des Übersetzers", In: Gesammelte Schriften, Bd. IV. 1, Frankfurt/M.: Suhrkamp, 1972, 9-11.

 

المراجع العربيّة

ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، القاهرة، المكتبة العلمية، دون تاريخ، الجزء 2.

ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الخامسة، دار الجيل، 1981، الجزء 1.

ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، 2001، الجزء 4.

بن عبد العالي، عبد السلام، جرح الكائن، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2017.

الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988.

الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود شاكر، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1984.

سلمان، كمال فواز أحمد، الشمس في الشعر الجاهلي، أطروحة جامعية، فلسطين، 2004.

سيبويه، الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، الطبعة الثالثة، بيروت، عالم الكتب، 1984، الجزء 1.

عباس، قاسم محمد، الحلاج، الأعمال الكاملة، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2002.

العقاد، عباس محمود، في بيتي، القاهرة، منشورات الهنداوي، 2013.

قاسم، سيزا، "توالد النصوص وإشباع الدلالة: تطبيقًا على تفسير القرآن"، مجلّة ألف، عدد خاص، الهرمينوطيقا والتأويل، 1993.

كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، السلسلة الفلسفية، الطبعة الخامسة، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1970.

كيليطو، عبد الفتاح، الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربيّ، الطبعة الرابعة، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2007.

نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة: علي مصباح، كولونيا، منشورات الجمل، 2007.

المراجع الأجنبية

Aristoteles (1982): Poetik. Stuttgart: Reclam.

Benjamin, Walter (1991): „Über Sprache überhaupt und über die Sprache des Menschen", In: Gesammelte Schriften, vol. II-1, Frankfurt a.M.: Suhrkamp.

Benjamin, Walter (1972): „Die Aufgabe des Übersetzers". In: Gesammelte Schriften. Bd. IV. 1. Frankfurt/M.: Suhrkamp. 9-11.

Blumenberg, Hans (1960): Paradigmen zu einer Metaphrologie. Bonn: Bouvier.

DUDEN:https://www.duden.de/

Goethe, Johann Wolfgang (1971): Der West-östliche Divan.2. Auflage. München: Deutscher Taschenbuch Verlag (Gesamtausgabe 5).

Kurz, Ingrid (1986): „Das Dolmetscher-Relief aus dem Grab des Haremhab in Memphis : Ein Beitrag zur Geschichte des Dolmetschens im alten Ägypten". In: Babel 32, Nr. 2 73-77.

Lakoff, George / Johnson, Mark(1980): Metaphors we live by. Chicago: University of Chicago Press.

Nida, Eugene A. / Taber, Charles R. (1982): The Theory and Practice of Translation. Leiden: E. J. Brill.

Nietzsche (2007): Jenseits von Gut und Böse. 9. Auflage. München: Deutscher Taschenbuch Verlag. https://www.dtv.de/_files_media/title_pdf/leseprobe-30155.pdf.

Nord, Christiane (2011):Funktionsgerechtigkeit und Loyalität:Theorie, Methode und Didaktik des funktionalen Übersetzens. Berlin: Frank & Timme Verlag.

Ostermann, Eberhard: „Der Begriff des Fragments als Leitmetapher der ästhetischen Moderne":. http://www.goethezeitportal.de/db/wiss/epoche/ostermann_fragment.p

Stegmeier, Werner (2014): „Fließen". In: Konersmann, Ralf (Hrsg.): Wörterbuch der philosophischen Metaphern. 3. Auflage. Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft.

file:///C:/Users/HP/Documents/Metapher-FAIR/2014Fliesen3.Aufl-Wörterbuch%20der%20philo-Metaphern.pdf.

Störig, Hans J. (1963): Das Problem des Übersetzens, Stuttgart: Henry Goverts Verlag.

http://mohamedrabeea.net/library/pdf/b7f1d47d-c058-4cbc-888a-5e566fc22ed7.pdf

فدوى الشعرة
فدوى الشعرة
أستاذة في قسم الترجمة (عربي-ألماني-فرنسي) بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة التابعة لجامعة عبد المالك السعدي بطنجة. تتركز مجالات اهتمامها في الترجمة والمصطلحات والدراسات اللغوية والثقافية، خاصة في اللغتين العربية والألمانية.