اختلاف ترجمات القرآن الكريم - الفصول والغايات

2020-03-21
اختلاف ترجمات القرآن الكريم - الفصول والغايات

مقدّمة1

كانت ترْجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية منذ القديم محلّ إشكال واختلاف بين مَن يرفضها لأسباب دينيّة ومَن يقبلها لأسباب عمليّة. فقد حرّم الفقهاء ترجمته لأنّهم يعتقدون أنّه "كلام الله"، إذن مقدّس، وأنّه منزّل على الرسول في لغة عربية مُبينة، وأنّ مجرّد نقله إلى لغة أخرى غير اللغة التي نُزِّل بها يُعرّضه للتحريف وينال من قدسيّته2. أمّا المفكّرون المحدثون فإنّ بعضهم يرفض أيضًا ترجمته ولكن من قِبل المستشرقين لأنّ هؤلاء في نظرهم لا يفقهون دقائق اللغة العربيّة، ولا يدركون الجانب الروحي العميق في النصّ القرآني، فيحرّفون ويؤوّلون على هواهم، بل منهم من يَعمد إلى الانطلاق من أفكار مُسبقة تعتبر القرآن غير منزّل فيترجمونه ترجمةً مُغرضةً للحطّ من قيمته، وطَمْس أحكامه، ودحضه لمحو كلّ أثر له في قلوب المنصَّرين عنوةً في الأندلس، وللتبشير بالديانات السماوية السابقة، يدفعهم إلى ذلك الخوف من انتشاره في الغرب خاصةً منذ التوسع العثمانيّ في أوروبا. وقد يستدلّ الرّافضون بأوّل ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينيّة في سنة 1143م، من قبل روبرتو كتننسيس (Robertus Ketenensis) بتكليف من قسّ كلوني (LAbbé de Cluny)، وهي، بعنوان: شريعة محمّد، النبيّ الزائف! (Lex de Mahomet pseudoprophete)3.ولم تنتشر هذه الترجمة إلا سنة 1543 أي بعد أربعة قرون، ويستدلّ الرافضون أيضًا بأوّل ترجمة للقرآن الكريم إلى اليونانية منذ القرن التاسع الميلادي (بين855- 870)، استعملها أحد الباحثين، (Nicetas de Byzance) لدحض ما سمّاه: "التوراة الزائفة التي صنعها محمّد العربي"4.

 ولكن مِن الرافضين المعاصرين لترجمة القرآن (الكريم) من يقدّم أسبابًا أخرى، فنّيةً تحديدًا، تتعلّق بعدم أداء المترجمين لإيقاع الآيات وبلاغتها وما تَتَّصف به من إعجاز لا يدركه المترجمون غير العرب بسبب محدوديّة فهمهم للعربيّة، وعدم الاطلاع على أسباب النزول وقلّة معرفتهم بكتب الحديث والتفسير، فيكتبون نصًّا جافًّا فاقدًا لخصائصه البيانيّة واللُّغويّة5.

 أمّا المؤيّدون لترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبيّة فإنّهم يبرّرون تأييدهم بتوسّع الإسلام في القارّات الخمس وحاجة معتنقيه من الأفارقة والآسيويّين والأوروبيّين إلى فهم أحكامه في لغتهم. وقد اعتمدوا على أمرين: الأوّل يتمثل في ترجمته إلى الفارسيّة منذ عهد الرسول ويذكرون ترجمة سلمان الفارسي للفاتحة بطلب من الفرس الذين اعتنقوا الإسلام، وتسخير بعض الحكّام بعد ذلك فِرقًا لترجمته للمسلمين غير النَّاطقين بالعربيّة حتَّى يسود التفاهم بين الشعوب. والثاني يتمثّل في تنصيص القرآن نفسه على أنّ الرسول بُعث إلى الإنسانيّة قاطبةً فتحتّم مخاطبتها في لغات شعوبها المختلفة. لذلك أصدر الأزهر سنة 1936 فتوى يُجِيزُ فيها ترجمة معاني القرآن وليس النّص القرآني نفسه6. ومنذ ذلك التاريخ بدأ المسلمون يترجمون معاني القرآن طبقًا لهذه الصيغة، ولا يدّعون أنهم يترجمون النصّ القرآني نفسه لأنّه تنزيل لا تُدرَك أسراره إلاّ في اللغة الأصليّة.

وقد اقتنعت مؤسسة الملك فهد بهذه الجدوى العلمية ودورها في التبشير باعتناق الإسلام، فأشرفت على ترجمة القرآن إلى مختلف لغات العالم، ونشرتها على نطاق واسع في أحد مواقعها الإلكترونية بعنوان "مصحف المدينة" لتمكين الجميع من الإفادة منها. ولهذا السبب تساءل الباحثون عن الفرق بين ترجمة المسلمين وترجمة غير المسلمين لكن دون أن يركّزوا على تأثير عقيدة المترجم ومذهبه ودينه الأصلي في ترجمته، فرأينا أن نخصّص هذه المحاولة لمقاربة هذه القضيّة الدقيقة، فاخترنا المقارنة بين ترجمات المسيحيّ، واليهوديّ، والمسلم السُّنّي، والمسلم الشيعيّ، لمعرفة مدى تأثير ديانة كلّ منهم في ترجمته اعتمادًا على نماذج محدودة من الكلمات والآيات. وبما أنّ هذه الإشكاليّة بحر ما له ساحل تقتضي عملًا جماعيًّا لفريق يمتلك مجموع أعضائه مختلف اللغات المترجم إليها، فقد زدنا موضوع هذه المحاولة تضييقًا فاقتصرنا على الفرنسيّة حتَّى لا نتطفّل على لُغات أخرى يُتقنها غيرنا.

1- ترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة

تُرجم القرآن إلى الفرنسيّة أكثر من أربعين مرّةً منذ منتصف القرن السابع عشر إلى اليوم7، شارك فيها مترجمون مسلمون ومترجمون غير مسلمين. ويمكن أن نقتصر على ذكر أهمّها وهي التي كانت ولا تزال محلّ جدل ومراجعة، أو عكس ذلك محلَّ تنويه وإعجاب. وأوّل ترجمة إلى الفرنسية ظهرت سنة 1647 لأندري دي ريار (André de Reyer). ومجرّد عنوانها يُفصح عن نوايا صاحبها وغاياته: (قرآن محمّد) بالفرنسية: (Alcoran de Mahomet)، فهو إذن لا يعترف بأنّ الكتاب مُنزّل فينسبه إلى الرَّسولِ مُحمَّد (ص). ومع ذلك بقيت هذه الترجمة منتشرةً بمفردها ما يقارب القرن والنصف إلى أن ظهرت في سنة 1783 ترجمة كلود سافاري، Claude Savary، هي لا تقلّ عن سابقتها تعصبًّا على الإسلام إذ ظهرت في ما يسمّى بعصر "الأنوار" الذي بدأت تظهر فيه الأطماع التوسّعية فكان لا بدّ من تبريرها والتمهيد لها. كتبت إحدى الباحثات الفرنسيّات في هذا الشأن: "كانت الترجمات متأثرةً جدًّا بجوّ الاستشراق الذي كان منتشرًا في ذلك العصر: فهي في الأغلب قراءات "تغريبيّة" للقرآن، "occidentalisées"، مُتناغمة مع النظرة الاستعمارية التي تلقيها أوروبا على الشرق"8. وتضيف بخصوص ترجمة سافاري المذكورة: "إنّها تسير على درب مواقف فولتير (Voltaire) وبعض وجوه عصر الأنوار الكبيرة المناهضة للإسلام، فهي تبقى مُنحازةً، وتهدف في الكثير من الأحيان، بطريقة مبطّنة، إلى تبرير تفوّق المسيحيّة"9.

وبقيت هذه الترجمة دون رديف ما يقارب نصف قرن إلى أن ظهرت ترجمة كزمرسكي سنة 1832، وقد اعتبرت أكمل ترجمة، وبقيت تُتداول في الجامعات ما يقارب القرن، لذلك مرّت ترجمة إدمون مونتي (Edmond Montet) دون أن يشعر بصدورها سنة 1925 أحد. ولكن عندما ظهرت ترجمة رجيس بلاشار (Régis Blachère) (1947)، أدرك الباحثون أنّ منهجًا جديدًا في فهم القرآن وترجمته بدأ يفرض نفسه إذ يقوم على التَّحليل اللغوي والسّياق النَّصّي، إلاّ أنه يفتقر إلى جماليّة الأسلوب ومرونة التعبير. ومع ذلك أسّس ما يشبه المدرسة الوضعية سار على دربها عدّة مستشرقين مثل جان قروجان (Jean Grosjean) (1972)، ودنيز ماسون (Denise Masson) (1975م)، وربّما أضفنا رني خوّام(1990م)، وجاك بارك (Jacques Berque) (1990)، مع اختلافات جوهريّة في المقاربة والأسلوب. والملاحظ أنه يجمع بين هؤلاء جميعًا الانتماء إلى الدين المسيحي، وما يمليه من حدود في استيعاب الجانب الرّوحيّ الإسلاميّ في النّصّ القرآني. لذلك لا يمكن أن نجعل ضمن هذا التيار الإمام الجزائريّ الفرنسيّ عميد جامع باريس الأسبق حمزة بوبكر (1972)، ولا الموريتانيّ محمّد المختار ولد أباه، الذي نُشرت ترجمته في نطاق "مصحف المدينة" بمراجعة بَللو مانا (Bello Mana)، ولا الترجمات الخمس التي أنجزها التونسيّون: عامر غديرة (1956)، وصلاح الدين كشريد (1975)، ونور الدين بن محمود (1976)، والصَّادق مازيغ (1980)، ونبيل رضوان (2017)، ولا المصرية زينب عبد العزيز (2009). فهؤلاء جميعًا متشبّعون بروح الإسلام، يدركون أكثر من غيرهم دقائق اللغة العربيّة، ويستوعبون معاني النّص الحافّة به والقابلة لتفاسير وتأويلات تفكّ ألغازها. ولذلك تساءلت الباحثة ندى محمّد البرنجيّ: "هل يوجد فرق بين ترجمة العرب وغير العرب، وترجمة المسلمين وغير المسلمين؟". وكان الجواب بالإيجاب طبعًا.

 بقيت نصوص مدوّنتنا، نُفْردها بفقرة لنبرز ما يَختصّ به كلّ منها من صفات تجعله مختلفًا عن باقي الترجمات. وقد عَمدنا إلى تنويعها؛ مصدرًا وأسلوبًا لدراسة مدى تأثّر أصحابها بعقيدتهم. فالأولى تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر(1832 تحديدًا)، صاحبها البولونيّ الأصل كَزِمِرْسْكِي، والثانية للهندي السُّنّي حميد الله، وهي تعود إلى منتصف القرن العشرين (1959)، ثُمَّ ثلاث ترجمات مختلفة ظهرت في سنة 2009، الأولى للإيراني الشيعيّ أبي القاسمي فخري، والثانية لليهوديّ الفرنسيّ أندري شوراكي، والثالثة للمصريّة المسلمة زينب عبد العزيز. وقد نستعين بترجمة المستشرق المسيحيّ بلاشار؛ لأن كزمرسكي ذكر مرجع واحد أنه يهوديّ، وبما أن هذا المرجع تفرّد أيضًا بالتنصيص على أن أصله مجريّ فإننا لا نطمئن إليه كثيرًا10. وقد سكتت بقية المراجع عن انتماء كزمرسكي الدينيّ.

وهو فعلًا ينتمي إلى عائلة أرستقراطية في بولونيا وكان يتقن العربيّة والفارسيّة فضلًا عن الفرنسيّة. وقد استعملت ترجمتَه أجيال من الطَّلبة والباحثين، وبقيت تنشر مرّات متتالية إلى اليوم11. إلاّ أنّه أُخذَ عليها المبالغة في السعي إلى إنجاز تأثيرات أُسلوبيّة، كما عُيِّبَ عليها مُحدوديّة أَمانتها في نقل معاني النّص الأصلي وبُنْيَته! من ذلك تصرّفه (تحريفه) حتَّى في أسماء بعض الأنبياء إذ عِوض كتابة اسم إبراهيم في الآية الكريمة "(...) إنّ هذا لفي الصُّحفِ الأولى، صُحفِ إبراهيمَ وَمُوسى"12، (حرَّفه) إلى اسم عيسى، فقال: "صحف عيسى وموسى"13. وإذا سلّمنا أنّ كزمرسكي مسيحيّ العقيدة فقد يكون هذا ما جعله يُعوِّض-(يُحرِّف) - اسم (إبراهيم)، باسم (عيسى) ويؤوّل بعض النصوص على هواه! فيرى أنَّ المُخاطَب في النّص القرآنيّ هم العرب فقط، وبالتالي فالإسلام ليس موجّهًا إلى الإنسانيّة قاطبةً. ولأنَّ قراءتها مُستساغة نسبيًّا، فإنّ هذه الترجمة ساهمت في تعميم النَّصَ على القرّاء ونشْره بين الدُّوائر الفكريّة الأوروبيّة. وكتب مُحمَّد أركون مقدّمةً مطوّلةً لطبعة 1970 في 38 صفحةً ذكّر فيها بأهمّ الأحداث التاريخية والثقافية منذ ظهور الإسلام ليضع النّص القرآني في إطاره العام، وقدّم منهجًا مفصّلًا في كيفية قراءة القرآن وفَهْمِه، إلاّ أنه لم يتعرّض إلى المترجم ولا إلى ترجمتهِ التي لا تخلو من بعض الهوامش التَّفسيريِّة المُنسوبة إلى المترجم نفسه، وليس إلى المُقدِّم. أمّا مُحمّد حميد الله (1908 2002)، فهو أوّل مسلم يُترجم القرآن إلى الفرنسيّة. وهو سُنّيّ من أصل هنديّ كان يقيم بفرنسا. تُعتبر ترجمته أمينةً نسبيًّا إذ كانت في جُلّها حَرْفيّةً ولكنها مصحوبة بتعليقات وتفاسير كثيرة. وتبنّتها مؤسّسة الملك فهد بعد تنقيحها ومراجعتها، ونشرتها سنة 1989. وقد نشر مُحمَّد حميد الله أيضًا كتابات في سيرة الرَّسول سنة 1952م، في جزأين قدَّم لهما لوي ماسينيون (Massignon).

ويمثّل أبو القاسمي فخري شقّ المترجمين الشيعة، الذين يستحضرون أحيانًا عقيدتهم المُناصِرة لآل البيت عند القيام بعمليّة الترجمة بالاعتماد على التأويل الشيعيّ للنصّ القرآني القائم على المقابلة بين الظاهر والباطن، وعلى وجود معنى خفيّ لا يدركه إلاّ الرسول والأئمّة. معنى ذلك أنّ النصّ القرآني ليس إلاّ حاملًا ماديًّا لقرآن آخر مخفيّ "في اللّوح المحفوظ". وقد جاء أبو القاسمي فخري إلى مجال الترجمة من مجال آخر مختلف تمام الاختلاف هو مجال الهندسة وبناء الجسور المعدنيّة. وقد درّسها في جامعة تبريز وكتب فيها مؤلّفات منشورةً، ومع ذلك "كان يجد سعادته في تدبّر معاني القرآن وترجمتها إلى الفرنسية، سعادةً يراها ظاهريّةً وباطنيةً وموجودةً، حسب قوله، في الطَّريق التي سلكها الأنبياء وفي الكتاب العزيز"16، وفيها يُصرّح أيضًا أنّه رجع إلى تأويلات العلماء المسلمين للقرآن الكريم وإلى ترجماته السابقة إلى الفرنسيّة قبل أن يشرع في ترجمته بنفسه.

وهذا بالذات ما تعارضه المترجمة المصريّة زينب عبد العزيز التي درّست الفرنسيّة في الأزهر وألّفت كتبًا ومقالات عديدةً باللغتين العربية والفرنسية. وقد ميّزت في مقدّمتها لترجمتها بينالمستشرقين والمسلمين ورأت أنّهما فريقان يتباينان أسلوبًا وأهدافًا، إذ لا تخلو بعض ترجمات المستشرقين في نظرها من غايات سياسيّة ومؤثّرات عقدية تتمثّل خاصّةً في عقيدة التثليث التي رفضها الإسلام. وهي ترى أيضًا أن ترجمات الشيعة للقرآن لا تخلو من تأثير التأويل الباطني المفرط في تقديس آل عليّ وفاطمة17.

إلاّ أن أكثر الترجمات المثيرة للجدل هي دون رَيْب ترجمة أندري شوراكي اليهوديّ العقيدة. ولد في الجزائر سنة 1917 وتحوّل إلى القدس سنة 1957 حيث كان نائبًا لرئيس بلديّتها. وقد اشتغل مع رئيس الوزراء بن غوريون، درس التوراة منذ صباه على يد أحد الأحبار بالجزائر وأسّس عِدّة منظمات يهوديّة إلى أن عيُّن عضوًا بالمنظّمة الصهيونيّة العالمية رغم ادّعائه الانتماء إلى منظمات تدعو إلى السلام ومشاركته في الحوار المسيحيّ اليهوديّ. توفي سنة 2007. وتُعتبر ترجمته من أسوأ ترجمات القرآن الكريم؛ إذ انتقدها عدد كبير من الباحثين والمترجمين18. وكان واعيًا بهذه المنزلة الدنيا فسعى إلى الحصول على تزكية من أحد شيوخ الأزهر هو دكتور محمود عزّابي الذي قبل مراجعة الترجمة، لذلك صدّر ترجمته باسمه مُضيفًا أعلامًا آخرين عرفهم في "بيروت، والقاهرة، والإسكندريّة، وتونس، والجزائر، ووهران، وتلمسان، ومراكش، وفاس، والدار البيضاء، والرباط، وباريس" كما يدّعي في مقدّمة كتابه19. فكأنّه بهذا يبحث جاهدًا عن الاعتراف بترجمته لأنّه يعرف أنّها مُحرّفة ومنحازة. وفضلًا عن ترجمته الكتاب المُقدّس بعهديه القديم والجديد (التوراة والإنجيل) فقد ترجم القرآن إلى العبريّة ومنها إلى الفرنسيّة. لذلك وصفت ترجمته "بأنّها عبرانية أو تحريفية" تسعى إلى "عبرنة القرآن" على حدّ عبارة الشيخ عبد الله الموسى. وأضاف رياض بن يوسف قوله في الملتقى الدولي الأوّل حول الترجمة الأدبية: "وكانت ترجماته تثير الجدل والرفض عند قطاع واسع من المختصّين، حتَّى اليهود، لأنّه كان يترجم الكلمات انطلاقًا من جذورها الاشتقاقيّة لإثبات القرابة اللغوية بين التَّوراة العبريّة من جهة والأناجيل والقرآن من جهة أخرى"20. فهو منذ العنوان يضيف ما يخدم هذه النزعة فيضيف إلى كلمة "قرآن" لفظة Lappel أي النّداء مبرّرًا هذه الإضافة بأنّ كلمة "قرأ" في الأصل تعني صرخ في اللغات الساميّة ومنها بالطبع العربيّة والعبريّة. وقد عدنا إلى معجم لسان العرب لابن منظور، فلم نجد فيه هذا المعنى المزعوم. وبذلك يجعل القرآن ليس مجرّد نداء بل صُراخًا لتجميع العباد، الموتى منهم والأحياء، في حين اكتفى غيره من المترجمين بكلمة "القرآن" مع اختلافات بسيطة في رسم الكلمة بالحروف اللاتينية، أو أضاف إليها بعضهم كلمة "مقدّس" Le Saint Coran مثل حميد الله أو "نبيل" مثل "مصحف المدينة" (Le Noble Coran). ثمّ يتحوّل شوراكي إلى البسملة ويفسّر عبارتي "الرَّحمن الرَّحيم" باشتقاقيهما اللُّغوي مِن "الرحم" لأنّ الله في نظره رَحِمُ الكون بأكمله النابع منه. فيترجم الكلمتين بعبارتي matriciant et matriciel المشتقّتين من كلمة matrice أي الرحم. والعبارتان معجميّا تنطبقان الأولى على علم الجبر والثانية على المِكَنِيكَا. فما أبعدنا عن "الرَّحمنِ الرَّحيمِ". وهو لم يكتف بهذه التأويلات الغريبة بل أضاف إلى عناوين بعض السُّور ما يروقه. من ذلك "سورة الإسراء"، فهو لا يكتفي بترجمتها بعبارة تفسيرية (Le voyage nocturne) أي السفر اللَّيليّ بل يُضيف إليها عنوانًا ثالثًا غير موجود في الأصل: "بنو إسرائيل". وهذه أغرب إضافة إلى عنوان السورة الأصليّ. ونضيف مثالًا أخيرًا يدلّ على حُرّيّة تصرّفه بل حرّيّة تحريفه! في ترجمة القرآن بما يخدم عقيدته، من ذلك أنّه "يدّعي في مواضع أن بعض الآيات ناقصة، فيأتي بعبارات من التوراة ليستكمل بها بعض النَّقص المزعوم موهمًا أنَّ القرآن تأثر باليهوديّة والنصرانية أي بالتوراة والإنجيل"21.

وفي ختام هذا القسم الأوّل، نُلاحظ أنّ ترجمات القرآن إلى الفرنسية لم تسلم في الغالب من أحد أمريْن: إمّا اللُّجوء إلى التأويل بما يتلاءم وقناعات المترجم الفكريّة والعَقَديِّة، أو الخُضوع عن وعي أو عن غير وعي إلى "إيديولوجيّة" المترجم الاجتماعيّة والثقافيّة التي تَدفعه إلى اختيار لفظة ما دون سواها. وهذا ما ينبغي أن نُركّز عليه في القسم التطبيقي من هذا البحث.

2- أثر العقيدة في الترجمة

 كنّا نعتزم التركيز على سورة واحدة أو آية واحدة، نتتبّعها في الكتب الستة التي وقع عليها اختيارنا بسبب تنوّع انتماء أصحابها إلى ديانات ومذاهب مختلفة. إلاّ أنّه سرعان ما تبيّن لنا عقم هذه المنهجيّة، لأنّه مهما كانت السورة أو الآية فإنّنا لا نجد في ترجمتها بالضرورة أثرًا ثابتًا لكلّ من الأديان السماويّة أوالمذاهب الدينيّة. فانصرفنا عنها إلى منهجيّة أخرى تقوم على رصد بصمات كلّ عقيدة على المترجم انطلاقًا من جملة من القضايا التي كنّا على يقين أنّ ترجمة الآيات المتعلّقة بها متأثرة حتمًا بعقيدة صاحبها. فصنّفنا المنطلقات داخل جملة من الألفاظ والآيات يتعلّق كلّ منها بموضوع ما مثل "التثليث"، و"عيسى"، و"الإنجيل"، بالنسبة إلى العقيدة المسيحيّة، و"التوراة"، وفعل "هادوا" بالنسبة إلى العقيدة اليهوديّة، و"إمام"، و"وليّ" و"الغيب"، بالنسبة إلى الشيعة. وهذا بالطبع لا يمنع من الاستعانة بمفاهيم أخرى ذات صلة بالمفاهيم المنتقاة. وبما أنّه ليس من الثابت أن نجد أثر العقيدة في الترجمات الست. فقد ركّزنا على النصوص المتضمّنة للحدِّ الأدنى من ذلك التأثير واستبعدنا النصوص الأخرى. وكان الأمر أيْسر لو قام البحث على مدوّنة من التفاسير والتأويلات لأنّ الاعتماد على الترجمات ليس دومًا مضمون النتائج.

 فمسألة "التثليث" مثلًا جاءت في الآية 171 من سورة "النساء" التي يؤكّد القرآن الكريم في بدايتها أنّ المسيح مُجرّد رسول من البشر: "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه". فهو إذن ليس إلهًا، ولا ابن الإله كما يعتقد النَّصارى، وبالتالي فلا يمكن أن يكون جزءًا من المركّب الإلهي؛ (الأب، والابن، وروح القُدُس)، فيُعبد كما يُعبد الله: "فآمِنوا بالله ورُسلهِ، ولا تقولوا ثلاثة. انتهوا خيْرًا لكم. إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولَد"22. وفي هذا إشارة واضحة إلى اعتقاد المسيحيّين في ثلاثيّ متكوّن من الأب والابن والرُّوح القُدُس.

والآن كيف ترجم كلّ من المسيحيّين كَزِمِرْسْكي وبلاشار، والمُسلمين السنّيين مُحمَّد حميد الله، وزينب عبد العزيز، والمسلم الشّيعيّ أبي القاسميّ فخري، واليهوديِّ أندري شوراكي هذه الآية؟

إنّ أوّل ما يلفت الانتباه في ترجمة كزمرسكي وبلاشار ترجمة لفظة "الرسول" بكلمة apôtre وهي من لغة المسيحيّة وتعني الحواريّ. ومعلوم أنّه كان للمسيح حواريّون اثنا عشر يناصرونه وينشرون دعوته. وقد اهتدى غيره حميد الله، وشوراكي إلى اللَّفظة المطابقة للفظة "رسول"، وهي messager أي حامل الرسالة. ومن ناحية أخرى ترجم كزمرسكي العبارة القرآنية "روح منه"، بـ"il est un esprit vivant"، وهي تعني أن المسيح "روح الله". والفرق شاسع بين "روح الله" و"روح من الله". إنّما العبارة التي اختارها المترجم تمثل جزءًا من الثالوث وهو "الرُّوح القُدُس" في حين أنّ المقصود هو أن الله نفخ من روحه في مريم فضلًا عن كلمته التي ألقاها إليها، فأنجبت المسيح.

وكما ترجم العبارة القرآنية "ولا تقولوا ثلاثة"، بعبارة: Ne dites point Trinité، فحاد عن رقم ثلاثة الذي تبنّاه غيره من المترجمين غير المسيحيين فقالوا troisمثل حميد الله، وأبي القاسمي، وشوراكي، إلى مفهوم "التثليث"، ركيزة العقيدة المسيحيّة، وجاء في بقية الآية تنزيه الله من أن يكون أبًا لولد ما "سبحانه أن يكون له ولَد". وقد اتّفق سائر المترجمين على ترجمة "ولد" بـ ـenfant أي طفل، باستثناء كزمرسكي الذي اختار كلمة filsأي ابن. ولا تخفى الإحالة على أحد عناصر التثليث المذكورة: الأب والابن والروح القدس.

ويبدو أن كزمرسكي لا يميّز بين الأنبياء (أو لا يريد ذلك). فبعد أن عوّض في ترجمته اسم إبراهيم في الآية الكريمة: "إنّ هذا لفي الصحف الأولى، صحفِ إبراهيم وموسى"23 باسم عيسى، عوّض اسم المسيح باسم موسى24 في الآية: "وقالت اليهود: عُزَيْر بن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله"25. وإذا كان التحريف الأوّل ربّما يكون مقصودًا بدافع المسيحيّة، فإنّ الثاني ليس له مبرّر عقائديّ واضح.

ولكن كيف نُفسّر طمس بني إسرائيل والتوراة في ترجمته للآية الكريمة: "وإذ قال عيسى بن مريم: يا بني إسرائيل، إنّي رسول الله إليكم مُصَدِّقًا لما بين يديّ من التوراة ومبشّرًا برسولٍ يأتي مِن بَعدي اِسمهُ أحمد (...)"26. فقد عوّض عبارة "يا بني إسرائيل" بعبارة sonpeupleأي (شعبه أو قومه)، وحذف كلمة "التوراة" دون أن يعوّضها أو يترجمها. ومع ذلك فقد ترجمها في آية أخرى: "مَثَلُ الذين حُمّلوا التوراة ثمَّ لم يحملوها.."27. ولكنه اختار لها كلمةً نادرةً في الاستعمال:"Pentateuque" وهي تعني الأسفار الخمسة الأولى من "العهد القديم"، ويطلق عليها بالعبريّة Torahومنها اشتقّت كلمة "التوراة" في القرآن. فلا نفهم لماذا تجنّب كزمرسكي الكلمة المستعمَلة بكثرة ولجأ إلى مصطلح غريب لا يشمل غير جزء من العهد القديم يتضمّن "التكوين" و"الخروج" و"اللاويّين" و"العدد" و"التثنية". والملاحظ أن جميع المترجمين الآخرين استعملوا كلمة Torah( التوراة ).

ومن جهة أخرى تصرّف كلّ من المترجمين في أداء معنى كلمات جاءت في الآية الكريمة: "اتّخذوا أحبارهم ورهبانَهم أربابًا من دون الله، والمسيحَ بنَ مريم"28. ونضيف إلى ألفاظ "الأحبار" و"الرهبان" و"الأرباب"، كلمة "أولياء" في الآية 6 من سورة الجمعة: "قل يا أيّها الذين هادوا إن زعمتم أنّكم أولياء لله". فالأولى ( أحبارهم ) وجدنا لها ما لا يقلّ عن أربع ترجمات مختلفات:

- كزمرسكي: leurs docteurs

- شوراكي: leurs rabbs (وهي نفس اللفظة التي ترجم بها "الأرباب" في الآية نفسها).

- حميد الله: leurs rabbins

- أبو القاسمي: تردّد بين rabbins و docteurs

- زينب عبد العزيز: leurs savants

فكأنّ كزمرسكي وزينب عبد العزيز أرادا أن يكونا في منتهى الحياد الدينيّ فاختارا ما يفيد العِلم فحسب، في حين اختار حميد الله اللّقب المسند إلى أهمّ رجال الدين اليهود وهوrabbins وجمع أبو القاسمي بين اللفظين الأوّل في معناه المعجميّ (docteursوالثاني في صيغتها الاصطلاحيّة (rabbins). أمّا شوراكي فقد شذّ عن الجميع متفرّدًا بكلمة "clercs"، وخلط بين "الرهبان" و"الأرباب"، فترجمهما باللفظة الغريبة (rabbs)، فكأنّه جعل الرهبان أربابًا، وهو بالذات ما تنهى عنه الآية!

وهذا منتهى التحدّي والتَّحريف. وهو ما لا نجده في الترجمات الأخرى للفظة "الأرباب" هذه، إذ وَجَدَ لها كلّ من كزمرسكي، وبلاشار، وحميد الله، وأبي القاسمي، وزينب عبد العزيز، المقابل نفسه: seigneurs. ولعلّهم قد تأثروا ببعضهم البعض، لأنّ هذه الكلمة في الفرنسية لا يطغى عليها البعد الدينيّ الموجود في الآية. فهو في الأصل الإقطاعيّ أو النبيل في أعلى رتبة أو القائد العسكري. وينطبق أحيانًا حتَّى على التنظيمات الإجرامية أو التمرّديّة. وآخر معانيها في المعاجم الفرنسيّة : "الله". ولكنها في الآية استعملت في الجمع، ولهذا لا تنطبق تمامًا عليها. وربّما كان من الأوْلى استعمال كلمة تُجمع في اللغة الفرنسية أيضًا: Les dieuxويقابلها في العربية "الآلهة" في صيغة الجمع أيضًا، وهي أقرب إلى لفظة "الأرباب". و بذلك يتأكّد الشرك المقصود في الآية.

أمّا عبارة "أولياء لله" الواردة في قوله تعالى: "قل يا أيّها الذين هادوا، إن زعمتم أنكم أولياء لله (...)"، فلها أربع ترجمات مختلفات:

- كَزِمرسكي و شوراكي: Les alliéde Dieu ومعناها الحرفيّ: حلفاء الله.

- بلاشار، وأبو القاسمي فخري: Les proches de Dieu

- حميد الله:Les amis de Dieuوتعني: أصدقاء الله.

- زينب عبد العزيز:Les bien-aiméde Dieu و تعني: أحباب الله.

ففي حين اتفق المترجم المسيحيّ والمترجم اليهوديّ على اللفظة نفسها من البديهي أنّ الثاني أخذ عن الأوّل- فإنّ المترجمين المسلمين الثلاثة اقترح كلّ منهم ترجمةً مختلفةً ولكنّها متقاربة إذ ابتعدت كلّها من المعنى السياسيّ الموجود في "حلفاء الله". فالترجمات الثلاث أقرب إلى الحميمية بين الله وخلقه: أصدقاء الله، المقرّبون من الله، أحباب الله. ولا فرق بين ترجمة المسلم الشيعيّ وترجمتي السُّنّيين إلا في اللفظ، أمّا المعنى فهو متقارب عند ثلاثتهم.

إلا أنّهم اختلفوا جميعًا في ترجمة كلمة "إمام" في الآية الكريمة: "وكلّ شيء أحصيْناه في إمام مبين"29.

- كزمرسكي: Prototype : بمعنى النموذج الأصليّ.

- حميد الله: Directoire : الطراز.

- شوراكي: Imâm

- أبو القاسمي: Guide (قائد)، Registre: (سجلّ).

- زينب عبد العزيز:LeLivre: (الكتاب).

ولعلّ فعل "أحصيْناه" وما يقتضيه من حساب وأرقام هو الذي دفع أغلبيّة المترجمين إلى استعمال فعلي dénombrer وcompter وما يتّصل بهما من دفاتر وحسابات، رغم ترجمتهم كلمة "إمام" بما يدلّ على القدوة والنموذج (كزمرسكي، وحميد الله). وهو معنى نجده في آية أخرى في صيغة الجمع: "وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا"30، وقد ترجمت في أغلب الأحيان بما يفيد القيادة والتوحيد (guides) عند أبي القاسمي أي القادة، و dirigeants عند حميد الله أيّ المسيّرون، و pontifes عند كزمرسكي أي الأحبار، و maitres عند زينب عبد العزيز أي السادة.

ونحن نظن أن هذه الباحثة المصريّة هي التي اهتدت إلى الترجمة المناسبة لكلمة "إمام" في الآية الأولى. فقد ربطتها بفعل "أحصيناه" الذي ترجمته بفعل consigner أي سجّل، كما ربطته بكلمة "مُبين" التي تُسند عادةً إلى القرآن للدلالة على وضوحه، فاقترحت كلمة LeLivreبحرف التاج أي "الكتاب المبين". وهذه كلّها اجتهادات وتأويلات لم نر لها صلةً مهمة بعقيدة المترجم. وقد توقّعنا أن الترجمة الشيعيّة لكلمة "إمام" سيكون لها علاقة بالإمام المنتظر أو على الأقلّ بالإمام عليّ، ولكن أبا القاسمي اختار معنى آخر هو معنى السِجلّ أو الدفتر.(Registres)

وقد رأينا أن نتتبّع أيضًا ترجمات لفظة قرآنية أخرى مثيرة للجدل حول معناها ومقصدها هي لفظة "الغيب". وقد وردت في القرآن ما لا يقلّ عن 48 مرّةً في المفرد وأربعًا في الجمع (الغُيُوب). وهي في الكثير من الأحيان مقترنة بكلمة "علم" المنسوب إلى الله وحده، وبلفظة "الشهادة" المناقضة لها. وقد اخترنا آيةً من سورة "الجنّ" منطلقًا لمعرفة فهم كلّ من المترجمين الخمسة لمقصدها والنظر في الدوافع العَقدِيّة الموحية بذلك الفهم والتعبير عنه: "عَالِم الغَيب فلا يُظْهِر على غيبه أحدا"31.

كَزِمِرْسْكي: Les choses cachées (الأمور الخفيّة).

حميد الله: Linvisible (ما لا يُرى).

شوراكي: Mystère (سرّ خفيّ لغز -)

أبو القاسمي: Réalitésuprasensibles (حقائق تتجاوز الحسيّ)

زينب عبد العزيز: Locculte (خفيّ، مستور، سرّيّ).

وردت اللفظة في سورة الجنّ، والجنّ مبدئيًّا لا يراه البشر في حين يراه الله ويعرف خفاياه. ولكنّ للعبارة في نظرنا معنى أوسع بكثير من هذه المخلوقات، فنحن نرى أنّها تعني الآخرة وأسرار قيام الساعة. لذلك فإنّ الله لا يُطلع عليها البشر في الدنيا، والدنيا ممّا يُرى، والله يجمع بين معرفة الدنيا والآخرة حسب مفهوم الآية. ويبدو أن المترجمين الخمسة احتاروا في ترجمة كلمة "الغيب"، فلجأ بعضهم إلى تفسيرها عوض ترجمتها فقال أحدهم : "الأمور الخفيّة"32. وقال الثاني: "الحقائق التي تتجاوز المحسوسات"، وقال الثالث: "ما لا يُرى" ولم يوفّق غير اثنين اعتمدا على المصطلحات الدينيّة، فقال أحدهما: "سرّ" الواردة في قوله تعالى: "قل أنزله الذي يعلم السرّ في السماوات والأرض"33. وقال الثاني: خفيّ (Occulte) (إشارة إلى قوله تعالى: "إنه يعلم الجهر وما يخفى )34.

هل لهذه الترجمات علاقة بعقيدة كل من المترجمين؟

الواقع أنّ هذا اللفظ القرآني لا يترك مجالًا لتدخّل العقيدة في ترجمته لأنّ إيجاد مقابل له في الفرنسيّة لم يكن من السهولة بمكان، لذلك لجأ ثلاثة منهم إلى التفسير واقترح الاثنان الآخران كلمتين تقتربان من مفهوم الغيب دون أن يكون هو. وهذا ما يدفعنا إلى عدم التعميم وإلى عدم اعتبار تأثير العقيدة في الترجمة قانونًا لا محيد عنه.

أمّا إذا تعلقت الترجمة بلفظ له بُعد تاريخي فإنّ الأمر يختلف إذ لا تتدخّل العقيدة فحسب بل الموقف السياسيّ أيضًا. وهذا يظهر في الفوضى والارتباك اللذين صحبا ترجمة كلمة "الروم" في قوله تعالى: "غُلِبَت الروم.في أدنى الأرض وهُمْ مِن بَعد غَلَبِهِمْ سيَغْلِبُون.في بِضْعِ سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم"35.

مَن هُمَ الرُّوم؟ ومن أعداؤهم؟ ومنهم المؤمنون الذين يفرحون بانتصارهم؟ وما نصيب التاريخ من هذا الوضع وما نصيب التنبُّؤ بالمستقبل؟ كلّ هذه القضايا أثيرت عبر الترجمة وكذلك عَبْر تفاسير وتوضيحات رأى بعض المترجمين أنّه لا مناص من إضافتها.

ومن المعلوم أنّ الرُّوم على لسان المؤرّخين العرب والمسلمين هم البيزنطيون؛ لأنّ عاصمتهم القسطنطينية قامت على أنقاض مدينة قديمة (بيزنطة) ولأنّ امبراطوريتهم الممتدّة إلى الشام وشمال العراق تمثل الجناح الشرقيّ المتبقّي من الامبراطوريّة الرُّومانيّة بعد سقوطها في الغرب. لذلك اختلفت تسميات المترجمين لها. فقال كزمرسكي: "Les Grecs" (اليونانيون)، وقال كل من شوراكي وزينب عبد العزيز: "Les Romains" (الرومان)، وقال أبو القاسمي فخري: Les Byzantains (البيزنطيون)، واختار حميد الله كلمة Les Roums فحافظ على التسمية العربية "الروم". ولكنه لم يكن مرتاحًا لها فأضاف تفسيرًا تاريخيًّا يبيّن فيه أن كلمة الروم مشتقّة من كلمة الرومان، وأنّ هَزيمتهم المذكورة في الآية تعود إلى السنة التي انتصر فيها الفرس على الروم (620 م)، وقد استبشر مشركو مكّة بانتصار المجوس على الموحّدين النصارى. ونزلت الآية في غزوة بدر سنة 624 لطمأنة المسلمين بأنّ الروم الموحّدين مثلهم، وإن هُزِموا فإنّهم سينتصرون في بضع سنين. و"بِضع" في اللغة تدلّ على العدد بين 3 و9. وبما أنّ الروم بدورهم انتصروا على الفرس بقيادة هيراكليوس (641 610) في نِينَوي قرب الموصل ("في أدنى الأرض" المتاخمة للجزيرة العربيّة) سنة 627 أي بعد سبع سنوات من هزيمتهم وثلاث سنوات بعد بدر، فقد صدّق المفسّرون تنبّأ الآية: "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله". من هم المؤمنون؟ الروم الموحّدون؟ أم المسلمون في بدر؟ وفي كلّ الحالات العرب المسلمون كانوا يفضّلون انتصار أهل الكتاب والتوحيد (الروم) على المجوس المشركين (الفرس). وقد اتّفق أربعة من المترجمين الستة على ترجمة كلمة "المؤمنون" بلفظة Croyants وهي المقابل الصحيح والوحيد لها. ولم يشذّ غير اندري شوراكي فترجمها بكلمة غريبة لم نجد لها أيّ تفسير وهي Adhérents وتعني "المنخرطين"! ). لعلّ اليهوديّة التي ينتمي إليها تعتبر معتنقيها مجرّد "منخرطين" يدفعون معلوم انخراطهم سنويًّا.

خاتمة

هذه بالطبع نماذج محدودة اعتمدناها لبلورة إشكاليّة مدى تأثير العقيدة والانتماء الديني والمذهبي في ترجمة القرآن الكريم، ولكنّها كافية في نظرنا لإبراز دوْرهما في اختيار الألفاظ والمفاهيم لأداء المعنى القرآني. وقد ثبت لدينا أنهما في الكثير من الأحيان يقومان بهذا الدور عن وعي أو عن غير وعي. ونحن نغلّب عدم القصديّة واللاوعي على إرادة التوظيف العقدي، والدليل على ذلك أنّنا لا نجده في كلّ الحالات وعند كافة المترجمين. فقد رأينا أمثلةً من ترجمة بعض الألفاظ القرآنية لم تتدخّل في اختيارها العقيدة ولا المذهب. ومن وهنا جاءت صعوبة الموضوع وضيق أفقه. ولو كان الاعتماد على التفاسير لكان الأمر أيسر، ولكنّ تضييق زاوية النظر إلى هذا الحدّ قد يدفع إلى التصنّع والتسرع في تعميم التأثير على كامل الترجمات. ومهما كانت محدوديّة النتائج فإنّها على الأقلّ من شأنها أن تلفت الأنظار إلى مثل هذه المنهجيّة المقارنيّة وجدواها التي قد تفاجئ المترجمين أنفسهم خاصةً منهم من لم يقصد إلى توظيف عقيدته قصدًا. وهذا الموقف أغلبيّة المترجمين لم يشذّوا عنه غير أندري شوراكي الذي كانت ترجمته للقرآن عن العبريّة وليس عن الأصل العربي، اللغة محلّ انتقاد وتجريح من قِبل عدد من الباحثين، ومنهم من خصّص له أطروحة دكتوراه لنقده والتشهير برداءة ترجمته.


الهوامش

1 اقتبسنا هذا العنوان الفرعيّ من عنوان كتاب لأبي حيّان التوحيديّ.

2مركز الفتوى، حكم ترجمة القرآن الكريم حرفيّا، فتوى عدد 63947:Fatwa.islamwebnet"أما ترجمته الحرفيّة فلا تصحّ" وانظر أيضًا: عفيف البوني، قرآنات اللغة اللاتينية واللغة الفرنسيّة، قصة "تحريم" الفقهاء ترجمة "كلام الله" العربيّ وحرمان غير العرب من قراءته، دار يافا للنشر، بيروت، 2018.

3 Neuve-Eglise (Amélie), Les traductions françaises du Coran, de l’orientalisme à une lecture plus musulmane, Revue de Tahrane, N° 11, octobre 2006.p.2.

4 Op.cit. p.2.

5 راجع: مُحمّد الصَّالح بنداق، المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983

6 محمد بهاء الدين حسين، ترجمة القرآن الكريم: حكمها، وآراء العلماء فيها، دراسات الجامعة الإسلامية العلمية، شيتاغونغ، المجلد الثالث، ديسمبر 2006.

7ذكر صاحب المقال "القرآن و ترجماته إلى الفرنسية" أنه ترجم إلى الفرنسية 120 مرّةً. وهذا الرقم مبالغ فيه ويبدو أنه يتعلق بترجمته إلى مختلف اللُّغات وليس إلى الفرنسية فقط.

8 Neuve-Eglise, op.cit.p.4.

9 op.cit. p.4.

10 انظر تقديم الترجمة المنشورة عبر "الإنترنت"، ص2.

11 Neuve-Eglise, op.cit.

12 سورة الأعلى، الآيتان 18 و19 .

13 Kasimirski, Le Coran, p.480.

16 انظر مقدّمة ترجمته للقرآن.

17 Abdulaziz(Zeineb), Le Noble Coran, p.17.

18 انظر مثلًا: رياض بن يوسف، ترجمة أندري شوراكي للقرآن: من تحريف الدّال إلى تلفيق المدلول.   

19 P.23.

20 المرجع السابق.

21 المرجع السابق.

22 سورة النساء، الآية 171.

23 سورة الأعلى، الآيتان 18 و19.

24  Cette doctrine est enseignée dans les livres anciens/Dans les livres de Moise et de Jésus “, p.480.

25 „Les juifs disent : Ozair est le fils de Dieu. Les chrétiens disent : Moise est le fils de Dieu “, p.158.( سورة التوبة، الآية 30) .

26 Je suis l’apôtre de Dieu, disait Jésus fils de Marie à son peuple. Je viens confirmer le Livre qui m’a précédé et vous annoncer le nom du prophète qui me suivra et dont le nom est Ahmed. “. p 433. .( سورة الصف، الآية 6)

27 „Ceux qui ont reçu le Pentateuque et qui ne l’observent pas “, p.435. (سورة الجمعة، الآية 5)

28 سورة التوبة، الآية 31.

29 سورة يس، الآية 12.

30 سورة السجدة، الآية 24.

31 سورة الجن، الآية 26.

32 Kasimirski : Dieu seul connait les choses cachées et ne les découvre à personne “p.456.

Hamidullah : Le connaisseur de l’invisible. Ce qu’il a d’invisible Il ne le fait apparaître à personne. “ p.572.

Chouraqui : Connaisseur du mystère, il n’associe personne à son mystère. p.871.

Aboulqasimi : p.620.

ZeinebAbdulaziz : Très-Scient de l’occulte. Il ne le révèle à personne. p.711.

33 سورة الفرقان، الآية 25.

34سورة الأعلى، الآية 7.

35 سورة الروم، الآيات 2-5.


المصادر والمراجع

المصادر

القرآن الكريم.

(الترجمات المختارة، ومرتبة حسب تاريخ ترجمات مع ذكر الطبعة المعتَمدة)

1. Kasimirski, Le Coran, (Ed.Garnier-Flammarion,Paris,1970). 1ère ed.1832.

2. Blachère (Régis), Le Coran, Paris, 1949.

3. Hamidullah (Mohammad), Le Saint Coran, (Ed. AmanaCorporation, USA, 1989). 1ère ed.1959

4. Chouraqui (André), Le Coran, LAppel, Ed.Robert Laffont, Paris, 1990.

5. Abdulaziz (Zeineb), Le Noble Coran, Paris 2009.

6. Aboulkasimi (Fakhri), Le Noble Coran, Paris, 2009.

المراجع العربية

ابن محمد (إيمان)، البعد الإيديولوجي في ترجمة معاني القرآن عند المستشرقين،

www.asjp.cerist.dj

ابن يوسف (رياض)، ترجمة أندري شوراكي للقرآن الكريم، من تحريف الدالّ إلى تلفيق المدلول.

البرنجي(ندى محمد جميل)، إشكالية ترجمة معاني بعض الخصوصيات النحوية في القرآن الكريم (دراسة مقارنة).

البرنجي (ندى محمد جميل)، بعض المشاكل التي تعيق ترجمة معاني القرآن إلى الفرنسية.

بسّاط (حسام)، استعراض تاريخي لترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسية، ضمن أعمال المؤتمر الدولي الأول حول ترجمات معاني القرآن الكريم، إشراف وتقديم بسّام بركة وحسام بسّاط، دار الكتب العلمية، بيروت 2015.

البوني (عفيف)، قرآنات اللغة اللاتينية واللغة الفرنسيّة. قصّة "تحريم" الفقهاء ترجمة "كلام الله" العربي وحرمان غير العرب من قراءته، دار يافا للبحوث والدراسات والنشر والتوزيع، 2018.

خلف الله (نجم الدين)، الترجمات الفرنسيّة طريق غير معبّدة إلى معاني القرآن.

عالم شوق (محمد شاكر)، ترجمة معاني القرآن ودور المستشرقين فيها، دراسات الجامعة الإسلامية العالمية، شيتاغونغ، ديسمبر 2007.

 عزّوزي (حسن)، ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم مجلّة كلّيّة اللغة العربية بجامعة مرّاكش، العدد 8، 1996.

عالم شوق (محمد شاكر)، ترجمة معاني القرآن ودور المستشرقين فيها، دراسات الجامعة الإسلامية العالمية، شيتاغونغ، المجلد الرابع، ديسمبر 2007.

 عوض (إبراهيم)، ترجمة جاك بيرك للقرآن بين المادحين والقادحين، مكتبة الأهرام، القاهرة، د.ت.

كمار (فودي سوريبا)، ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية التي أعدّها رجيس بلاشير.

مغربي (هوارية)، القرآن والترجمة: قراءة في ترجمة أندري شوراكي، رسالة دكتوراه، جامعة وهران، 2016.

نصري (أحمد)، تاريخ ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبيّة، مركز الدراسات القرآنية، 14 نوفمبر 2018.

المراجع الأجنبية

1. Al-Khatib (Mohammad ), Idéologie et traduction du sacré en arabe, https://www.academia.edu

2. Bormans (P.Maurice ), Les traductions françaises du Coran, présentation et évaluation, file://cLusers.html

.3 Jomier (Jacques),Le Coran : textes choisis par rapport avec la BibleEd. du Cerf, 1989.

4.Larzul (Sylvette), Les premières traductions françaises du Coran ( XVII-XIX ième siècles ), Archives des sciences sociales des religions,N° 47 (Juillet-Septembre 2009), pp.147-165.

5 . Neuve-Eglise (Amélie) Les traductions françaises du Coran : de lorientalismeàune lecture plus musulmane, Revue de Tahrane, N° 11, Octobre 2006.

6 . Trabelsi (Salah),LeCoran et ses traductions en France, https://www.ensib.fr

7 . Wikipedia, Traductions du Coran,https://fr.wikipedia.org

8. Yahyavi (Sepehr), Aperçu des traductions du Coran en latin et en français, Revue de Tahran, N°82, Septembre 2012.

محمود طرشونة
محمود طرشونة
كاتب وأستاذ التعليم العالي في الجامعة التونسية، حصل على الجائزة التقديرية للآداب والعلوم الإنسانية (1998)، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي (2017). ألَّف ما يقارب الخمسة وعشرين كتابًا في النقد الأدبي والرواية والترجمة.