النظرية التقليدية والنظرية النقدية

2020-01-16
النظرية التقليدية والنظرية النقدية

تأليف: ماكس هوركهَايمر

في هذا الكتاب خمس مقالات متفرقة للفيلسوف الاجتماعي ماكس هوركهايمر نُشرت معًا في كتابٍ واحدٍ، وقام لاحقًا الأستاذ الدكتور ناجي العونلي -مشكورًا- بنقلها إلى اللغة العربية. وفي هذه المراجعة لا نناقش التفاصيل، بل نكتفي بأن نتطرق -في عجالة- إلى بعض الملاحظات العامة. بالعودة إلى الأعمال الكاملة للمؤلف، فإننا نجد أنّ (معظم) هذه المقالات قد اختيرت، لترصد مراحل التّطور المعرفيّ لدى المؤلف، أكثر من كونها تعكس مجمل جوانب المشروع المعرفي لـ"هوركهايمر". وعلى الرغم من الشهرة التي يتمتع بها المؤلف في الثقافة الألمانية، فإننا لا نستطيع من الناحية الموضوعية والتاريخية أن نغمض العين عن حقيقة أن هوركهايمر خاصة، ومدرسة "فرانكفورت" بما فيها هبرماس عامة، قد تجاوزوا الدور المعرفي -في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية- إلى دور أيديولوجي – سياسي، تمثل بملاحقة التوجهات الأكاديمية النازية تحت مسمى "مكافحة معاداة الساميّة"، ولكنهم لم يتوقفوا عند هذا الحد! وعليه إذا أردنا أن نُقيّم أهمية العمل، فلابُدّ من مراعاة نفوذ تيار هوركهايمر، المدعوم والممول في حينه من قبل السلطة الحاكمة في المجتمع، والذي حصل على قيمة وشهرة أكبر وأكثر مما يستحق فعلًا من الناحية العلمية والموضوعية. وبعد هذا التصدير، يمكننا التطرق إلى أهمية العمل في الإطار التخصصي:

1- المقالة الأولى: "المادية والميتافيزيقا". وهي مأخوذة من المجلد الثالث، وترصد الصراع المحتدم الذي كان يدور في أروقة الفلسفة في المجتمع "البرجوازي" حول أولوية "رؤية العالم" هل تكون مادية أم "ميتافيزيقيا". في الحقيقة، إن أهمية المقالة تنحصر في إطار تاريخ الجدل الفلسفي حول هذه الإشكالية، أي قيمتها من الناحية المعرفية تأريخية محدودة أكثر من كونها تقدم مساهمة معرفية حقيقية.

2- المقالة الثانية: "الأنانية وحراك التحرر: مساهمة في أنثروبولوجيا العصر البرجوازي". وهي مأخوذة من المجلد الرابع. في هذه المقالة نجد توصيفًا تاريخيًّا نقديًّا للنظرة إلى الطبيعة البشرية في العصر البرجوازي، ومحاولات تبرير تسلط طبقة الأثرياء على المجتمع واحتكارهم السلطة عبر دوافع أخلاقية أو دينية. وهنا تم رصد أهم أشكال المقاومة الاجتماعية أو الفكرية -بما فيها الثورات والانتفاضات الشعبية- ضد أنانية وتسلط تلك الطبقات المتنفذة منذ مجتمعات القرون الوسطى في أوروبا إلى المجتمعات الحديثة، مرورًا بالثورة الفرنسية وما أحدثته من تحولات. كما أن هوركهايمر يحاول فهم الدوافع النفسية والاجتماعية للهيمنة أو لمقاومتها أو للرضوخ لها. ولا بد هنا من الإشارة إلى ملاحظة مهمة تتعلق بهذه المقالة؛ حيث نجد أن المؤلف يحاول جاهدًا رصد سلوكيات الحاكم المستبد في مجتمعات روما في القرون الوسطى إلى القرون الحديثة في المجتمعات الأوروبية، ويحاول إسقاطها بصورة غير مباشرة على سلوكيات هتلر، الذي كان يحاكي سلوكيات القياصرة في إطار حلمه النازي بإحياء "الإمبراطورية الجرمنية المقدسة". أي إن المقالة كتبت -غالبًا- لدوافع "أيديولوجية" أكثر من كونها معرفية.

 3- المقالة الثالثة:"النفوذ والأسرة". وهي مأخوذة من المجلد الثالث، ويرصد فيها هوركهايمر التطور التاريخي لأشكال الثقافة والنفوذ والأسرة من حقبة الاستبداد إلى الحقبة الليبرالية، والتركيز هنا كان حول دور الأسرة وأشكال النفوذ الذي مارسته أو مورس عليها داخل المجتمع. هنا أيضًا لا توجد مساهمة أصيلة للمؤلف، فالمقالة تنحصر قيمتها في إطار "تأريخ المعرفة" مع رؤية تحليلية مبسطة. وعليه فإنها تكتسب قيمة محدودة في الإطار التخصصي.

4- المقالة الرابعة والملحق التابع لها: "النظرية التقليدية والنظرية النقدية". وهي مأخوذة من المجلد الرابع، هذه المقالة تكتسب أهمية خاصة بالمقارنة مع بقية المقالات. وهي مساهمة أصيلة لـ"هوركهايمر"، في إطار "نظرية المعرفة"، وتحتوي على مدخل "إبستيمولوجي" مهم جدًّا في المعنى العلمي "للنظرية"، كما أنها ترصد بحرفية عالية أبرز نقاط الخلاف المنهجي -كما كان ينظر إليه في ذلك الوقت- بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية، بما فيه الجدل المعرفي بين التيار "الإمبريقي أو التجريبي" والتيار "النظري". كما أن أهمية المقالة تأتي في إطار المشروع الأساسي الذي تبنته مدرسة "فرانكفورت"، وهو تحويل دور الفلسفة وكذلك المعرفة العلمية من مجرد نشاط عقلي- نظري يجري تحت الأروقة الأكاديمية إلى أدوات للنقد الاجتماعي- السياسي المباشر، أي أدوات لرصد معاناة الإنسان المعاشة، بدلًا من أن تبقى مجرد تصورات نظرية. ومن المعروف أن هذا الهدف تبناه هوركهايمر ومدرسة "فرانكفورت" في إطار الفلسفة الماركسية من خلال إعادة إحياء البعد النقدي لهذه الفلسفة، وهذا واضح من خلال عنوان هذه المقالة.

5- المقالة الخامسة: "العقل والمحافظة على الذات". وهذه المقالة مأخوذة من المجلد الخامس. ما يميز هذه المقالة أنها كتبت في ذروة اشتعال الحرب العالمية الثانية، وفيها نجد صرخة إنذار -إذا صح التعبير- يطلقها هوركهايمر؛ فثمة خطر رهيب يهدد "أصول مفاهيم الحضارة الغربية" بالانهيار: صعود النازية والفاشية واستخفافهما بقيمة العقل وقيمة الإنسان وإزهاق الأرواح واجتثاث أعراق أو أقليات، مما يشكل ارتدادًا وانقلابًا على القيم الإنسانية التي أراد المجتمع الليبرالي تدعيمها. في هذه المقالة كان المؤلف قد اضطر إلى الهرب إلى خارج ألمانيا، ومن ثمّ كان نقده مباشرًا وصريحًا للحكم النازي. والمقالة بمجملها تحاول شحذ الأسلحة الفكرية لمواجهة الأيديولوجية النازية. ومن ثمّ أهمية المقالة تنحصر في هذا الإطار الأخير المحدود أكثر من كونها تحتوي مساهمة علمية أو تطرح فرضية ما.

وإذا ما تتطرقنا إلى الشأن الثقافي الألماني العام، فإن أهمية المقالات إنما تتمثل في النقاط التالية:

1- هي حلقة مفصلية في سلسلة تطور مدرسة "فرانكفورت".

2- هي جزء من تاريخ تطور الأفكار في المجتمع الألماني.

3- هي تعكس تفاعل المفكر المقاوم للتيار النازي ولطروحاته "الأيديولوجية".

4- هي ترصد تفعيل البعد النقدي لطروحات الماركسية الجديدة في ألمانيا في حينها.

5- هي جزء من تاريخ المعرفة العام.

أما في حقل الدراسات الفلسفية والاجتماعية العربية، فيمكننا إجمال أهمية هذه المقالات في النقاط التالية:

1- تشكل هذه المقالات الخمس مدخلًا موجزًا ومفيدًا نسبيًّا للباحث العربي لفهم بعض جوانب المشروع المعرفي لـهوركهايمر، كونها أُخذت من فترات زمنية متعددة. أي إنها -كما أشرنا سابقًا- ترصد بعض جوانب التطور المعرفي الذي مر به المؤلف.

2- المقالة الرابعة على وجه الخصوص تعطي فكرة جيدة عن أحد الأهداف المهمة التي سعى المؤلف إلى تحقيقها، وهي -كما أشرنا- تجاوز الإطار النظري إلى المستوى النقدي. كما أنها مساهمة مفيدة في إطار بناء الأفكار وتطوير الفرضيات.

3- المقالات تعطي فكرة لا بأس بها للباحث العربي عن بعض جوانب النشاط المعرفي لمدرسة "فرانكفورت" من خلال أحد أبرز ممثليها ومؤسسيها.

4- تحتوي هذه المقالات على درس مهم للباحث في إطار هذا التخصص عن أشكال مقاومة الاستبداد والطغاة بالأدوات المعرفية، وربما هذا يشكل حاجة ملحة للباحث العربي في مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية في إطار الظروف المعقدة والحرجة التي تمر بها المجتمعات العربية. وهذه المقالات تشير بشكل مكثف أنه ينبغي للمثقف والأكاديمي أن يكون له دور إيجابي في ما يجري في مجتمعه.

في الإطار العام الثقافي والمعرفي العربي، ربما أهمية المقالات بشكل عام محدودة الأهمية، لا يمكن مقارنة أهمية هذه المقالات في الثقافة الألمانية مقارنة بالثقافة العربية، وذلك أنها تحمل في معظمها أشياء لصيقة وخاصة في مجتمعها. وهي جزء من أرشيف فترة خطيرة ومهمة للمجتمع الألماني، وليست بالأهمية ذاتها للثقافة العربية، لذلك نرجح بأنها هنا محدودة الأهمية لثقافتنا. طبعًا إلى جانب أن المقالة الثالثة تحتوي على حكم جائر ومجحف بحق الحضارة والثقافة العربية - الإسلامية المشرقة في القرون الوسطى من خلال تبني هوركهايمر لهذا المنظور الغربي المخادع لتاريخ تطور الثقافة الإنسانية، ولتجاهل المساهمة العربية- الإسلامية الكبيرة آنذاك، فهو يردد مثل هذا، بقوله:

"(...) الطور الذي يمتد من انهيار الامبراطورية الرومانية إلى القرن الخامس عشر، قد كوّن مرحلة مظلمة من مراحل الإنسانية، وهو إن جاز العبارة، بمثابة البيات أو السبات الشتوي للثقافة الذي ينبغي أن يعتبر بوصفه مجرد طور انتقالي". (ص189).

ولكن رغم كل شيء نرى أن هذا الكتاب جدير بالاطلاع عليه، وحفي بالاشتباك النقدي مع مادته، كما يجدر بنا الإشارة إلى الجهد الكبير الذي بذله مترجم الكتاب إلى العربية.

عبد الحكيم شباط
عبد الحكيم شباط
حاصل على دكتوراة فلسفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية من جامعة برلين. له العديد من المؤلفات العلمية والأدبية، باللغتين الألمانية والعربية.