الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى

عبد الحكيم شباط

الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى

كتاب: الأُسسُ العقلانيَةُ والسُّوسيولوجيّة للمُوسيقى

تأليف: مَاكسْ فِيبَر

عام النشر: 1921م

 

يقع الكتاب في القسم الثاني من المجلد الرابع عشر من مجموع الأعمال الكاملة لمؤسس علم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، والتي جمعت في 32 مُجلَّدًا من القطع الكبير، بالإضافة إلى ملحقات ثانوية. قام بنقل العمل بجودة ممتازة إلى اللغة العربية المترجم الأستاذ حسن صقر والعمل فاز بجائزة الشيخ حمد الدولية للترجمة. إنَّ النَّظرة الشَّاملة لأعمال المؤلف، والمعالجة المستفيضة لمادة هذا العمل، تبين أنَّ المحتوى المعرفي لهذا الجزء، مقارنة بغيره، لا يأخذ إلّا حيّزًا محدودًا من الأهمية والاهتمام البحثي، ولهذا ما يبرره من النّاحيتين العلميّة والتَّاريخيّة، وهذا يرتبط مباشرة بالأهميّة المحدودة للعمل في حقله التّخصصي، ونذكر هنا أهم هذه المبررات:

1- ظروف تأليف هذا العمل ونشره، والهدف الّذي أراده المؤلف منه، ونتناولها بإيجازٍ شديدٍ: نشأ فيبر في أسرة برجوازية، تعدّ الموسيقى من تقاليدها الأساسية. عمة أبيه متزوجة من الموسيقار العالمي مندلسون. أمّه السيدة هيلينا فالينشتاين كانت تجيد العزف على "البيانو". وعلى ذلك تثقف فيبر موسيقيًّا منذ صغره، وأحسن العزف على "البيانو". هذه الهواية تقاطعت مع مشروع فيبر المعرفي الكبير، الذي يهدف إلى بناء العلوم الإنسانية والاجتماعية على أسس منهجية عقلية واضحة. وهذا المشروع يستند إلى فرضية تبنّاها فيبر، تقول: إنّ العقلانية خاصية ملازمة للثّقافة الغربيّة من دون بقية الثّقافات الإنسانيّة الأخرى. وهو لا يستند في تبنيه هذه الفرضية إلى أسس عرقيّة أو عنصريّة، ولكنه كان يعتقد أنها تتعلق بالخصائص الدّاخلية للثّقافة الغربيّة، وعلى ذلك أقام مشروعه المعرفيّ الكبير في سبيل إثبات هذه الفرضية. وفي إطار هذا المشروع، وبالتّوازي مع اهتمامه الموسيقيّ، أراد ماكس فيبر أن يبرهن (كذلك) على أنّ الموسيقى الأوروبيّة هي وحدها مَن تملك بنية عقلانيّة مكّنتها من تحوّيل العلامات الموسيقيّة إلى لُغةٍ قائمةٍ بحد ذاتها، والّتي نتج منها فن كتابة "النّوطة" الموسيقيّة أو التّأليف الموسيقيّ. وعلى ذلك فإنّ الهدف الأساسي لمادة هذا الكتاب: دراسة الأُسس العقليّة والاجتماعيّة لـ(فن) الموسيقى. ولكن لم يمض الأمر كما أراد له المؤلف؛ فقد كان منشغلًا جدًّا في أعمال معرفية أخرى أكثر أهمية، مثل عمله الكبير الاقتصاد والمجتمع وأيضًا التّدريس الأكاديمي في الجامعة، وشواغل أخرى كثيرة حالت دون تفرغه لإنجاز عمله المتعلق بالموسيقى، فكان في العشرة سنوات الأخيرة من حياته يكتب بعض الصّفحات بشكل متقطّع بين الحين والآخر، ثمّ كانت وفاته المُفاجئة في عام 1920م حائلًا دون إتمام هذا العمل. فأرادت ماريانا زوجته في ذلك العام نشر ما تركه من أعمال، وكان من بين ما وجدته مخطوط صغير بخط اليد، مُبعثر بين كومة من الأوراق كُتبت في فترات مُتباعدة، فيها كثير من الأخطاء والملاحظات والتّصويبات.. إلخ. وهذا المخطوط غير المكتمل هو مادة هذا الكتاب. لذلك إن مادة هذا العمل لم تكن ذات فائدة كبيرة في الحقل التّخصصي للموسيقى أو لسوسيولوجية (فن) الموسيقى، وهذا لعدة أسباب وجيه، منها: 

- أن العمل غير مكتمل من النَّاحية العلميّة.

- أن العمل غير متسق لكونه كتب في فترات زمنية متباعدة.

- أن العمل لم يخضع لمراجعة المؤلف نفسه، لإقرار صحة ما فيه من وجهة نظره الخاصة.

- أن المراجع والمصادر الّتي اعتمد عليها المؤلف كانت –كما بين تحقيق العمل في مقدمته الطّويلة- قديمة نسبيًّا في زمانه، ففي المجمل كان أحدثها ينتمي إلى عام 1912م، في حين أن الكتاب طبع في عام 1921م، أي مرت ثماني سنوات بين تاريخ المراجع المعتمد عليها وبين وفاة المؤلف نفسه، وهو بطبيعة الحال لم يأخذ بالمراجع التي ظهرت بعد ذلك وصوّبت ما في عمله من معلومات تبين أنّها غير صحيحة.

بكلام آخر، تحتوي فرضية فيبر حول موسيقى الشّعوب الأخرى على بعض المُغالطات والمعلومات غير الدّقيقة، والّتي لا ذنب له بها، بل كانت معلومات استقاها من مراجع احتوت معلومات مُتسرعة وغير وافية عن الثقافة الموسيقية لدى الشعوب غير الأوروبية، بل كذلك نجد معلومات خاطئة عن وضع التَّأليف الموسيقي لبعض الشّعوب الأوروبية ذاتها، كما هو الحال مع الموسيقى في الجزيرة الإنجليزية، فقد ذهب فيبر إلى أنّ تشدد الكنيسة الكاثوليكية الأيرلندية تسبب في تأخر الموسيقى الإنجليزية عن مثيلاتها في ألمانيا وفرنسا، ولكن المراجع الأحدث بينت أنّ هذا الاستنتاج كان غير دقيق، وأنَّ المُوسيقى الإنجليزيّة شَهِدتْ نشاطًا كبيرًا فِي الفترة المعاصرة لكتابة فيبر لهذا الرّأي. والسبب يعود –كما بينا- إلى أن فيبر لم يتمكن قبل وفاته بعدة سنوات من مراجعة ما كان قد كتبه استنادًا إلى مصادر قديمة.

2- إنَّ مادة هذا الكتاب ليست في تخصص فن الموسيقى الخالص لكي يتم الاهتمام بها من قبل الدّارس لهذا الحقل المعرفي. وهي بطبيعة الحال قد وضعت من قبل باحث غير مختص في الموسيقى. ومن ثمّ في تخصص الموسيقى يأخذ الكتاب أهمية هامشية جدًّا. فهو لم يقدم أكثر من معلومات متفرقة تنتمي بمجملها إلى تاريخ التأليف الموسيقي، مع محاولة غير مكتملة للبحث في الأسباب العقلية والسوسيولوجية للدوافع الكامنة خلف ظهور "النوطة" الموسيقية وتطورها. 

3- كما إن مادة هذا الكتاب ليست في تخصص علم الاجتماع البحت لكي يوليها دارس هذا التخصص اهتمامه وعنايته، بل هي محاولة لاستعارة الأدوات السوسيولوجية لفهم أسباب تطور "اللغة الموسيقية العقلانية" في أوروبا، والتي تبدو اليوم ذات قيمة علمية محدودة جدًّا. في حين أنها كانت في فترة وضع الكتاب ذات أهمية أكبر؛ لأنها كانت تجري بالاتساق مع التطلعات الاستعمارية الأوروبية لبقية الشعوب، بحجة تبليغ رسالة الحضارة والمدنية والعقلانية لتلك الشّعوب المتخلفة.. إلخ.

4- يأتي القدر الأكبر من أهمية الكتاب إلى كونه يكشف الجانب الشخصي لباحث كبير، وعالم شبه موسوعي، مثل فيبر. كما أنه يلقي الضوء على اهتماماته الفنية، وهي جزء مُكمّل من مشروعه الكبير في إيجاد الأسس العقلية، التي تبنى عليها "العلوم الثقافية" أي العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما فيها الفنون ومنها "فن الموسيقى"، الذي كان يطمح للحصول على لقب "علم الموسيقى" إذا صح التعبير.

إذًا مادة هذا العمل لا تشغل غير أهمية محدودة في (الحقول) التخصصية التي تلامسها أو تعنيها، في الإطار الألماني العلمي والثقافي العام، ولا يشغل هذا الكتاب إلا مساحة محدودة جدًّا، وهو بمجمله ينتمي إلى تاريخ المعرفة أكثر من كونه معرفة نشطة، إذا صح التعبير. ومن النّادر أن يصدر بحث حول موضوع هذا الكتاب من بين مجمل أعمال المؤلف. وكذلك في اللّغة العربيّة، يصعب القول إن هذا العمل يحصل على اهتمام كبير أو يكون له دور مهم في تطوير المجال العلمي، وذلك لأسباب وجيهة، منها:

أولاً- أن الكتاب يستند إلى فرضية مفادها أن العقلانية شبه حكر على الثقافة الأوروبية، وماكس فيبر يشير إلى هذا بوضوح عندما يتكلم عن الموسيقى العربية. فهو يقول:

- "(...)، هنالك تجارب أخرى ينبغي ذكرها لاحقًا تخص السلم العربي، الذي يجد نفسه في فوضى صعبة من خلال الثلاثيات اللاعقلانية التي تتيح معرفة عناصر مشابهة تشارك في صنع المشهد". ص324.

- وفي موضع آخر يقول: "إن إغراق كامل آسيا الغربية بنسق الموسيقى العربية يشترط بصورة نهائية قطع كل تطور نحو الهارمونية أو نحو الدياتونيك الصافي". ص 412.

- ويقول: "فإذا أخذنا "الطنبور" المؤلف من وترين، وكان آلة معروفة في بغداد، نظر إليه الفارابي على أنه آلة وثنية، أي قبل إسلامية، نجد أنه بالتأكيد مقسم بصورة بدائية ...". ص 414.

- وأيضًا يتهم الفارابي برفض عقلنة الموسيقى، فيقول: "(...) وأخيرًا السداسي الفيثاغوري، .. وهذا السلم غير البدائي، بالتأكيد والمنطلق من العقلنة الملتزمة بالمسافة والذي ظهر ضمن الأوكتاف، يلقي به الفارابي جانبًا". ص 415.

- في حين أنه ينسب تطور الموسيقى الغربية إلى بنيتها "العقلانية" التي أنتجت "النوطة" الموسيقية، فهو يقول: "ولو سأل المرء عن الشروط النوعية للتطور الموسيقي في بلاد الغرب، لكان الجواب يرتبط بأشياء كثيرة أهمها اختراع كتابة النوطة الحديثة لدينا". ص 398.

وهكذا تبدو مادة الكتاب تركز على الموسيقى العربية لِتُظهر العناصر السلبية فيها، من وجهة نظر فيبر كونها إنتاج أمة لم تعرف شكلًا متطورًا من العقلانية.

ثانيًا- لا يوجد حقل تخصصي في مجال الدراسات الاجتماعية العربية لمثل مادة هذا الكتاب، بمعنى لا يوجد تخصص في مجال "سوسيولوجيا الموسيقى" في المعاهد البحثية العربية –على حد علمنا- وكذلك من جهة حقل الدراسات الموسيقية لا يوجد تخصص يبحث في الأسس الاجتماعية والعقلية لتطور اللغة المنطقية الموسيقية، ومن ثمّ يبقى هذا البحث متروكًا للجهود والاهتمامات البحثية الفردية للمشتغلين في الحقول التي تلامس مادة الكتاب.

ثالثًا- ولكن من جهة ثانية، فإن الكتاب شهادة مهمة جدًّا على اطلاع فيبر على الثقافة العربية في أخص خصوصياتها في مثل مجال الموسيقى، فهو يستشهد ويقتبس من الفارابي، ويتحدث عن الموسيقى العربية ليس فقط في القرون الوسطى التي استشهد بها –كما رأينا- بل هو يشير إلى متابعته الموسيقى العربية في القرن التاسع عشر، ويقتبس عن مقالة أمريكية رصدت وضع الموسيقى العربية في سورية، والمقصود بها آنذاك "بلاد الشام"، فنجده على سبيل المثال لا الحصر، يقول:

"أخيرًا تقسم طريقة الحساب السورية- العربية الحديثة (نقلًا عن ميخائيل ميشاكا، عام 1830)، التي تميز 24 ربع صوت في الأوكتاف الواحد، عندما ترفع منها الأبعاد الأكثر أهمية في الموسيقى، في الحقيقة كل واحدة من الرباعيين الاثنين المتحدين من خلال "لا سي"، ومن خلال خطوة درجة كاملة  9/8، من خلال سي =،أربعة أرباع الصوت,، وخطوتين لثلاثة أرباع الصوت مختلتين: 12/11، 88/81، تصفهما هذه الطريقة حيث الاثنتان = ثلاثة أرباع الصوت". ص318.

وفي موضع آخر نجد فيبر يتحدث عن دور آلة "العود" في تطوير السلم الموسيقي العربي في القرون الوسطى، فيقول:

"(...) لقد كانت آلة العود (والكلمة عربية) هي حاملة التطور الأفقي والشاقولي (للسلم الموسيقي)، التي هي في العصر الوسيط آلة العرب الحاسمة في تثبيت الأبعاد، وكان هذا شأنها مثل القيثارة لدى الهيللينيين، المونوكورد في الغرب، وأخيرًا ناي البامبو في الصين". ص 316-317.

نكتفي بهذه الأمثلة، ونختم بقولنا مادة الكتاب غير مهمة كثيرًا من الناحية العلمية للدراسات العربية المعاصرة، ولكنها مهمة من جهة تاريخ الدراسات المتعلقة بفيبر ووجهة نظره بالموسيقى العربية، وأسسها الثقافية. ولكن كان من الممكن لهذا العمل أن يصبح مادة معرفية عظيمة الفائدة لو أن القدر أمهل المؤلف حتى ينهي كتابته. ولكن ما لدينا هنا هو عمل غير مكتمل، بل مجرد مقدمات أولية وافتراضات لم يتم اختبار صحتها أو التثبت منها، ولولا الجهد الذي بذلته زوجة فيبر ماريانا، وطلابه وزملاؤه، لما كان من الممكن أن يشهد هذا الكتاب النور، إلى درجة أننا نجد الزوجة تذكر في يومياتها أنها وجدت كومة من الأوراق غير المتسلسلة، وكان الخط في حالات كثيرة غير مقروء، حتى إنها اضطرت مع البرفسور تيودور كروير -الذي كتب مقدمة العمل الأساسي- أن يقدّروا المعنى تقديرًا في مواضع كثيرة، وأن يملأوا الفراغات في مواضع أخرى.. إلخ. وهذا ما صرح به البرفسور كروير في مقدمة العمل، فكتب:

"لقد كان للناشرين عذابهم المحبب مع خط اليد الذي يمثل ’قذارة, مخطط موسع من خلال آلاف من التعليقات، مصحح ومتعرض للشطب واللصق. إن الإضافات الضيئلة، المرمية بشكل سريع والمحشوة ضمن الآلة الكاتبة القديمة لم تكن نادرًا حجرَ عثرة أمام العين المسلحة، وأتاحت فك الرموز من خلال مقارنات الخط المجهدة. في كثير من الأحيان لم تثمر هذه الجهود ولم يبقَ سوى السير حسب المعنى. ولقد بذلت السيدة ماريانا فيبر جهودًا حثيثة لفك رموز هذه اللغة الهيروغليفية. من دون أن ننسى التذكير بأنه أتيح للمراجعة المتعددة المتأنية أن تزيل جميع العقبات وأن تنقذ هذا العمل الرائع النقي من التلف لتقديمه إلى الأجيال القادمة". ص 276.

وبعيدًا عن عبارات التقريض في هذا الاقتباس، فإنه يظهر حجم الصعوبات التي واجهت فريق النشر، إلى درجة أنه من الممكن أن يتضمن الكتاب أفكارًا أو آراء ليست هي التي قصدها فيبر؛ لأن كلام المقدم وكلام ماريانا أشار إلى أنهم اضطروا إلى وضع إضافات كثيرة.

وبكل الأحوال عندما يكون لدينا عمل مترجم إلى اللّغة العربيّة، ونريد أن نعرف مدى أهمية هذا العمل، فإننا نسأل حينها ما هو الشيء الجديد الذي يمكن أن يضيفه هذا العمل إلى الثقافة العربية؟ ما مدى حاجة الثقافة العربية إلى محتوى هذا العمل؟

ونعتقد أن الإجابة عن هذين السؤالين تبين أن محتوى هذا العمل لا يستطيع أن يقدم لثقافتنا العربية العلمية والعامة الكثير.. وطبعًا هذا مقارنة ببقية أعمال فيبر التي في معظمها شديدة الأهمية، خاصة الأجزاء المنهجية منها، ولكن رغم ذلك، تأبى عبقرية ماكس فيبر -هذا المفكر الكبير- أن تتركنا من غير أن تهبنا أفكارًا عظيمة، لذلك في الصفحة رقم (232 إلى 233) من النص الألماني، وفي الصفحة رقم (299) من الترجمة العربية، يذكر فيبر معلومة في غاية الأهمية بل هي غاية في الخطورة! إلى درجة أننا نقدّر أنّها أهم فكرة وردت في الكتاب بما يتعلق بالثقافة العربية. على الرغم من أنه يعني بها فقط الموسيقى العربية، لكننا نعتقد أنه يمكن تعميمها على مجمل المعرفة العلمية في الثقافة العربية. إن ماكس فيبر يرى أن انحسار الموسيقى العربية وتراجعها وافتقادها التدوين الموسيقي أي "النوطة"، إنما كان بسبب حادثة تاريخية مفصلية في مصير الثقافة العربية، وهي "الاجتياح المغولي" للعالم العربي والإسلامي عامة، وللعاصمة بغداد خاصة. من المؤكد أننا لا نستطيع اختزال تراجع الثقافة العربية فقط في هذه الواقعة التاريخية المعروفة لنا جميعًا، ولكن لا شك أنها أهم أسباب التخلف الثقافي والعلمي العربي، وإلا كيف يمكن تفسير أن المجتمع العربي، الذي كان في القرون الوسطى يزن الكتب بالذهب، وفي كل بيت مكتبة، وفي كل حي عالم أو عالمة، يصبح اليوم عدد الأمية فيه نحو 100 مليون، منهم 67 مليون امرأة أي من كل ثلاثة عرب، واحد لا يعرف القراءة والكتابة. إن ما أشار إليه فيبر يشبه خلية نحل جمعت رحيق الأزهار عبر أجيال وأجيال، ثم في لحظة تتعرض خليتها إلى تدمير فتفقد حصيلتها من العسل، وتعود إلى نقطة الصفر. هذا يشبه ما حصل للثقافة العربية التي دمر البرابرة المغول –آنذاك- حصيلتها العلمية والمعرفية التي جمعتها على مر قرون طويلة واختزنت فيها خلاصة معارف الحضارات السابقة وعصارة ما طورته بنفسها. نعتقد أن هذه الفكرة تصلح بداية لفهم أكثر عمقًا لأهم أسباب انحسار الثقافة العربية بما فيها الموسيقى العربية، وعودتها إلى مرحلة متأخرة تقترب من مرحلة البداوة.

يقول فيبر:

„Die moderne arabische Musik z.B. obwohl Gegenstand theoretischer Behandlung, ist in der langen Periode seit den Mongolenstürmen allmählich ihres alten Schriftsystems verlustig gegangen und gänzlich Schriftlos“. (MWG, B1/14, S. 232- 233).

الترجمة:

 "الموسيقى العربية الحديثة مثلًا، على الرغم من أنها موضوع المعالجة النظرية، إنما هي في المرحلة الطويلة منذ الاجتياح المغولي خسرت تدريجيًّا نسقها التدويني القديم، حتى أصبحت فاقدة للتدوين تمامًا". ص 399.

هذه الحقيقة المهمة جدًّا، التي أشار إليها فيبر، تصلح فرضية شاملة حول تخلف الموسيقى العربية عن عصر التدوين الموسيقي. وأكثر من ذلك  تصلح فرضية لأبحاث موسّعة حول سبب تخلف المعرفة في الثقافة العربية والإسلامية، وخروجها عن نسقها التطوري الذي كان ينبغي أن تواصل السير فيه. ونحن نفترض أن أهمية الكتاب للقارئ العربي لا تكون لما احتواه من مادة علمية تاريخية غير مدققة بشكل جيد، بل لخصوصية هذه الفرضية بالذات!

منتدى العلاقات العربية والدولية

fairforum.org