الترجمة والتبعيَّة في الثقافة العراقيَّة

2020-02-23
الترجمة والتبعيَّة في الثقافة العراقيَّة

يتناول هذا البحث مسألةً شائكةً وراهنةً وهي: التبعيّة الفكريّة العربيّة الحديثة للغرب، ويتخذ من الثقافة العراقية دراسةَ حالة، منذ بداياتها الحديثة بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، منتخبًا حالاتٍ كان للترجمة فيها دورٌ واضح، تمثّلت في سجالاتٍ أيديولوجيةٍ وفكريةٍ شهدتها عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وصولًا إلى خطابات ثقافية جديدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لا شك في أنَّ الشرطَ العربيَّ من حيث علاقتُه بالغرب واحدٌ تقريبًا، لكن تبقى لكلِّ بلد عربي خصوصيته المحلية ضمن هذا الشرط العام من جهة تاريخه الوطني السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وربما أيضًا شخصيته الثقافية، ومن جهة تلقيه للمؤثّرات الأجنبية واستجابته لها. ويسلِّط البحثُ الضوءَ على نوعيةِ الترجمات التي انتخبتها تلك الخطابات في مقاومتها للمستعمِر، وفي صراعاتها البينيّة. والفكرة الأساسية في هذا البحث هي أنّ التبعيّةَ الفكريةَ نتيجةٌ لازمةٌ عن التبعية الاقتصادية والسياسية. وعلى وفق ذلك يمحِّصُ البحث فكرةً سائدةً ترى أنَّ الترجمة حوار.

فقدَ العراق اكتفاءه الاقتصادي الذاتي بدخوله في اقتصاد السوق الرأسمالي منذ العام 1869 تقريبًا، عام افتتاح قناة السويس. فخرجت، وزادت صادراته من السوق المحلية إلى السوق الأوروبية، ولا سيما البريطانية، ورافقت ذلك زيادة في وارداته، فتقيد بهذه السوق، وأمسى تابعاً لها1. حدث ذلك في وقت لم يكن العراقيون أنفسهم يمثّلون جماعةً سياسيةً موحدةً2. وهذا شيء متوقع وطبيعي، فلقد ظل العراق تابعًا طوال أربعة قرون للدولة العثمانية، وكانت ولاياته الثلاث، بغداد والبصرة والموصل، مهملةً، ولم تشهد نوعًا من الاهتمام إلاّ في زمن حكم مدحت باشا. أمّا من الناحية الفكرية فكانت الهيمنة فيه للمثقفين من رجال الدين، في مساجدهم ومدارسهم التقليدية3.

طرأ تحوّل في مجريات الأمور، وكان ذلك في 23 تموز عام 1908 حيث أُعلن الدستور العثماني، وكان لذلك أثره البيّن في العراق. فظهرت الجرائد والمجلات والآراء الحرة، ويعبّر المؤرخ عباس العزاوي (1890-1971) عن ذلك بقوله: "وتنبّهت الأفكار فعلمنا الشيء الكثير، والتفتنا إلى ما لم نكن نحلم به أو نهتم له ... فخبرنا ما في العالم من أحداث أدّت إلى ما يزيل الغفلة ... فكأن التاريخ تجمعت عصوره في هذه السنين، زاد المطالعون، وكثر القرّاء، وانتشرت الجرائد والمجلات، وزادت المدارس"4. بظهور الصحافة امتلك المثقف الجديد صوتًا وسلطةً جديدةً ولكنها محدودةً5. "وشهدت المرحلة بواكير حركة ترجمة من اللّغات الأجنبية. وكانت الفرنسية أهمَّ لغة ترجم عنها المثقفون العراقيون. فقد ترجم ليون لورنس إحدى روايات فيكتور هوجو. كما ترجم أنستاس الكرملي روايةً عن الفرنسية. وفي الفترة ذاتها ظهرت للرصافي ترجمة لرواية الرؤيا لنامق كمال طبعت في بغداد في العام 1909"6.

ولكنها بالتأكيد كانت حركةً محدودةً جدًّا، بل حتى لا يمكن وصفها بالحركة. وظل الوعي الثقافي العراقي في تلك الفترة، كما يقول توفيق السويدي (1891-1968)، ضعيفًا مقارنةً حتى بأقرانه من الدول العربية، سوريا مثلًا7. وكان بعضهم يشكو من ضعف لغته العربية، يقول طه الهاشمي وهو يتناول سيرته في العام 1919: "لعمري لو كان لي إلمام في العربية لبذلت جهدي لهذا، ولصرفت عمري في الترجمة من دون جزاء ولا مكافأة"8. "وبعد أن كانت مصادر المثقفين في زمن الدولة العثمانية اللّغتين التركية والفارسية صاروا يعتاشون على ما تجود به عليهم المطابع المصرية، وكانت "مصر كأنها الواسطة الفكرية ودار التعريب بين أوروبا والبلاد العربية"9.

أعقبت التبعيةَ الاقتصادية للغرب تبعيةٌ سياسية، فعزّزت هذه تلك. بعد الاحتلال البريطاني للعراق في أثناء الحرب العالمية الأولى، انتقل العراق سياسيًّا من التبعيّة العثمانية إلى التبعيّة البريطانية10. ومن هذه التبعيّة نشأت الدولة العراقية الحديثة، فحددت بريطانيا نوع النظام السياسي، وشخصية الحاكم، وأقامت جميع مؤسسات الدولة وأشرفت عليها، بما في ذلك، بل في مقدمة ذلك، الجيش نفسه. ولأجل ذلك يستنتج إريك دافيس: "لا غرابة في أن تتسبب هذه التبعية في أن يلوّح الغربُ على نحو أعظم مما هو عليه في أذهان العديد من العراقيين المتأثرين بهذه الروابط الاقتصادية الجديدة"11. وانسجامًا مع هذه الروابط الجديدة، ترجم سليمان نظمي، أحد أفراد النخبة المثقفة والسياسية "القانون الأساسي الأمريكي والقانون الأساسي الفرنسي" من أجل "إطلاع المثقفين على قوانين أساسية لدول ديمقراطية، ليتسنّى لهم إبداء الرأي في القانون الأساسي العراقي المزمع إقراره آنذاك"12.

أدّى استحكام هاتين التبعيتين (الاقتصادية والسياسية) إلى تبعية فكرية، أو بتعبير آخر: مثلما فقدَ العراق استقلاله الاقتصادي بدخوله فلك السوق الرأسمالي، والسياسي بوقوعه تحت الاحتلال البريطاني، فقدَ للشرط نفسه استقلاله الفكري بدخوله سوق الأفكار والأيديولوجيات الغربية اليمينية واليسارية. وصارَ العراق تابعًا في جميع المجالات. ولكن ليس من دون مقاومة، وكانت المقاومة الفكرية والثقافية إحدى أشكالها. بيدَ أنَّ ثمةَ مفارقةً في هذا المفصل التاريخي وهي: أنّ الغرب الإمبريالي كان "هو أيضًا الغرب المثقف، وإلى حد كبير المصدر الذي ينبغي الرجوع إليه،" بحسب عبارة جاك بيرك13. والسبب في الرجوع إلى هذا المصدر أنَّ هذه المقاومة الثقافية أرادت التحرّر من تبعية أخرى وهي: التبعية للثقافة التقليدية المحلية التي هيمنت على الحياة الاجتماعية قرونًا طويلة. فكانت وجهة التحرّر وجهتين: التحرّر من التبعية الغربية، والتحرّر من التبعية للتقليدي المحلي. وبدا المثقف الجديد عاريًا وضعيفًا أمام هيمنة استعمارية جبارة سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا من جهة، ومفتقرًا لفكر محلّي يحصّنه في مواجهة تلك الهيمنة. فكانت ثمة صدمة: عانى أغلبية المثقفين من الصدمة التي أحدثها الاستعمار، ومن فداحة البون الشاسع بين مستعمِر يعيش زمن الحداثة، وواقع محلي كان ما يزال راسفًا في زمن القرون الوسطى. التصادم بين هذين الزمنين ولّد ردود أفعال ليست متباينةً فيما بينها فحسب، بل كان كلُّ واحد منها يتخذ من هذه الحداثة التي جلبها معه المستعمِر نفسه نموذجًا يحاكيه للخروج من زمنه القروسطي، ولمقاومته أيضًا. واختلفت بالطبع آليات الاستعارة والمحاكاة والمقاومة ووجهاتها. كان المثقف العراقي آنذاك كمن أُسقط في يده، فكانت طموحاته وآماله العريضة أوسع من قدراته، لقد كانت يوتوبياه أوسع من ممكناته. وتواشج الخياران، أو الموقفان، المعرفي والسياسي في وحدة متنافرة: فالتجديد أو التحديث أو النهضة خطاب حمله المستعمِر نفسه.

ومع ذلك، أراد المثقفون العراقيون أن يختاروا، واختلفوا في اختياراتهم. وفي مسألة الترجمة، ميّز المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني (1903-1997) بين حقول معرفية نافعة وأخرى ضارّة، أو بعبارات اليوم التمييز بين الكونية والخصوصية. في مقال كتبه في العام 1929 بعنوان "التعريب أم التأليف؟ أيّهما أنفع للشرق في نهضته الحاضرة؟،" يوزّع فيه مهمات الترجمة والتأليف بحسب الحاجة: "إنَّ الشرق في نهضته الحاضرة، مفتقر ومحتاج إلى تعريب كتب الفن [العلم]. أما تعريب كتب الآداب والروايات والترهات، فخطر عظيم على الشرق ... فيجب أن يقتصر [التأليف] على الثقافة الأدبية لأنها الواسطة الوحيدة التي تنمي الشعور وتربي الإحساس"14.

بيد أنَّ هذا الاطمئنان الواثق، الذي غمرَ الحسني، لم يقنع كثيرين؛ لأنّ ما بدا له مجرد "ترّهات" كان آخرون يرونه ضروراتٍ للنهضة والإصلاح، أمّا الفلسفات والمِلل والنِّحل العربية والإسلامية التي وجدها كافيةً وتغني عن كلِّ غريب جديد، وجدها آخرون أسبابًا للتأخر والتخلّف والضعف. لم يكن رأي الحَسني لينسجم مع تطلعات نخبة جديدة من المثقفين عاصرته زمانًا، ولكن افترقت عنه رؤيةً ومنهجًا.

قبل تأسيس الدولة العراقية بسنوات قليلة بدأت تتشكل نخبة ثقافية في فترة يسمّيها بعضهم الفترة التكوينية formativeperiod فكانت فترة "تجديد"15، أو "نهضة"16. وهي الفترة "التي تقدم مصادر وأصول أغلب الأفكار التي ذاعت وانتشرت في الأعوام التالية"17. وشهدت عشرينيات القرن العشرين بواكير تيارات أيديولوجية سياسية سوف تسم بعد ذلك الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في العراق. وكانت تتوزع بصورة عامة بين القومية العربية، واليسارية؛ وكلُّ واحدة منهما سوف تتشكل من ضفائر متنوعة، وطرأت على كلِّ واحدة منهما تطورات ضافية. ولكن كان هناك شبه انقطاع بين هاتين الأيديولوجيتين، ودخلتا معترك صراع كان أحيانًا كثيرةً صراعًا مريرًا. وسعت كلُّ واحدة منهما إلى ترصين أسسها الأيديولوجية ليس بوجه الكولونيالية البريطانية فحسب، بل كذلك في مقابل إحداها الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنهما كانتا تغرفان من مصادر أجنبية لتمتين خطابيهما، وشرعنة مزاعمهما.

في عام 1924 تكوّنت أول جماعة ماركسية في العراق، بادر إلى تأسيسها ولمّ شملها حسين الرحّال (1901-1981)، الذي يعد أوّل ماركسي في العراق، وكان هدفه إشاعة الاشتراكية العلمية في البيئة العراقية18. وتكمن فرادة حسين الرحّال في أنّه كان يجيد عدة لغات: الألمانية والإنكليزية والتركية والفارسية إلى جانب العربية طبعًا، في جماعة لا يجيد إلا بعضهم لغات أجنبية، وكان أغلب المتلقين المفترضين لهذه الأيديولوجيا الجديدة لا يعرفون لغةً أجنبية، فضلًا عن أنّه لم تكن هنالك في العشرينيات أدبيات اشتراكية مترجمة إلى اللغة العربية19.

وكان محمود أحمد السيّد (1903-1937)، الذي يوصف بأنّه أول روائي عراقي، أحد أفراد هذه الجماعة. وفي عام 1922 أرسل السيّد رسالة إلى الصحفي والأديب اللبناني نقولا حدّاد، ولأهمية هذه الرسالة في سياق هذا البحث ودلالتها أوردها كاملة:

الرفيق نقولا حداد: نحن - أهل العراق - في معزلٍ عن العالم، لا صلةَ لنا بالأقطار الراقيّة إلّا من جهة واحدة هي برقيات - رويتر - والحمد لله. أمّا العلم فليس لنا منه إلّا الفضلات، نريد أن نصير اشتراكيّين متعلّمين، فلا نرى كتابًا في ضالتنا المنشودة، وكتابك عن الاشتراكية وهو أندر عندنا من الكبريت الأحمر قرأته وقرأه أصحابي فاستفدنا منه شيئًا، ثم سألنا عن اشتراكية سلامة موسى فلم نجدها كافيةً، ثم سألنا عن غير ذلك مكتباتنا العامرة فما ظفرنا بشيء. اضطررنا إلى مخابرة أصحاب "اللومانيتيه" في فرنسا فأرسلوا لنا بعضًا من كتبهم وكتلوجاتهم، ولكن هذه المطبوعات بقيت خاصة لقرّاء اللغة الفرنسية، أما بقية أصحابنا قرّاء العربية، فبقوا فاتحين أفواههم إلى الهواء. مساكين لا الوقت ساعدنا على ترجمتها ونشرها لهم ولا العربية، داعين بها عربية مصر، مطمح أنظار القوم، تجود علينا بشيء من هذا القبيل، إذن فما العمل؟ هلاّ خطر ببالك أن تكتب أو تترجم للعربيّة شيئًا عن كتب الاشتراكيّة - العصرية - تبيّن لنا أنظمتها وأساليبها بالحكم والإدارة ونبذة عن تاريخها قبل ثورتها وبعدها؟ أو هل يمكنك أن تعلمنا عن أسماء كلّ الكتب التي كُتبت بشأنها أو تُرجمت إلى العربيّة؟20

وبعد نيّف وخمسين عامًا يعلِّق الباحث عامر حسن فياض على هذه الرسالة بقوله: "إنّ هذه الرسالة لتدلُّ على التطلع الواعي، لدى المثقفين العراقيين، نحو معرفة جديدة على الدوام وعلى الحركة الدائبة للحصول على ما ينمي هذه المعرفة ويطورّها"21. وفي الحقيقة يمكن أن ننظر إلى هذه الرسالة من زاوية نظر أخرى ترى فيها نوعًا من"التبعية" الفكرية. فالرسالة تظهر حماسةً طاغيةً وأملًا في تبنّي الاشتراكية فلسفةً وتوجهًا ثقافيًّا وحياتيًّا، أو حتى هويةً، قبل معرفة كنهها. لقد كان ذلك الزمن هو زمن البحث عن هويةٍ تقاوم المستعمِر والثقافة السائدة معًا. وما من مصدرٍ مرجوّ يمكن أن يوفر مقوّمات هذه الهوية غير الغرب نفسه! إنَّ هذا النزوع لتبنّي الاشتراكية حتى قبل معرفتها معرفةً وثيقةً، وفي أحسن الأحوال معرفتها عن طريق الترجمة، هو ردّ فعل على سوء الأوضاع الاجتماعية والفكرية ويأس منها، ونتيجة صدمة ثقافية عاشها المثقف العراقي آنذاك. وتُظهر رسالة السيّد أيضًا، أنّ الاشتراكية التي كان العراقيون يتلقونها من كتابات سلامة موسى قبل ذاك لم تعد كافيةً لمواجهة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي خلقته الإمبريالية البريطانية؛ لأن سلامة موسى كان، على حد تعبير رفعت السعيد، "مجرد داعية، رجل يقول كلمته ويمشي، يؤمن بالاشتراكية لكنه فابي، فالاشتراكية سوف تنتصر لا بالنضال ولا بالثورة ... وإنما بنشر التعليم وتحرير المرأة وتنظيم الزواج والعمل من أجل تحسين النسل وإقامة الحرية الفردية"22. واشتراكية كهذه ما كانت لتقنع جماعة الرحّال الطامحين بالتغيير العاجل. فلا سلاح يواجه الاستعمار إلا نقيضه، حتى وإن كان نقيضه غربيًّا، ولا غرابة في ذلك. فالغرب صار الآن يمثل مصدر كل ما يحتاج إليه "المثقف الثوري التحرّري الحديث". إنَّ الركون إلى الاشتراكية اندماجٌ قسري في "زمان غربي" بات يبسط هيمنته على العالم شيئًا فشيئًا. كانت الاشتراكية، التي تعلَّمها حسين الرحّال في ألمانيا، قد غدت تؤسس في نموذجها السوفييتي ما يمكن تسميته "نظامًا عالميًّا جديدًا" يقف بوجه الرأسمالية الإمبريالية، وتوفر أساليب لفهم منطق الرأسمالية نفسه، وسبل مقاومته.

وهذا التوجه الفكري الجديد هو الذي كان يثير، مثلما رأينا، قلق عبد الرزاق الحسني وآخرين ممّن آثروا الانتقائية في الاستعارة من الغرب بما لا يمس "الهوية الأصلية". وفي كلتا الحالتين، كان الغرب قد فرض نفسه، وصار طرفًا في معادلة لا تتيح للعرب والمسلمين خيارًا آخر إلّا التعامل معه كرهًا أيًا كانت درجة هذا التعامل ونوعيته.

انفرط عقد جماعة الرحّال، وآثر بعضهم رفقة آخرين، في بداية الثلاثينيات تأسست جماعة جديدة، سمّيت جماعة الأهالي. وفي الثّاني من كانون الثّاني عام 1932 صدر العدد الأوّل من جريدة حملت اسم الأهالي، وتُرصد مؤثرات كثيرةً على فكر الجماعة، أهمّها الاشتراكيّة الفابيّة، والليبرالية، أو الماركسيَّة. وانسجامًا مع بعض هذه المؤثرات، ترجم عبد الفتاح إبراهيم (1904-2003) كتاب التربية والتعليم في الاتحاد السوفيتي، وبدأ بنشره ابتداءً من العدد الثالث من أعداد جريدة الأهالي. ويقول عن غايته من ترجمة هذا الكتاب: "والذي حملنا على ذلك أن قرّاء اللغة العربية يطالعون الكثير عن طرق التربية الأمريكية والإنكليزية والفرنسية وغيرها فنرى أن يطّلعوا أيضًا على نظم التربية في روسية التي سلكت طرقًا حديثةً طريفةً في التعليم المنتج بين الشعب"23. صار العراق، بمقتضى هذه الشهادة، ساحةً لتوجّهات فكرية من مصادر متباينة ومتعددة، وتعددت، من ثمّ، طرق الاستعارة، كل واحدة بحسب تفضيلاتها الأيديولوجية.

وكان لتجارب الاتحاد السوفييتي في التصنيع الاشتراكي، على سبيل المثال، وقعها البليغ في عقول المثقفين اليساريين. "فترجمَ في تلك الفترة عبد الكريم الشيخ علي كتابًا سوفيتيًّا بعنوان موسكو لها خطة، تأليف إيلي، م. وهذا اسم أدبي لأديب سوفيتي كبير كان يكتب للأطفال. والكتاب يصور بناء الاشتراكية بصورة ملهمة تلهب الخيال. وقد نُشر الكتاب بادئ الأمر تباعًا في جريدة الاستقلال البغدادية، ثم نُشر في كتاب على حدة، وكان أول إصدار مهم عن البناء الاشتراكي في العراق"24.

أنتجت التوجهات اليسارية بعد ذلك تجربةً سياسيةً منظمةً تمثلت في تأسيس حزب جديد سيكون له الحضور الأبرز في الثقافة والحياة السياسية في العراق لعقود طويلة، وهو الحزب الشيوعي العراقي، الذي تأسّس عام 1934. وجسّدت سياسات هذا الحزب مفارقةً فاقعةً: فوطنيته التي لا ريب فيها وحماسه لتغيير الواقع الاجتماعي، والتصاقه بالعمّال والفلاحين، ودفاعه المستميت عن العدالة الاجتماعية رافقتها تبعية حَرفية للسياسات السوفييتية. وهي تبعية ستقوده هو نفسه إلى مصير مميت بسبب التحالفات السياسية بين الحكومات العراقية، الجمهورية على نحو خاص، والاتحاد السوفييتي، وهي تحالفات قامت في الأساس على المصالح المتبادلة. كان الشيوعيون العراقيون في بداية مسيرتهم النضالية والفكرية يواجهون عائقًا أساسيًّا وهو محدودية تثقيفهم النظري. ويروي زكي خيري (1911-1995)، أحد قيادات الحزب الشيوعي العراقي، حكاياتٍ عن كيفية تعلمه الإنكليزية، رغم كرهه لها، فهي لغة المستعمِر، من أجل الاطلاع على الأدبيات الماركسية. ويحكي أيضًا عمّا يمكن أن نسميه "مشروع ترجمة ولكن في السجن". فلقد أمضى عقد الخمسينيات من القرن العشرين سجينًا صحبة رفاق كثيرين، من مختلف الأديان، والمهن، والمستويات العلمية، تجمعهم الفكرة الشيوعية. يكتب:

"ترجمنا في السجون العديد من كتب ماركس وأنجلس ولنين ولمؤلفين ماركسيين آخرين. واستنسخنا المئات من الدفاتر عنها ليقرأها السجناء السياسيون ونسخًا مصغرةً على ورق رقيق أرسلناها للحزب ... أقبل الرفاق على مطالعة المواد المترجمة بينهم، وانطلقت المناقشات الحامية وحتى المشادات حول الديالكتيك وقضايا الثورة. وكان للغة الترجمة تأثيرها على أساليب الرفاق اللغوية في الكتابة والخطابة. وقد ساعدت على إعدادهم كمنظمين ودعاة وكتّاب وخطباء سياسيين أو دبلوماسيين"25.

إنَّ هذا التعدد والتنوع في المصادر الأجنبية للفكر والثقافة في العراق الجديد، هو الذي حدا بالباحثة أوريت باشكين في كتابها عراق آخر (The Other Iraq) إلى وصف الوضع الثقافي في العراق في العهد الملكي بالهجين26. وهذا التوصيف الذي تحتفي به هذه الباحثة هو بالضبط ما كان يثير حساسية، بل وفزع، نخبة مثقفة أخرى، تتبنى الأيديولوجيا القومية. كانت الدولة قد استعانت بأيديولوجيين من ذوي التوجه القومي لبناء مؤسساتها الأيديولوجية، التربية والتعليم، وعلى رأسهم ساطع الحصري (1880-1968)، وهو "واحد من أصرح دعاة القومية العربية العلمانية"27. وكان الحصري قد بلور مفهومَه عن القوميّة أو الأمّة عَبر مناقشات مطوّلة لأغلب النظريّات القوميّة، فتبنّى، من الإيطالي جيوزيبي ماتزيني، فكرةَ أنّ الأمّة مجتمعٌ طبيعي، وليست مجرّد جماعة تكوّنت بالاتفاق أو التخطيط المسبق28، ومن الفيلسوف الألماني يوهان فيخته تشديده على اللغة عنصرًا مكوّنًا للأمّة29، ولكنّه بالمقابل رفض رأي إرنست رينان القائل إنّ الإرادةَ أو المشيئةَ عنصرٌ من عناصر الأمّة30. وفصلَ الحصري بين القومية والدين، وكرَّس هذا الفصل في نظام التربية والتعليم. ففي الشؤون السياسيّة يجب أن تتقدمَ الروابطُ القوميّة والوطنيّة على الروابط الدِّينية، لأنّ هناك مسلمين ليسوا عربًا، وعربًا ليسوا مسلمين، فضلًا عن أنّ الدين انحلّ إلى طوائف وفِرق، ما يجعله غير قادر على توحيد أبناء الوطن الواحد31.

كانت تفضيلات الحصري لنوعية المصادر الغربية في بناء نظريته القومية تستند إلى الواقع العربي المتشرذم، لذلك ما كان ليقبل بفكرة رينان عن القومية القائمة على الإرادة والمشيئة، فقدّم عليها نظرية القومية الألمانية، والتوجهات القومية الإيطالية، لأنّهما، ألمانيا وإيطاليا، يقدّمان نموذجًا واحدًا يمكن للعرب التعلم منه. ومما يجلّي ذلك، ويزيده وضوحًا شهادتان تكشفان عن الدوافع الأيديولوجية لدعاة الفكرة القومية آنذاك، وتظهران كذلك إحساسًا بخطر محدق تمثله التيّارات الغربيّة الجديدة التي تنقلها الترجمة على التماسك الاجتماعي والثقافي.

الشهادة الأولى لمحمّد مهدي كبّة (1900-1984):

كان الرأي العام العراقي، خلال الحقبة الأولى من عهد ما يسمّى بالحكم الوطني موحّدًا، وعلى قدرٍ كبيرٍ من الانسجام والتوافق ... وقد تبدّلت الحال خلال الثلاثينات عمّا كانت عليه قبل ذلك، حيث انتشرت الثقافة، واتّسعت المدارك، وتوافرت وسائل الاتصال بين مختلف أبناء المعمورة، بما فيها من علوم وآداب وثقافات، فبرزت عندئذ للوجود المبادئ السياسيّة المختلفة، والنظريّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة المتباينة، وأخذت هذه المبادئ والنظريّات، تتبلور وتتركز يومًا بعد آخر، وراحت بعض الفئات تنحو بهذه المبادئ منحًى عالميًّا محضًا، من شأنه أن يصرفَ النشأ الجديد عن تاريخ أمّته، ومقوّمات قوميته، ووطنيته. فرأى فريق من الشباب العربي المثقف، ضرورة مجابهة هذا الخطر الوافد، الذي يهدّد قوميته وتراثه32. (التشديد لي)

أمّا الشهادة الثانية فتتناول الحالة الفكرية للشباب العراقي آنذاك:

إنّ الشبابَ يبقى بأيدي الكُتّاب والمترجمين، يتلاعبون به حسب قدرة أسلوبهم وموضوعهم، ولا يأتي العهد الذي تتخيّر فيه جهة إلّا بعد حسن تصرفه في التنقل من كتاب إلى آخر، وهذه الحيرة شملت الذين أخذوا ينقلون نتاج العقول الغربية، وضعف هؤلاء جعلهم يتردّدون بين هذا المذهب أو ذاك. فمنهم يقول لنتخيّر مذهب كارل ماركس للمجتمع، وآخر يقول لنتطرّف مع لينين، وثالث يقول لنتعقّل مع غوستاف لوبون، ورابع يقول لنأخذ مبدأ نيتشه في القوّة، وهكذا اضطربت عليهم المناحي واضطربت من ورائها ألوف الشباب33.

صاحب الشهادة الثانية هو يونس السبعاوي (1910-1942)، الذي كان أوّل من ترجم كتاب أدولف هتلر كفاحي إلى العربيّة، وظهر على شكل مقالات في جريدة العالم العربي، ابتداءً من 21 تشرين الأول 1933. وفي المقدمّة التي كتبها للمقالات يظهر إعجابَه العميق بهتلر والهتلرية حسب تعبيره34. وكان هدفه تعريف جمهور القرّاء في العراق على (هتلر) زعيمًا سياسيًّا يشق طريقه وسط أوضاع سياسية معقدة وظروف صعبة تنبأ له السبعاوي بدور تأريخي مهم يقوم به. وهذه مفارقة، ففي الوقت الذي شخّص فيه السبعاوي الحيرة التي شملت جيل الشباب بسبب تلاعب المترجمين بوعيه، عمد هو نفسه إلى ترجمة كتاب كفاحي. ما يدلّ بوضوح على عدم الممانعة، من طرف القوميين آنذاك، من الإفادة من الغرب، ولكن يجب اختيار "النافع"، والنافع هو الذي يعزز الأيديولوجية المتبناة. شأنهم في هذا شأن خصومهم من أصحاب الفكر اليساري. فكلاهما كان يستعير فكرًا غربيًّا لتأثيل خطابه الفكري والسياسي. كان الصراع المحلي بين التيارات الفكرية صراعًا، أيضًا، على نوع النموذج الغربي. فالماركسي، والقومي مختلفان أيديولوجيًّا، ولكنهما منسجمان في وجهتهما نحو الغرب. ولا أدلَّ على ذلك أكثر من أنَّ التوجه القومي سوف يميل لاحقًا إلى تبنّي الاشتراكية نفسها، فتظهر لدينا القومية الاشتراكية. وفي العراق سوف تتبنّى القومية مصطلحات ومفاهيم اشتراكيةً وماركسيةً كي تظهر بمظهر حداثي.

وكلاهما، وإن كانا انتقائيين، يختلفان عن انتقائية عبد الرزاق الحسني. فانتقائية هذا الأخير كانت تميّز بين العلمي الصرف، وهو ما يجب استعارته من الغرب، أمّا الفكري والفلسفي والأدبي فإن لدى العرب والمسلمين ما يفي ويغني. بينما لم يحفل القوميون ولا اليساريون بهذا التمييز، لأنّهما كانا يخوضان صراعات أيديولوجيةً، وهذه بحاجة إلى تأثيل فلسفي يستمد أسسه وبنيانه من مصدر الأيديولوجيا نفسه.

بأي حال، لعل قاعدة خوسيه لامبير التي تفيد بأنّه "كلما ازداد استيراد مجتمع ما للنصوص، زاد ميله إلى الاضطراب وعدم الاستقرار"35، تجد مصداقًا حيًّا لها في الحالة العراقية قيد الدراسة. كان تدفق بضاعة الأفكار الأجنبية مختلفة المشارب يغزو العقول في وقت ما زالت الدولة في طورها الأول، والمجتمع نفسه ليس موحّدًا كفاية، وما زالت أغلبيته أميّةً. وكانت النخبة السياسية، وبعض المعنيين بالشأن العام يرون في ذلك خطرًا داهمًا. لم نكن في تلك اللحظة في جدل أفكار مثمر، بل في لحظة صراع لا مساومة فيه ولا هوادة. كان هدف الوحدة القومية العربية دافعًا للقوميين في العراق إلى السعي نحو فرض نوع من الوحدة على الثقافة والمجتمع، وكان ذلك "مشروعهم التنويري" إن جاز التعبير: فالوحدة مقدمة على كل شيء بما في ذلك الإصلاح الاجتماعي. فبدا لهم التعدد المحتمل غزوًا فكريًّا وعنصرًا معطلًا. لذلك، بدت لهم التوجهات اليسارية، مزعزعةً ومثيرةً للاختلاف. ومع ذلك، فإن الوحدة التي رفعها القوميون شعارًا، كانت هي الأخرى تجد لدى الغربي نموذجًا تحاكيه، أو للإفادة من تجاربه في صياغة أطروحاتهم وتمتين خطابهم.

وكان هناك نوع من الانجذاب للقومية بصورتها الألمانية كما أشرنا، فاقترح محمد فاضل الجمالي، مسؤول التعليم في العراق في ثلاثينيات القرن العشرين إدخال اللغتين الألمانية والفرنسية إلى المدارس الثانوية العراقية، وإرسال البعثات الدراسية إلى ألمانيا. ومثلما ترجم اليساري عبد الفتاح إبراهيم كتاب التربية والتعليم في الاتحاد السوفيتي، سوف يترجم القومي حسين كبّة كتاب التربية الاجتماعية الوطنية للفيلسوف الألماني جورج كرشنشتايز إلى العربية، ويُطبع ببغداد عام 1941، انسجامًا مع فكرة الجمالي بأنَّ العالم الإسلامي بحاجة إلى أفكار هذا المفكر التربوية. كانت وحدة ألمانيا ووحدة إيطاليا في القرن التاسع عشر نموذجين للفكر القومي الداعي إلى الوحدة العربية. وقد تأثر هذا الفكر كثيرًا بأساليب تلك الوحدتين، ومنهما يستمد العِبر، ومن تلك العِبر ما كتبه طه الهاشمي (1888-1961) في مقدمة ترجمته كتاب الوحدة الإيطالية، لمؤلفه بولتن كنج: "وفي الكتاب عبرٌ جديرة بأن يعتبر بها قادةُ الرأي العربي العام، ومن أبرز ما يُستنتج منها: أن الوحدة لا تتم إلا بالقوة"36. وفي الأربعينيات كانت ثمة مجلة هي عالم الغد، قد "عنيت بالتصدي للحركة الشيوعية في العراق، ودخلت في صراع مكشوف معها. ومما قامت به ترجمة كتاب بعنوان نقد الفكر الماركسي ونشرته في صفحات في حلقات متتابعة"37.

كانت من مهمات النخبة السياسية والثقافية آنذاك تأسيس مجتمع جديد من مجتمعات محلية عاش كل واحد منها مكتف بنفسه ومنعزل لحقب زمنية طويلة. وكانت التربية والتعليم إحدى وسائل بناء هذا المجتمع الجديد. وعلى الرغم من أن بعضًا من أفراد تلك النخبة لم يدّخر وسعًا في تأكيد دور الإسلام في تشكيل هذا الاجتماع الجديد، ولكن الأغلبية تهافتت على الغرب تستعير منه نظم التربية كما رأينا في المثالين السابقين: أحدهما يترجم التربية السوفييتية وآخر يترجم التربية الألمانية.

كانت أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين "الفترة التي شهدت تحولًا في تاريخ الثقافة العراقية وانعطافة نحو تحديث بناها الأساسية"38. ويصف جبرا إبراهيم جبرا الحياة الثقافية في بداية الخمسينيات، بقوله: "أي فوران ثقافي كان يتصاعد في المدينة يومئذ! فوران تختلط فيه الأوراق، وتتخذ فيه الحماسات مسارات سياسيةً واجتماعيةً مثيرةً ودائبة الحركة... كان هناك أصحاب الفكر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفلسفي والتاريخي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار"39. كانت الدولة العراقية قد بدأت بإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج منذ عام 1922، وقد آتت تلك البعثات أُكُلها، فعرف العراق ولا سيما في الأربعينيات والخمسينيات تطورًا بارزًا. والنقلة التي شهدتها الثقافة العراقية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو الطابع المؤسَّسي والبُعد المعرفي التنظيري40. وظهرت مجلات فكرية كثيرة، ولكنها لم تعمَّر طويلًا، بل إن بعضها أصدر عددًا واحدًا فقط. ولكنها شهدت حركة ترجمة، وإن كانت محدودةً.

بعد الحرب العالمية الثانية تفتّحت البيئة الثقافيّة العراقيّة على تيّارات واتّجاهات فكرية، ظهرت ملامحها في أصناف الإبداع والكتابة والتفكير بعامّة. وكانت الوجوديّة من بين هذه التيارات، وكان أبرز من نقل الوجودية وترجم بعضًا من كتاباتها هو نهاد التكرلي، فكان بحق بمثابة "مبشر بالوجودية وداعية من دعاتها"41. ومثلما دافع سارتر عن الوجودية في فرنسا، دافع نهاد التكرلي عنها مبكرًا، فنشر مقالًا بعنوان "دفاع عن الوجودية" في مجلة الرسالة المصرية عام 195142. ودفاعه كان تلخيصًا عن الفرنسية لمحاضرة سارتر "الوجودية نزعة إنسانية"، ألقاها في عام 1944.

ضدَّ مَن كان نهاد التكرلي يدافع عن الوجودية؟ لم تكن مقالته مجرد عرض لمحاضرة ألقاها فيلسوف في مكان ما، بل هي في الواقع خطاب موجّه في سياق فكري عراقي وعربي. فمثلما كان سارتر يدافع عن الوجودية بوجه من انتقده من الماركسيين، أراد التكرلي أن يكون "استنساخُه" لهذا الدفاع دفاعًا ضد "ماركسيّيه" العراقيين والعرب بعامة. يرجّع هذا السجال صدى سجالاتٍ تقع في أماكن أخرى كما لو أنهم يعيشون الشرط التاريخي والاجتماعي نفسه. ولم يقتصر الأمر على "استنساخ" دفاع سارتر عن الوجودية، بل تعدّاه، أحيانًا، إلى محاكاته حَرفيًّا من طرف مثقفين آخرين43. كانت الوجودية، التي شاعت في العراق في خمسينيات وستينيات القرن العشرين نسخةً للطبعة الفرنسية، شأنها شأن الماركسية، التي جاءت على وفق الطبعة السوفييتية.

وسوف تصبح الوجودية موجةً أدبيةً و"رافدًا من الروافد التي أثّرت في الثقافة والإنتاج الثقافيين في العراق"44. وفي عام 1957 ترجم أنيس زكي حسن كتابًا لمؤلف غير معروف لدى العرب آنذاك وهو كتاب اللامنتمي لكولن ولسن. وقد صار نحته لمصطلح اللامنتمي عنوانًا في الترجمات اللاحقة لهذا الكتاب45. كما أنّ للمترجم نفسه ترجمات أخرى منها: الغريب وأسطورة سيزيف لكامو، والإنسان الصرصار لدستويفسكي، ومغامرات الأفكار لألفرد نورث وايتهيد.

ولعل هذا الكتاب الأخير هو واحد من الكتب الفلسفية القليلة، أو ربما النادرة، التي ترجمها مترجمون عراقيون، إذ لم تعرف الثقافة العراقية عنايةً خاصةً بترجمة الفكر الفلسفي اللهم إلا ما يعين بعضهم في الترويج لأيديولوجياتهم، كما في ترجمات أستاذ الاقتصاد إبراهيم كبة (1919-2004)، ومن أبرزها: كتاب تأملات في روح العصر لهارولد لاسكي نشر ببغداد عام 1945، وكتاب أزمة الفلسفة البرجوازية لجورج لوكاس، نُشر ببغداد عام 1953، والبراغماتية والفلسفة العلمية للمفكر الماركسي موريس كورنفورث، نشر ببغداد عام 1960. وجميعها فصول من كتب وليست ترجمات كاملة.

انتمى كثير من المثقفين العراقيين عَبر القراءة إلى الغرب، أو لنقل بعبارة تنسجم مع هذا البحث إنّهم اتبعوا تيارات غربيةً، وعاشوا وعيًا أدرجوه ضمن ما يسمى "حركة الحداثة الكونية". كان هذا بالضبط حال أدباء الستينيات، الذين كانوا يرون أنفسهم، في ما كتبوه من شهادات لاحقة عن جيلهم، منتمين ولا منتمين: منتمين إلى حركات أدبية وثقافية وسياسية أوروبية وأمريكية، ولا منتمين في الوقت نفسه إلى واقع عراقي بائس. يحدثنا فاضل العزاوي أنَّ جيل الستينيات حمل وعيًا "ضمن حركة الحداثة الكونية الشاملة ... تجلت عربيًّا في العراق أكثر من أي مكان آخر"، ولكنه يستدرك، واستدراكه ينطوي على مفارقة، قائلًا: "إن ما حدث في الغرب لم يحدث في العراق بالطبع. فإذا كانت الحركة الستينية هناك قد اتخذت طابعًا جماهيريًّا وخاضت طوال أعوام معارك شوارع عنيفةً ضد السلطات فإنها اقتصرت في العراق على الأدب والفن وحده"46.

يبدو أن العديد من المثقفين العراقيين، ماركسيين وغير ماركسيين، كانوا يرتدون معاطفهم في حرّ العراق وقرّه حينما تثلج في الغرب. فالحداثة التي ينتمي إليها العزاوي هي، مثلما يقول فوزي كريم، الحداثة التي جلبها "الكتاب الغربي وبواسطة الترجمة". وكان ذلك هو أيضًا حال الفيلسوف الوجودي العراقي، الذي صورته رواية بابا سارتر الساخرة لعلي بدر. تنتهي هذه الرواية بصورة كاريكاتورية لما يمكن أن يسمى "التفكير المناسباتي": "لقد قرأت ميشيل فوكو، لم يعد سارتر مفيدًا للثقافة العربية، العبث والغثيان لم يستطيعا حل مشاكلنا، علينا أن نتبع خطةً جديدةً، البنيوية هي التي ستحل مشاكلنا"47. لم يكن سارتر الأب الوحيد، كان هناك أيضًا ماركس، الذي سيهجره أبناؤه هو أيضًا إلى ما بعده. وهذا ما سيفعله مترجم كتاب رأسمال، فالح عبد الجبار، الذي سيكتشف بعد سقوط الشيوعية أن لا وجود لشيء اسمه نظرية ماركسية لا عن الدولة ولا التاريخ ولا المعرفة ولا الاجتماع، وظهر له بعد جميع تلك الكشوفات أنَّ كلَّ ما تعلّموه لم يكن أكثر من تلخيصات "صدّعت رؤوسنا (وغيرنا) نصف قرن أو يزيد"48.

الهُجنة مرةً أخرى

مثلما وصفت إريت باشكين الثقافة العراقية في العهد الملكي بالهجنة، كذلك ستفعل فاطمة المحسن، فهي أيضًا تستفيد من مفهوم الهُجنة، الذي طرحه هومي بابا، في "رصد التحولات الثقافية العراقية، فالترجمة من اللغات العالمية والتأثر بأساليب الحياة الغربية واتباع المناهج الفكرية والأدبية للمراكز المتقدمة، حدثت في الثقافة العربية على نحو لا يخلو من تجاذب بين طرق الفهم والاستيعاب، وما نشأ عنهما من تمثّلات، وهذا الفضاء الوسطي بين الثقافات هو الذي يحدد الهوية الجديدة للثقافة الطرفية". ولكي تسوّغ هُجنة الثقافة العراقية أو تفسّرها، تواصل فاطمة المحسن القول: "فحداثة الغرب نفسه هي خلائط من ثقافات شتى بما فيها الثقافات الشرقية، ولم تكن الثقافة العربية في عز ازدهار إمبراطورياتها إلا نتاج تلك الهجنة التي تشكلت من ثقافات متنوعة"49.

فات هذا التوصيف ما هو أبعد من التشابه الظاهري، ذلك أنَّ هُجنة التابع ليست كهُجنة المتبوع. صحيح أنَّ الثقافة العربية الكلاسيكية كانت هجينةً، ولكنها لم تكن تابعةً لا اقتصاديًّا ولاسياسيًّا ولا فكريًّا، فكان بإمكانها آنذاك أن تكون طرفًا في حوار. كانت قوةُ تمثّلِها، وتمثيلِها لخطابات خارجية تستمد طاقتها من قوتها السياسية واكتفائها الاقتصادي في عالم ما قبل رأسمالي. وهجنة الحداثة الغربية تمثَّلها الغرب على وفق خطاباته وقوته بما يفيده لتمتين أنظمته الفكرية والثقافية، لا بما يلحقه بمتبوع: إنَّ هذه الهجنة تقوم على هوية ووجود راسخيْن. وفي ظني أنَّ تأريخ الهُجنة الثقافية يجب أن يضع في اعتباره علاقات القوى غير الثقافية البحتة التي ترعى تلك الهُجنة، وتحدث فيها. إنَّ هُجنة الثقافة التي تتحدث عنها فاطمة المحسن، ومن قبلها أوريت باشكين، ليست واقعية ولا حياتية ولا تقوم على خصوصية محلية، بل هي موجودة في عالم الأفكار لا الوقائع اليومية. لذلك، خلقت هذه الهُجنة نمطًا من المثقف تصفه فاطمة المحسن نفسها: "لعل قراءات المثقف بلغات الغرب تزيد اغترابه عن ثقافته وشعوره بالتعالي على اللغة والنتاج العربي"50.

الجناية الاجتماعية

كان هناك من نبّه، وحذَّر من مآلات التحولات السريعة التي كان يشهدها المجتمع العراقي وثقافته العامة، تحولات كانت تجري على وفق "أهواء المثقف". وكانت تلك هي بصيرة الشيخ الشاعر والكاتب والوزير علي الشرقي (1890-1964)، الذي كتب في العام 1928:

"إنَّ الاستعجال يوجب الالتباس والارتباك في اجتماعيات الأمة فيعطل نموها ويحرف صحتها الاجتماعية ... والأسلوب الفكري يجب أن يتجدد بصفته الاجتماعية لا بصفته الشخصية (...) لا يجوز أن ينتقل الأسلوب الفكري بانتقال صفة أفراد لأن الأمور الاجتماعية يجب أن تنضج اجتماعيًا (...) ولكن يا للأسف إني أجد التجدد والتنقل في الأسلوب الفكري وفي الوضع السياسي في أكثر المراكز الشرقية كتركيا ومصر وإيران وسوريا والعراق تجدد أشخاص وتأثر طبقة ممتازة وسائر الطبقات في الجُب وفي الهوّة السحيقة لم تتزحزح ولم تتحول والأسلوب الفكري فيها قديم وعتيق وتلك الشخصيات المتجددة والطبقة المتأثرة قد جنت على الأمة لأنها اعتزمت جعل الأمر الشخصي أمرًا اجتماعيًّا وأخذت تسم الأمة بغير وسمها، وتطبعها بغير طابعها. وما أكبر هذه الجناية الاجتماعية"51.

يبصر هذا التشخيص الإكراهاتِ التي يمارسها "التجدد الفكري الشخصي" على الواقع الاجتماعي، ويحذّر ممّا يمكن أن نعدَّه استنساخًا لأفكار لا هي نتاج واقع اجتماعي عراقي ولا هي كفيلة فعليًّا بحلّ مشكلاته، بل كل رصيدها أنّها راقت لأهواء مثقف، لا يلبث أن يعدل عنها، على نحو مناسباتي، إلى أفكار أخرى. خاضت الثقافة العراقية، والعربية عمومًا، سجالات ومعارك "ثقافوية"، وجاءت بعض توجهات الترجمة لتثيرها وتعضدها؛ ذلك أنَّ "اعتبارات أيديولوجية خالصة ومتضخمة أحيانًا كانت وراء مولد حركة الترجمة، وتطورها في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة".52

ونجد توصيفًا آخر لتلك "الجناية الاجتماعية" لدى مؤرخ إنكليزي كتب عن تاريخ العراق كثيرًا، وهو ستيفان لونكريك، الذي لفتت انتباهَه ظاهرةُ انحسار الدين في المجتمع العراقي، فلم يعد له من تأثير إلّا على كبار السن والنساء، أما الشباب فقد انصرفوا عنه انصرافًا شبه تام. ويعلّل ذلك بتأثير التعليم العلماني، الذي كان قد أسَّسه ساطع الحصري كما مرَّ معنا. لذلك، بدت له الروحُ العراقية آنذاك ملتبسةً وحائرةً بين القيم الشّرقية والقيم الغربيّة، بين التقليد والإبداع، بين الإسلام والإلحاد... لقد كان العراق آنذاك يعاني من الوهن والفشل ومن المخاوف التي رافقت فترة من فترات الانتقال السريع المحفوف بالخطر، والتي وجد أنّ من العسير عليه أن يحقق هدفه الواسع بشكل هادئ53.

الخاتمة: المأزق الحضاري

لعلّه من غير الصائب تمامًا وصف خيارات مترجمينا العراقيين والعرب عمومًا بالموفقة أو غير الموفقة، فلقد طوتهم الهيمنةُ الثقافيةُ الغربيةُ في خطاباتها الفكرية، وكانوا لها بمثابة قنوات: إنَّ الترجمة لا تستطيع "أن تتخطى تباين القوة"54. وهذا التباين الفاضح في علاقات القوة، مازال يترك أثره الحتمي في الثقافة والفكر وعملية الترجمة بطبيعة الحال. وعلى الرغم من التغيّرات السياسية والثقافية التي شهدتها الأقطار العربية، بما في ذلك العراق، في الحقبة التاريخية الحديثة، فإنّها لم تستطع، حتى الآن، الفكاك من هذه الهيمنة الشاملة؛ هيمنة لا تتيح لنا بأي حال من الأحوال أن نعد حالنا اليوم طرفًا في عملية حوار حضاري. إنّ من شأن المتحاورين التكافؤ، وهو الشرط الغائب. إنَّ علاقة التبعية، لا الحوار، هي التي انتظمت قدرًا واسعًا من حركة الترجمة والفكر في العراق والبلاد العربية. فليس ثمة حوار ممكن بين متبوع وتابع، بين قوي وضعيف، بين مستعمِر ومستعمَر.


الهوامش

1 د. محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي (صيدا-بيروت، منشورات المكتبة العصرية للطباعة والنشر، د.ت) ج1، ص87؛ حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ط2 (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1995)، ج1، ص 103، 275؛ د.وميض عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، سلسلة أطروحات الدكتوراه (5)، ط 3 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص4-44.

2 العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ص 31؛ إريك دافيس، مذكرات دولة: السياسة والتاريخ والهويّة الجماعية في العراق الحديث، ترجمة حاتم عبد الهادي (بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 2008)، ص 58.

3 مذكرات دولة، ص 58.

4 عباس العزاوي، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين (بيروت، الدار العربية للموسوعات، 2004)، المجلد 8، ص 196. (صدر الكتاب للمرة الأولى عام 1935 في بغداد).

5 سعيد الغانمي، مئة عام من الفكر النقدي: الأصول الثقافية والمرجعيات الاتصالية للنقد الحديث في العراق (دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، 2001)، ص 17.

6 د. عبد الرزاق أحمد النصيري، دور المجدّدين في الحركة الفكرية والسياسيّة في العراق (1908-1932) (بغداد، مكتبة عدنان، 2012) ص 144.

7 توفيق السويدي، مذكراتي، نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، طبعة خاصة بالعراق (بغداد، الذاكرة للتوزيع والنشر، 2011)، ص 33.

8 الدكتور عامر حسن فياض، جذور الفكر الديمقراطي في العراق الحديث 1914-1939 (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 2002)، ص 140. (مقتبس عن: طه الهاشمي، مذكرات طه الهاشمي، دار الطليعة، بيروت، 1967، ص44)

9 ينظر علي الوردي، لمحات اجتماعيّة من تاريخ العراق الحديث (بغداد، مطبعة الشعب، 1972)، ج3، ص 3-5؛ العراق، ص32؛ دور المجدّدين في الحركة الفكرية والسياسيّة في العراق (1908-1932)، ص 52.

10 عن مصالح بريطانيا في العراق، يُنظر متّى عقراوي، العراق الحديث: تحليل لأحوال العراق ومشاكله السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والتربوية، ترجمة المؤلف ومجيد خدوري (بغداد، مطبعة العهد، 1936)، ص 65 فما بعد.

11 مذكرات دولة، ص 59-60.

12 مذكرت سليمان فيضي، تحقيق وتقديم، باسل سليمان فيضي، ط4 (بغداد، شركة مطبعة الأديب البغدادية، 2000)،ص 270، هامش2. للاطلاع على أثر الهيمنة الغربية في المنظومة الشريعية للبلدان الإسلامية، ووسائلها في إقحام دساتيرها وقوانينها، يُنظر وائل حلّاق، الشَّريعة: النظرية، والممارسة، والتحوّىلات، ترجمة الدكتور كِيان أحمد حازم يحيى (بيروت، دار المدار الإسلامي، 2018)، ص 629 فما بعد.

13 الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، ص 64، مقتبس من:

Jacques AugustinBerque,“The Arabs and the Social Science in the Last Hundred Years,“Middle East Forume, vol. 34, no.1 (1967), p. 153.

14 عبد الرزاق الحسني، "التعريب أم التأليف؟ أيهما أنفع للشرق في نهضته الحاضرة؟،"مجلة العرفان اللبنانية، العدد رقم 3، المجلد 17 (شوال 1347/ آذار 1929) ص39. (نسخة إلكترونية في

 http://archive.sakhrit.co/newPreview.aspx?ISSUEID=19889)

15 ينظر عامر حسن فياض، جذور الفكر الاشتراكي والتقدمي في العراق 1920- 1934 (بيروت، دار ابن رشد للطباعة والنشر، 1980)، ص 53، فما بعد.

16 فاطمة المحسن، تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث (بيروت- بغداد، دار الجمل، 2010).

17 جذور الفكر الاشتراكي والتقدمي في العراق، ص 51.

18 Ismael, Tareq Y. The Rise and Fall of The communist Party of Iraq, (Cambridge University Press, New York, 2008) p. 1.

من مقابلة أجراها المؤلف مع حسين الرحّال ببغداد في 19 أكتوبر عام 1973.

19 العراق، الكتاب الثاني، ص 52.

20 جذور الفكر الاشتراكي والتقدمي في العراق ، ص 107-108؛ عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي (بغداد، شركة دار الرواد المزدهرة للطباعة، 2007)، ج3، ص91.

21 جذور الفكر الاشتراكي والتقدمي، ص 108.

22 د. رفعت السعيد، تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر 1900-1925، (بيروت، مطابع النجاح، 1972)، ص80.

23 فؤاد حسن الوكيل، جماعة الأهالي في العراق 1932-1937، ط2 (بغداد، دار الرشيد للنشر، 1980)، ص248، مقتبس من جريدة الأهالي، العدد 3 ( بغداد، 10/1/1932).

24 زكي خيري، صدى السنين: ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم،" (من دون ذكر الناشر ولا رقم الطبعة، 1995)، ص 70.

25 المصدر نفسه، ص 83، 157.

26 See Bashkin, Orit, The Other Iraq: Pluralism and Culture in Hashemite Iraq, (Stanford University Press, 2009.), p. 3-7.

27 وليام ل. كليفلاند، ساطع الحصري من الفكرة العثمانية إلى العروبة، تعريب فكتور سحَّاب (بيروت، دار الوحدة، 1983)، ص 27.

28 ساطع الحصري ما هي القوميّة؟ (أبحاث ودراسات على ضوء الأحداث والنظريّات) (بيروت، دار العلم للملايين، 1959)، ص42 – 44.

29 المصدر نفسه، ص 47.

30 المصدر نفسه، ص، 136؛ ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القوميّة، ط4، (بيروت، دار العلم للملايين، 1959)، ص66 – 67.

31 ماهي القومية، ص243؛ ساطع الحصري، "عوامل القوميّة،" في أبحاث مختارة في القوميّة العربيّة، الأعمال القوميّة لساطع الحصري، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1985)، المجلد 17، ص31-45. (وهي محاضرة ألقيت بنادي المعلمين ببغداد، سنة 1938).

32 محمد مهدي كبّة، مذكّراتي في صميم الأحداث 1918-1958 (بيروت، منشورات دار الطليعة، 1965)، ص54-55.

33 عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ص144 مقتبس من يونس السبعاوي، (جريدة السياسة، 10 آذار 1931).

34 د. كاظم حبيب، لمحات من عراق القرن العشرين (أربيل، دار أراس للطباعة والنشر، 2013)، ج4، ص، 156-157.

35 دوجلاس روبنسون، الترجمة والإمبراطورية: نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية، ترجمة ثائر ديب (القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2005) ص 59.

36 بولتن كنج، الوحدة الإيطالية، ترجمة طه الهاشمي، (المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2017)، (والطبعة الأولى من الكتاب ظهرت عام 1952 بمصر)

37 سامي مهدي، المجلات العراقية الرييادية ودورها في تحديث الأدب والفن 1945-1958، ط2 (بغداد، دار ميزيبوتيميا، 2014) هامش رقم 6، ص 17.

38 فاطمة المحسن، تمثلات الحداثة في ثقافة العراق (بغداد – بيروت، منشورات الجمل، 2015)، ص 15.

39 جبرا إبراهيم جبرا، شارع الأميرات: فصول من سيرة ذاتية (بيروت، دار الآداب، 2007)، ص 127. يُنظر أيضًا تمثلات الحداثة في ثقافة العراق، ص 28-34.

40 تمثلات، ص 34-35.

41 سامي مهدي، نهاد التكرلي: رائد النقد الأدبي الحديث في العراق، ط2 (بغداد، دار ميزوبوتيميا للنشر والتوزيع 2015)، ص19.

42 نهاد التكرلي، "دفاع عن الوجودية"، الرسالة، العدد رقم 948، (27 أغسطس، 1951)، ص 1003-1005 (نسخة ألكترونية موقع

http://archive.sakhrit.co/newPreview.aspx?ISSUEID=11884)

43 فمثلما كانت الحرية والاختيار جواب سارتر لتلميذ استنصحه في مسألة الاختيار بين البقاء مع أمه الوحيدة أم الالتحاق بالمقاومة الفرنسية، كذلك بالضبط سيتكرر هذا الموقف محاكاةً من فاضل العزاوي، أحد الشعراء الستينيين البارزين، في ردّه على طالب شيوعي استنصحه في أن يلتحق بالحركة المسلحة أم لا، ينظر فاضل العزاوي، الروح الحيّة: جيل الستينات في العراق، ط2 (دمشق، دار المدى، دمشق، 2003) ص 159. ويصف ستينيٌّ آخر، وهو فوزي كريم، هذا الموقف بأنّه جاء على "وفق الطبعة الفرنسية،" ينظر فوزي كريم، تهافت الستينيين: أهواءُ المثقف ومخاطر الفعل السياسي (دمشق، دار المدى، 2006) ص 16.

44 نهاد التكرلي: رائد النقد الأدبي الحديث في العراق، ص 71.

45 علي حسين، "في صحبة الكتب: الغريب الإنكليزي الذي تحول إلى اللامنتمي العراقي،" جريدة المدى، العدد 3597، (3/ 12/ 2016).

46 فاضل العزاوي، الروح الحيّة: جيل الستينات في العراق، ط2 (دمشق، دار المدى، دمشق، 2003) ص 10-11.

47 علي بدر، بابا سارتر، ط3 (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص236.

48 فالح عبد الجبار، ما بعد ماركس (بيروت، دار الفارابي، 2010)، ص 49.

49 فاطمة المحسن، تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، 2015، ص 48.

50 المصدر نفسه، ص 94.

51 علي الشرقي، "الأسلوب الفكري،" جريدة النهضة العراقية، العدد 44 السنة الأولى، الخميس 1 مارت، 1928 – 8 رمضان 1346 في: موسوعة الشيخ علي الشرقي، جمع وتحقيق موسى الكرباسي (بغداد، مطبعة العمال المركزية، 1989) المجلد 2، ص 162.

52 جورج طرابيشي: "دور الأيديولوجيا في وأد الترجمة،" مجلة أبواب، العدد رقم 28، (1أبريل سنة 2001)، ص 9. (نسخة ألكترونية

 http://archive.sakhrit.co/newPreview.aspx?PID=1963430&ISSUEID=881&AID=54302

53 ستيفن همسلي لونكرك، تاريخ العراق الحديث سنة 1900-1950، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي (بغداد، منشورات الفجر، 1988)، ج 2، ص624، 650.

54 الترجمةوالإمبراطورية، ص 46.

 

علي حاكم صالح
علي حاكم صالح
أكاديمي ومترجم وأستاذ في جامعة ذي قار، العراق. من مؤلفاته المجتمع اللااجتماعي، والأيديولوجيا وتمثيلاتها الفلسفية في الفكر العراقي الحديث.