السياسة الخارجية الألمانية نحو قطر (1999- 2014) - العلاقات الدبلوماسية بين المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

2020-02-12
السياسة الخارجية الألمانية نحو قطر (1999- 2014) - العلاقات الدبلوماسية بين المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

صدر مؤخرًا كتاب باللغة الألمانية للباحث يريمياس كيتنر، ضمن سلسلة المجتمع العالمي والعلاقات الدولية التي يشرف على تحريرها توماس ياغر في مؤسسة النشر الدولية المعروفة "شبرنغر"، وهي تصدر في مدينة كولن. والكتاب يرصد تطور العلاقات الألمانية - القطرية، وسبل التعاون في مختلف المجالات الحيوية، حيث قيّم هذه التجربة ما بين عامي 1999م إلى نهاية عام 2014م، وألحقها بما استجد حتى عام 2019م.

يقول الكاتب إن العلاقات بين البلدين ترجع إلى أربعة عقود، لكن العلاقات لم تتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى أن شهدت تحولًا نوعيًّا ابتدأ مع زيارة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد في عام 1999م إلى ألمانيا، وتوقيع اتفاقيات لتبادل المصالح بلغت قيمتها نحو 177 مليون دولار، وهي كانت التأسيس لبداية حقبة جديدة من العلاقات بين البلدين، وأخذت تتنامى إلى أن تُوّجت بزيارة سمو الأمير الشيخ تميم إلى برلين في الخامس من سبتمبر من عام 2018م، حيث بلغت الاستثمارات القطرية ما يزيد على 25 مليار يورو، وبلغ حجم التبادل التجاري ما يزيد على 3 مليار يورو، وبلغ عدد الشركات الألمانية التي تعمل في دولة قطر نحو 100 شركة. ومن العلامات المميزة لهذه العلاقة الموقف الإيجابي الذي اتخذته الحكومة الألمانية إبان إعلان الحصار على قطر. ولكن في المقابل فإن الكتاب ينطلق من فكرة جوهرية، وهي لوم الجانب الألماني بأنه لا يزال مقصرًا كثيرًا في تقدير أهمية الشراكة الاقتصادية والثقافية مع قطر، وأن الدراسات المتخصصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعدّ بطيئة جدًّا في مقابل تسارع تطور العلاقات بين البلدين، بمعنى أن تطور النشاط العملي يسبق تطور النشاط العلمي، وهذا بحد ذاته يشكل ظاهرة غريبة في السياسة الخارجية الألمانية، حيث إن العلاقات الألمانية ببقية الدول يسبقها تخطيط دقيق للغاية ودراسات سياسية واقتصادية ودبلوماسية معمقة جدًّا. لقد تحولت قطر بشكل متسارع إلى الشريك التجاري الثالث لألمانيا في الشرق الأوسط، ومرشحة لموقع أكثر تقدمًا في ظل التدهور الملحوظ في العلاقات السعودية الألمانية، خاصة بعد التورط في أخطاء لا تغتفر، كالحرب العبثية في اليمن وشناعات بحق المعارضين في الخارج والداخل، وتخبط ملحوظ في المواقف تجاه قضايا عربية وإسلامية مصيرية، مثل قضية فلسطين وعاصمتها التاريخية القدس.

يتكون الكتاب من تمهيد وأربعة فصول وخلاصة، بالإضافة إلى ملحق يحتوي جداول الأرقام والبيانات والإحصائيات المهمة.

في التمهيد ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن الدراسات السياسية الألمانية مقصرة جدًّا تجاه تقدير الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط عامة، وقطر خاصة، وكيف أن النظرة الإجمالية إلى منطقة الشرق الأوسط من غير مراعاة الخصوصية لكل دولة، انعكس في تأخر وعي وزارة الخارجية الألمانية إلى أهمية تطوير الشراكة الاقتصادية والسياسية والأمنية مع قطر، وهو يرى أن فهم طبيعة الدول في الشرق الأوسط وخصوصية كل واحدة منها مهم جدًّا لفهم التطورات الإقليمية في المنطقة، وتأثيرها المباشر في الجوار الأوروبي عمومًا، وفي الاقتصاد والأمن القومي الألماني خاصة.

أوضح الباحث أن هذا التقصير كان المحفز الأساسي الذي حدا به لاختيار موضوع دراسته هذا، وتبنيه الأهمية الاستراتيجية لتطوير العلاقات الألمانية -القطرية. كما أشار إلى أن أحدث دراسة مقدمة في هذا المضمار كان قد مر عليها أكثر من عشر سنوات، وهي تتعامل مع منطقة الخليج العربي ككتلة موحدة من غير مراعاة الأهمية الخاصة بكل بلد. كما أن الدراسات السابقة كانت غالبًا ما تتناول العلاقات من وجهة نظر أحادية ألمانية، دون مراعاة ضرورة معرفة وجهة نظر الطرف الآخر وتصوراته حول شكل هذه العلاقات والمصالح المتبادلة. كما أنه ينبغي إعادة تقييم الوضع في الشرق الأوسط بعد موجات ثورات الربيع العربي ودور قطر فيه. كذلك لابد من تقييم المراحل الحرجة التي مرت بها هذه العلاقة إبان إثارة ملف العمالة في قطر، في إطار تجهيز البنية التحتية لاستقبال كأس العالم المقبل في عام 2020م. والباحث يشيد بالشفافية التي عالجت بها المؤسسات القطرية هذا الملف.

جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان "إطار التحليل النظري ومنهجية العمل". ويندرج تحته ثلاثة محاور أساسية: الأول يبحث في المصالح الاجتماعية والسياسية الخارجية لألمانيا، وهو أمر يفرضه عليها طبيعة اقتصاد الدولة الذي يعتمد على استيراد المواد الخام من مصادر الطاقة من جهة، وتصدير التقانة والصناعات الثقيلة، وكيف أن الرؤية الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط بقيت محكومة بالأدبيات الأمريكية أو بالأحرى تابعة لها وتدور في فلكها، ولا توجد مدارس فكرية ألمانية خاصة ومستقلة لتقييم الوضع الاستراتيجي للعلاقات الألمانية العربية والألمانية القطرية بمعزل عن المؤثرات الأمريكية، وإلى ضرورة إعادة تقييم هذه التصورات المسبقة، وكذلك ضرورة إعادة بناء المصالح الألمانية بمعزل عن المؤثرات التابعة للسياسة الأمريكية، وبما يراعي المصالح الألمانية أولًا، والأوروبية ثانيًا. أما المحور الثاني فهو يبحث في الجهات الفاعلة في السياسة الخارجية في ألمانيا، وكيف أن تبدل المصالح الاجتماعية داخل بنية المجتمع الاقتصادي الألماني يشكل ما يشبه الشبكة المعقدة من العلاقات المؤثرة في صناعة القرار في وزارة الخارجية، وأهم سمة تميز هذه المؤثرات أنها برغماتية الطابع، تسعى إلى تحقيق مكاسب عبر قنوات لا تصطدم بشكل ملحوظ أو حاد مع المصالح المجتمعية العامة، وهي سمة تميز كافة أو معظم المجتمعات الرأسمالية اللبرالية في الغرب عمومًا. كما يتدخل عنصر أساسي ومؤثر في القرار يتمثل في مصالح الولايات الألمانية المختلفة ومدى قوة ونفوذ كل واحدة منها داخل الاتحاد الفيدرالي الألماني. أما المحور الثالث فيبحث في منهجية العمل وهيكليته في وزارة الخارجية الألمانية، حيث يتم صياغة القرارات وصناعتها في وزارة الخارجية تجاه العلاقات مع قطر وفق عدة مستويات منها مستوى العلاقات الأوروبية – الخليجية، ومستوى العلاقات العربية – الألمانية، ومستوى العلاقات الألمانية القطرية. كما أنه ثمّة دائرة أوسع من العلاقات في إطار العلاقات مع العالم الإسلامي. ويتم وفق هذه المستويات مراعاة الاتفاقيات والعقود الأمنية الثنائية المتبادلة مع قطر في مجال الاقتصاد والطاقة والثقافة، والتعاون في حل النزعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك في تنسيق البعثات الدبلوماسية والزيارات المتبادلة ما بين قيادة البلدين.

أما الفصل الثاني من الكتاب فكان بعنوان "قطر – البيئة [المتاحة] للنشاط الألماني السّياسي والاقتصادي". في هذا الفصل يقدم الباحث دراسة موسعة وواعية لبنية المجتمع القطري وفق عدة محاور، هي: هيكلية الدولة والسلطة السياسية وآليات صنع القرار، النموذج الاقتصادي للدولة وحركة التنمية الاقتصادية المتسارعة، الإطار القانوني وممارسة الأعمال التجارية، المحيط الإقليمي وتوجهات السياسة الخارجية القطرية، الإطار الثقافي وما يندرج تحته من قضايا الدين والأسرة والنشاطات الاجتماعية الأخرى في المجتمع القطري. ويشير الباحث إلى حرية المعتقد التي يكفلها قانون الدولة، وإلى الخطوات المهمة التي بدأت بها قطر منذ عام 2001م في تأسيس خطاب عقلاني يدعو إلى حوار الأديان والحضارات، ويقول إن قطر برزت بوصفها "باني جسر محتمل بين الثقافات".

وجاء الفصل الثالث بعنوان "ألمانيا وقطر: تحليل العلاقات بين عامي 1999- 2014". وفيه يحلل الباحث تطور العلاقات السياسية، والتعاون في معالجة القضايا الأمنية الإقليمية والدولية، وكذلك التعاون في مجال التسلح والتدريب، ومجال الطاقة وأمنها، والتعاون المهم في مجال العلاقات الاقتصادية، حيث يرصد تطورها المطرد، ويتطرق إلى نظام تعزيز التجارة الخارجية الألمانية مع قطر، ودور الجمعيات التجارية الحكومية والمبادرات التي تقوم بها كذلك الشركات الخاصة، والجهات الفاعلة في القطاعات السياسية والإدارية وأدوات التمويل، كما يبحث حدود وأساليب ترويج التجارة الخارجية الألمانية في قطر، والاستثمارات القطرية الواسعة في البنية التحتية وفي قطاعات الرياضة والثقافة والتقنية والعلوم والتعليم.

أما الفصل الرابع فقد خصصه الباحث حول المواضيع الإشكالية التي تحاول أن تروجها بعض الأطراف حول دولة قطر في الخارج، مثل مزاعم تمويل الإرهاب، وظروف العمل المحلية وادعاءات الفساد، وخلط السياسة مع المصالح الاقتصادية، وغيرها من الأمور التي تم تفنيدها. ويتناول كذلك مقاربة السوقين المحليين في ألمانيا وقطر، وهيكلية الشركات الخاصة والحكومية، وسبل الاتفاق والاختلاف وإمكانيات التعاون. كما يحاول الإشارة إلى السلبيات والإيجابيات في أداء السوقين التجاريين في البلدين، وأيضًا الاختلافات والتقاربات بين الثقافتين، وأفق التعاون المستقبلي وتطوير العلاقات وتعزيز المصالح.

ينهي الباحث كتابه بملخص حول أهم المحاور التي تطرق إليها الكتاب، بالإضافة إلى ملحق يحتوي جداول البيانات والإحصائيات التي أغلبها ترجع إلى مصادر رسمية قطرية وألمانية.

يمكن القول إن الكتاب يشكل محاولة جيدة -رغم اعتراضنا على بعض ما جاء فيه- إلى تطوير الدراسات السياسية والاقتصادية وتخصيصها حول دولة قطر في مراكز الأبحاث الألمانية، وتقديم تصورات أوضح للشعب الألماني حول قطر شعبًا وحكومة ودينًا وثقافة واقتصادًا. كما يأتي الكتاب استجابة لتدشين مرحلة جديدة من تطور العلاقات والمصالح الواسعة بين قطر وألمانيا، ويعكس حاجة صانع القرار السياسي والاقتصادي في ألمانيا إلى معرفة المزيد حول قطر.

عبد الحكيم شباط
عبد الحكيم شباط
حاصل على دكتوراة فلسفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية من جامعة برلين. له العديد من المؤلفات العلمية والأدبية، باللغتين الألمانية والعربية.